اسرائيل تحذر من تحوّل سوريا الى “ايران سنية”: “طالبان” على الأبواب!
هل نحن أمام “طالبان” جديدة في سوريا وربما أمام تطورات قد تجعل دمشق صرحاً يجب أن تسقطه اسرائيل كما أسقط الأميركيون كابول بعد “الحادي عشر من أيلول”؟
هذا هو سؤال الكثير من المراقبين العرب والأجانب الذين يتخوفون من أن تكون حوادث سوريا بعد سقوط بشار الأسد، مدخلاً محتملاً الى حروب متشعبة تختلط فيها المصالح والأديان والطوائف والأعراق والتيارات والأنظمة والتاريخ، اضافة الى دعوة مفتوحة يمكن لأي طرف تلبيتها سواء على متن دبابة أو على خريطة تحول سوريا الى ملاذات على شكل أوطان أو أوطان على شكل ملاذات.
فما أصاب العلويين في الساحل السوري قبل أسابيع، وما يتعرض له الدروز في الجنوب السوري الآن، وما قد يتعرض له الأكراد في المناطق الشمالية الشرقية، يوحي وكأن الرئيس أحمد الشرع المدعوم من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يسعى الى واحد من أمرين: اما تحويل سوريا الى بلد سني محض، واما تحويل الاقليات فيها الى رهائن أو مجرد أرقام لا دور لها ولا خصوصيات، وهو أمر لا يمكن أن يمر بسلام في حسابات الدول المحيطة به لاعتبارات أمنية وديمغرافية وطائفية وسياسية وحتى جغرافية، ولا يمكن أيضاً أن يجعل من الوجه المدني للرئيس السوري مؤشراً جدياً الى سياسات الانفتاح والتعايش وعلاقات حسن الجوار.
وسواء كان الشرع متورطاً في ما جرى أو يجري في بلاده، فلا شيء يبعد عن فصائل في سوريا ما جرى في الأردن الذي أحبط أخيراً مؤامرة قادها “الاخوان المسلمون” الذين يدورون مباشرة في الفلك نفسه الذي تدور فيه “هيئة تحرير الشام” وحركة “حماس”، وفي شكل غير مباشر في الفلك الأصولي الآخر الذي تديره ايران عبر الحوثيين و”حزب الله” و”الحشد الشعبي”.
ولا يبدو العراق أفضل حالاً من الأردن، فهو متخوف، على الرغم من الاتصالات التي تجرى بين الحين والآخر مع الجار السوري، من أن يمتد نفوذ السنة الجدد في الشام الى سنة العراق الذين فقدوا السيطرة لمصلحة الشيعة الموالين لايران بعد سقوط صدام حسين، وكذلك الأمر بالنسبة الى لبنان الذي يعوّل على دور المملكة العربية السعودية في ترتيب الأمور مع سوريا بعد دخول “حزب الله” على خط القلاقل التي وقعت بين الطرفين، وفي المساعدة على ترسيم الحدود المشتركة براً وبحراً.
لكن أكثر المرتبكين حيال ما يجري في سوريا هم الاسرائيليون الذين يتجاهلون تطمينات النظام الجديد في دمشق اضافة الى كاسحة الألغام السعودية فيها، ويطلقون التهديدات المباشرة وغير المباشرة وكذلك التحذيرات من أن تتحول سوريا الى “ايران سنية” أو غزة ثانية، اضافة الى الخوف من أن تتمكن “تركيا – الأخوانية” من الاستقرار على حدودها.
ويتردد في دوائر تل أبيب أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أبلغ الى الأميركيين أنه لن يرضى بأمرين: الأول حصول ايران على قنبلة نووية، والثاني سيطرة تركيا على سوريا، مؤكداً أنه لن يتوانى عن أي عمل، سواء منفرداً أو مشتركاً، لحماية أمن اسرائيل حتى لو أشعل المنطقة عن آخرها.
ويتردد أيضاً أن ثمة قراراً اتخذ في أوساط الجيش الاسرائيلي والحكومة معاً يمنع انتشار قوات الشرع في المناطق الدرزية المحاذية للدولة العبرية من جهة أو اخضاع الدروز لسلطة النظام الجديد في دمشق، وهو ما يفسر لجوء اسرائيل الى خطاب مباشر تهدد به الشرع نفسه وتشن غارات جوية قريبة من القصر الرئاسي في العاصمة السورية.
والواقع أن الرئيس دونالد ترامب يعرف ذلك ويعرف أنه عالق بين أمرين، فهو لا يستطيع لجم اسرائيل التي تقاتل عدوين مشتركين هما ايران والأصولية السنية، ولا يستطيع تحمل أي اشتباك جدي بين حليفين هما تركيا واسرائيل، مكتفياً حتى الآن على الأقل برفض الانفتاح على الشرع والتخلي عن أكراد “قسد”، ورفض الانسحاب من مفاوضاته مع ايران قبل التأكد من أمرين: تفكيك برنامجها النووي، والانسحاب من حدودها المركبة مع اسرائيل في كل من لبنان وغزة ومن خطوط الملاحة البحرية في اليمن.
ويتردد في واشنطن نفسها أن ترامب قد ينظر الى سوريا في عهد الشرع كما نظر أسلافه الى أفغانستان في عهد “طالبان” في حال لمس منه ما يبرر أي عمل استباقي أو انتقامي، لكنه يكتفي الآن بالتعامل معها من باب العقوبات المفروضة عليها منذ زمن بشار الأسد، ولا يزال يراهن على الأدوار العربية والأوروبية التي تحاول التقرب من الرئيس السوري أو استيعابه، مبلغاً الى اسرائيل أن أي محاولة متسرعة لاسقاطه ستعني عودة ايران الى دمشق وسيطرة “حزب الله” مجدداً على لبنان.
انه المأزق في حسابات المحللين والمراقبين في المنطقة والعالم، والفتيل الذي ينتظر من يشعله كما أشعل أسامة بن لادن حرب أفغانستان ويحيى السنوار حرب غزة وحسن نصر الله حرب لبنان.
فهل يقدم الشرع على دخول المناطق الدرزية وخوض مواجهة مباشرة مع الجيش الاسرائيلي البعيد عشرين كيلومتراً فقط من دمشق، وجر تركيا الى حرب معها حلف الأطلسي في مأزق جديد موازٍ لمأزقه في أوكرانيا؟
أسئلة كثيرة لجواب واحد لا يفهمه لبنان الرسمي أو لا يريد الاعتراف به على الأقل، وهو أن العالم بأسره قد ضاق ذرعاً بهذه المنطقة المفخخة، وقرر التخلص من مصادر أزماتها سواء جاءت من ايران أو من “حزب الله” أو من الأصوليات الاسلامية على أنواعها، والخروج من المنطقة الرمادية طوعاً عبر الصفقات أو قسراً عبر المواجهات، مؤكداً أن طهران بدأت تسلم بهذا الواقع ولو على مضض، وكذلك العرب الذين بدأوا يتقبلون خيار التطبيع مع الدولة العبرية ولو في بطء باستثناء لبنان الرسمي الذي لم يخرج من المدرسة القديمة أو يتخلى عن الكتاب الذي يمنع اتخاذ المبادرات وصنع القرارات مكتفياً بدعوة الله في المقابل الى كسر اليد التي لا يقوى على كسرها.
وانطلاقاً من هذا المشهد القاتم، لم يعد أمام لبنان الا أن يتحرك في الداخل لمنع ثلاثة أمور: الأول جر إسرائيل الى حرب جديدة، والثاني جر الشرع الى لبنان، والثالث الوصول الى مرحلة لا يجد فيها من يحميه من الاثنين معاً أو الى مرحلة انقلابية تطيح العهد الأميركي كما جرى في ٦ شباط العام ١٩٨٣، وتعيده الى ما قبل “حرب الاسناد” وربما الى ما قبل الجاهلية.
انطوني جعجع- لبنان الكبير



