“القوات” تواجه إنقلاب الثنائي الشيعي…المتسللّ بمشروع مفخّخ

يُحاول الثنائي الشيعي الحزبي أن يلعب كل أوراقه ليستمر في مشروع الهيمنة على البلد، فهو يعرف أن صلاحية ورقة السلاح التي سمحت له في ممارسة الهيمنة منذ عام 2005 وحتى اليوم، أوشكت على نهايتها، وبالتالي ها هو يطرح البدائل متسللاً بمشروع مفخّخ ظاهره الغاء الطائفية السياسية وباطنه تغيير قانون الانتخابات النيابية من الديموقراطية التعددية إلى الديموقراطية العدديّة التي تسمح له بالسيطرة على المجلس النيابي وضرب “المكوّن المسيحي” بالصميم، وهذا ما يبدّل صورة لبنان المعروف بتوازناته التاريخية والميثاقية التي لا حياة له من دونها، إذ يُصبح بلدأ محكوماً من طائفة واحدة لا فرادة فيه ولا تنوّع.

يقود هذا الانقلاب السياسي الخطير الرئيس نبيه بري عبر قانون للانتخابات النيابية طرحه معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، والمفارقة أنه لا يزال هناك ما لا يقل عن سنة لإجراء الانتخابات النيابية والوسط السياسي واللبنانيين عموماً منهمكون بمعالجة آثار الحرب الأخيرة ويحاولون استعادة سيادة مفقودة ومسروقة من “حزب الله” ومرجعيته الايرانية، إضافة إلى انهم يتحضّرون لإجراء الإنتخابات البلدية والاختيارية، وبالتالي هو توقيت مشبوه، وقد طُرِحَ بطريقة “التهريبة” وهي سابقة تتمثّل بعدم مرور مناقشة القانون باللّجان النيابيّة قبل اللّجان المشتركة.

وكي لا يبقى هناك التباساً، فإنّ النائب خليل تقدّم باقتراح قانون انتخابي جديد يتضمّن قسمين:

الأوّل، انتخاب مجلس نوّاب من 134 عضواً، بعد أن يُضاف الى أعضاء المجلس الحالي ستّة نوّاب يمثّلون الاغتراب، ويُنتخب المجلس لأربع سنوات على أساس النظام النسبي، ولبنان دائرة انتخابيّة واحدة.

الثاني، انتخاب مجلس شيوخ من 46 عضواً لولاية تمتدّ لستّ سنوات، على أن تجري الانتخابات على أساسٍ مذهبيّ، أي أن يَنتخب كلّ شخص مرشّحاً من مذهبه على أن يكون لبنان دائرة انتخابيّة واحدة ضمن النظام النسبي.

طبعاً هذا الأمر أثار حفيظة الجانب المسيحي وتحديداً “القوات اللبنانية” ونوابها، ولعل الموقف الأقوى كان من النائب جورج عدوان الذي اعتبر أنّ “اقتراح خليل​ لقانون الانتخاب غير موفّق لا في التّوقيت ولا في الشّكل ولا في المضمون، ولا يساعد على التّضامن الوطني بعد الحرب الّتي حاولنا طيّ صفحتها”، لافتاً إلى أنه يضرب الميثاقيّة “بعدما نجحنا في تمثيل 56 نائباً مسيحيّاً، بينما اقتراح خليل يخفّضه إلى 39 نائباً، أي سطوة العدديّة على الميثاقيّة”، مذكّرًا بـ”أنّنا قبلنا بموضوع وزارة المال نتيجة الحرب ومراعاة لشعور طائفة معيّنة، رغم وجوب اعتماد المداورة، ونَصّ الدّستور بوضوح على الميثاقيّة والمناصفة”.

حتماً هذه ليست المرة الأولى التي يطرح فيها الثنائي الحزبي الشيعي مثل هذا القانون، علماً أنه يعرف حساسية الأمر لدى المكوّن المسيحي، ويبدو أن كثر من الكتل النيابية المسيحية وغيرها من الطوائف الأخرى والمرجعيات الدينية كالبطريركية المارونية لم تعلم بالموضوع، فكانت “القوات” الجهة الأولى التي إكتشفت الأمر، وكان يُراد به أن يكون نوعاً من “التهريبة”، وفق مصادر معراب.

لا شك في أن المحاولة باءت بالفشل بعد سلسلة مواقف نارية من نواب تكتل “الجمهورية القوية” الذين اعتبروا أن الأمر غير دستوري لأنه يضرب الميثاقية والتعددية، وتؤكّد مصادر معراب “أن الأولوية اليوم هي للقضية السيادية، ولا يحاول أحداً الهروب إلى عناوين أخرى، فالمطلوب الآن تطبيق وقف إطلاق النار واحتكار الدولة للسلاح وبسط سيادتها على كل أراضيها، ونحن نلتقي بذلك مع مواقف رئيس الحكومة ووزير الخارجية”.

واللافت أن ثورة معراب ضد قانون على حسن خليل لا يعني أنها ترفض النقاش بملفات أخرى، إلا أن حلّ موضوع السلاح يتقدّم على كل الملفات اأخرى، وتشير إلى أنه “بعد حل هذه القضية نحن مستعدون للبحث في مواضيع أخرى، على قاعدة أن قانون الانتخابات النيابية في لبنان هو قانون انتخاب ميثاقي وليس قانون لتداول السلطة فقط، والقانون الحالي يُعبّر أفضل تعبير عن التمثيل الفعلي والصحيح، وبالتالي محاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتحديداً إلى ما كان يحصل عام 1991 أيام السيطرة السورية الأسديّة هو أمر مرفوض، وتعتبر المصادر إلى أن أي بحث في قانون الانتخاب يجب أن يعكس صحة تمثيل المجموعات اللبنانية، والقانون المُعتمد اليوم يتميّز بصحة التمثيل، علماً أن قوانين الانتخابات في أي دولة لا تتغيّر في كل دورة انتخابية، بل هي ثابتة، وإذا كان لا بد من تغييرها فيكون الهدف المزيد من صحة التمثيل لا العودة إلى ممارسات سابقة لضرب التمثيل في لبنان”.

بات من الواضح أن ما يطرحه الثنائي الحزبي الشيعي، وفق مصادر معراب، هو إحياء لمنطق الديموقراطية العددية من خلال طرح صوتين تفضيليين لضرب صحة التمثيل، وهذا ما يضمن له الهيمنة بالعدد بدلاً من السلاح، فيُمسك البلد بالديموغرافيا والعددية، ما سينسف مبدأ التعددية في لبنان، ويضرب خصوصيّة الدولة اللبنانية، لذلك هو مرفوض.

بعد تثبيت قانون الانتخابات النيابية واحتكار الدولة للسلاح، لا مانع لدى “القوات اللبنانية” من طرح حوار في قصر بعبدا حول مستقبل النظام السياسي في لبنان، لكن لبنان حتى الآن لم يخرج من دائرة الخطر، لذلك ليس مسموحاً طرح مواضيع تستجرّ الخلافات والانقسامات بين اللبنانيين.

جورج حايك- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة