لبنان أمام لحظة حاسمة: رؤية “الحزب” وسط ضغوط التطبيع!

استراتيجيات تتلاءم مع التحديات

في عالم السياسة، لا يكون التاريخ مجرد ماضٍ، بل يصبح سلاحاً بيد من يعرف كيف يقرأه. واليوم، وسط العواصف الجيوسياسية التي تعصف بالشرق الأوسط، يتجدّد الصراع في لبنان بين مشروع أميركي يسعى إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة، ومقاومة اعتادت أن تقلب المعادلات حين يظن خصومها أنها محاصرة.

على الرغم من نفي مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ستيف ويتكوف، ما نقل عنه من حديث عن ضغط أميركي على لبنان ليصبح على سكة التطبيع مع اسرائيل، إلا أن تحركات واشنطن الأخيرة في لبنان، يلتمس منها محاولة لدفع لبنان نحو هذا المسار، وما تصريحات نائبة ويتكوف، مورغان أورتاغوس وتحركاتها إلا دليلاً على ذلك، ولكن قد يكون الضغط ناعماً وليس كما يتداول بأنه فرض واملاءات.

المقاومة في حالة انضباط استراتيجي
وسط هذه الأجواء، كشفت مصادر مقرّبة من “حزب الله”، في حديثٍ لموقع “لبنان الكبير”، عن رؤية الحزب للوضع الراهن في المنطقة، معتبرة أن “المقاومة تعيش حالةً من الانضباط الاستراتيجي، شبيهة ببروتوكول الصمود، في انتظار اجتياز المرحلة الحالية التي تُهيمن فيها المعادلات الاقليمية لصالح المحور الأميركي-الاسرائيلي”.

ورأت المصادر أن “الموجة الراهنة ليست نهائية، فالتاريخ يُعلّمنا أن الميزان يتقلّب كالأمواج.. اليوم ليست معركتنا، وغداً قد تكون الفرصة لمن يعرف كيف يقرأ التحوّلات”.

وفي تحليلها للأوضاع الاقليمية، أشارت المصادر إلى أن “التحديات لا تقتصر على المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، بل تمتد إلى محاولات قوى إقليمية أخرى ملء الفراغ في سوريا، عبر التمدد التركي شمالاً، والاختراقات الاسرائيلية في الجنوب، إلى جانب الوجود الأميركي المُكثّف الذي يُحاول إعادة تشكيل خريطة النفوذ”.

وعلى الرغم من الاعتراف بأن “محور المقاومة يتعرض لضغوطٍ غير مسبوقة”، لفتت المصادر إلى أن “هذه المرحلة ليست الأولى التي يُحاصر فيها المحور.. فالتاريخ يشهد بأن كل محاولات تفكيكه – منذ الثمانينيات حتى اليوم – انتهت إلى تعزيز صموده، وليس العكس”.

وأضافت: “الرهان على استمرار الوضع الحالي كمن يبني بيتاً على الرمال.. فمن عاش حروباً عدة وعقوباتٍ لعقود، يعرف أن المعادلة تُكتَبُ بأكثر من حبرٍ أميركي”.

استراتيجيات تتلاءم مع التحديات
في دوائر “حزب الله”، يُدرك القادة أن المرحلة الراهنة ليست في صالحهم، ولكن كما يقولون: “يوم لك ويوم عليك”. لا يعني ذلك الاستسلام، بل تبني استراتيجيات جديدة تتلاءم مع طبيعة التحديات:

– رفض نزع السلاح بأي ثمن: ترى المقاومة أن الضغط الأميركي ليس جديداً، بل يتكرر منذ اجتياح 1982، مروراً بعقوبات 2006، وانهيار 2019، وصولاً إلى رؤية دونالد ترامب. لكنها تؤمن بأن ما فشلت واشنطن في فرضه بالحرب، لن تنجح في انتزاعه بالمفاوضات.

– تعطيل أي مسار تطبيعي: تدرك المقاومة أن أي محاولة لجرّ لبنان نحو “السلام الاقليمي” ستواجه رفضاً داخلياً عميقاً، ليس من بيئة الحزب وحسب، بل حتى من خارجها ومنهم خصوم الحزب.

– الرهان على الوقت والصراعات الدولية: مع احتدام المواجهة بين روسيا والغرب، وتزايد التوتر الأميركي – الصيني، يدرك الحزب أن الأولويات الدولية قد تتغير، وأن استمرار الضغط عليه ليس مضموناً على المدى الطويل.

التاريخ لصالح الصامدين
تاريخياً، فشلت واشنطن في فرض سيطرتها على لبنان، سواء عبر التدخل العسكري المباشر (1982)، أو عبر العقوبات الاقتصادية (2006)، أو الرهان على انهيار الداخل اللبناني (2019). السبب؟ ثلاث حقائق لم تستوعبها الادارات الأميركية المتعاقبة:

. لبنان لا يُحكم من الخارج: مهما بلغ الضغط، تبقى التوازنات الطائفية والداخلية سيدة الموقف.

.”حزب الله” ليس مجرد ميليشيا: هو شبكة سياسية – عسكرية – اجتماعية، باتت تُشبه “دولة داخل الدولة”، ما يجعل اقتلاعه أكثر تعقيداً.

.القوة وحدها لا تكفي: الترهيب من دون تقديم بديل اقتصادي واجتماعي يُحوّل الضغوط إلى فرصة للمقاومة، بدل أن تكون وسيلة لإضعافها.

لبنان أمام لحظة حاسمة
بقدر ما تبدو الخيارات واضحة، فإن التداعيات أكثر تعقيداً. إذا أرادت واشنطن فرض إملاءاتها، فقد تجد نفسها أمام مقاومة تتكيّف مع الضغوط، وتعيد إنتاج استراتيجياتها لمواجهة الحصار.

هكذا، وكما في كل معركة وجودية سابقة، تجد المقاومة نفسها مرة أخرى أمام معادلة مألوفة: إما الصمود حتى تمر العاصفة، أو الانحناء لرياح التسويات المفروضة.

لكن التاريخ في هذا البلد الصغير يُخبرنا بأن العواصف قد تهدأ، لكن جذور المقاومة تبقى عصية على الاقتلاع، من العصر العثماني إلى الانتداب الفرنسي، وحتى الاحتلال الاسرائيلي، والطريقة الوحيدة التي قد تكون فاعلة، هي ايصال لبنان إلى نقطة ينتفي فيها دور المقاومة، وهذا يحتاج إلى جهود ضخمة، وتنازلات اسرائيلية.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة