تغييرات ديموغرافية: فك الحصار والعقوبات عن لبنان وسوريا مشروط بـ”تسوية” مع إسرائيل

يتشابه دفتر الشروط الأميركي المفروض على لبنان مع ذاك المفروض على سوريا. على الرغم من دخول البلدين في مرحلة سياسية جديدة، ووسط الاحتضان الكبير الذي ظهر عربياً ودولياً للسلطتين الجديدتين. إلا أن المجتمع الدولي يتعاطى معهما بأنهما في حالة اختبار دائمة، وستبقى الامتحانات قائمة ومستمرة. ومع أي نوع من المساعدات يفترض أن تحصل عليه إحدى الدولتين، لا بد له أن يكون مقروناً بشروط قاسية، إما سياسياً، أو مالياً، أو عسكرياً، أو على مستوى السياسة الخارجية. الهدف الأميركي الأساسي والمعلن للوضع في المنطقة هو “السلام”، أي تكريس السلام مع إسرائيل وإنهاء الصراع، وهو ما يقتضيه “الإجهاز” على القضية الفلسطينية، ومنع قيام دولة مستقلة للشعب الفلسطيني. فمشروع ترامب لريفييرا الشرق الأوسط انطلاقاً من غزة، والفيديو الهزلي الذي نشر لترامب ونتنياهو على شواطئها، يشير بوضوح وجدية إلى النوايا الإسرائيلية الأميركية، في جعل القطاع خالياً من السكان. ذلك يُضاف إلى الإصرار الإسرائيلي على إفراغ مخيمات الضفة الغربية من السكان تمهيداً لضم الضفة بشكل كامل.
تغييرات ديموغرافية
تواصل إسرائيل سعيها وراء تحقيق مشروعها بالإرتكاز على الضغط العسكري الكبير أو الضغط السياسي، بالإضافة إلى مشاريع التهجير التي أطلقتها من قطاع غزة، وتسعى إلى إحداث بعض التغييرات الديمغرافية. حتى الآن اصطدمت تل أبيب برفض مصري وأردني لأي عملية تهجير للفلسطينيين، لكنها لم تتخل عن هذا الخيار وإن اقتضى ذلك تهجير الفلسطينيين إلى دول أخرى. في الموازة تتواصل الضغوط العسكرية على سوريا ولبنان معاً. وتعتبر إسرائيل أنها نجحت في توجيه ضربات قاسية واستراتيجية لكل حركات المقاومة أو للجهات التي تصر على مواصلة الحرب معها وضدها وترفض أي اتفاقات سلام. تعتبر إسرائيل أنها حققت ربحاً صافياً على إيران ومحورها، من خلال ضرب حلفائها عسكرياً وإضعافهم، بالإضافة إلى استمرار التلويح بإمكانية ضرب إيران نفسها، إن لم تقدم الأخيرة تنازلات كبيرة جداً لتجنّب تلك الضربة. ذلك أسهم في إبعاد إيران عن التأثير أو التحكم في الساحتين السورية واللبنانية.
تطور المسار بين إسرائيل وإيران، وبين الولايات المتحدة الأميركية وإيران هو أحد المسارات المتحكمة بمسار فرض السلام على دول المنطقة. فيما المسار الآخر هو تبلور موقف عربي أو إقليمي جامع يرفض المنهجية المشتركة الأميركية الإسرائيلية.
الضغوط والعقوبات
الضغوط التي تُمارسها واشنطن على طهران، من خلال اعتماد استراتيجية الضغوط القصوى عبر العقوبات، هي نفسها تعتمدها مع لبنان وسوريا. فعلى الرغم من الانفتاح السياسي والاحتضان الواضح للسلطتين الجديدتين، إلا أن ذلك لا يزال غير مكنوز بحجم المساعدات المطلوبة والاحتياجات الضرورية لإحداث نهضة في البلدين.
بعض المعلومات الواردة من الولايات المتحدة الأميركية تفيد بأن واشنطن غير جاهزة حتى الآن لرفع العقوبات عن سوريا، وهي لا تزال تمارس ضغوطاً على القيادة الجديدة وعلى الرئيس أحمد الشرع، وذلك يوضح أن مسار رفع العقوبات سيكون مرتبطاً بمدى الاستجابة السورية للشروط المفروضة أميركياً أو حتى إسرائيلياً على طريق فرض مسار “السلام”. ومن غير المستبعد أن تكون هناك فكرة إسرائيلية تقتضي بتهجير الفلسطينيين من غزة أو من الضفة إلى الأراضي السورية، في حال استمرت مصر والأردن على رفضهما لمشروع التهجير. وليس كلام المسؤولين الإسرائيليين عن انعدام ثقتهم بالإدارة الجديدة في سوريا إلا أسلوب جديد من أساليب الضغط للحصول على المزيد من التنازلات أو الالتزامات من قبل القيادة السورية.
لبنان أيضاً أمامه دفتر شروط واضح للحصول على المساعدات المطلوبة أو التي يحتاجها. وبما يتعلق بتقوية الجيش اللبناني وتعزيز وضعيته ليصبح قادراً على السيطرة على كامل الجغرافيا اللبنانية، فهذا يجب أن يحصل مقابل إضعاف حزب الله، ومقابل سلوك مسار سياسي جديد في السياستين الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى فتح مسار تفاوضي مع إسرائيل يؤدي في النهاية للوصول إلى اتفاق سلام أو ما يشبهه، ربطاً بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وهو مشروع كان قد طُرح قبل سنوات مديدة، وكانت آخرها في العام 2017 عندما نقل هذا المقترح أحد الوزراء البريطانيين إلى السلطات اللبنانية.
كذلك لن يتمكن لبنان من تحصيل المساعدات المطلوبة إلا من خلال إحداث تغيير يتجاوز سياسته الخارجية، ليشمل كل البنية الداخلية في مؤسساته الأمنية والعسكرية، أو مؤسسات الدولة الإدارية والمدنية، بالإضافة إلى إعادة هيكلة كل وضعيته المصرفية والمالية بما يتلاءم مع الشروط الدولية ولا سيما الأميركية، فيصبح البلد خاضعاً لضوابط مفاتيح التحكم بها في الخارج وليست في الداخل.
منير الربيع- المدن