اعادة تأهيل الفنادق الكبرى في لبنان: هل هي البداية؟

بعد التحديات الاقتصادية التي عانى منها لبنان خلال السنوات الماضية، يبدو أنه يستعد لدخول مرحلة جديدة عنوانها التفاؤل والنهوض. فمع بداية العام الجديد، تشير المؤشرات إلى أن القطاع السياحي، الذي لطالما كان العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، على وشك استعادة دوره الحيوي، مدفوعاً بتطورات سياسية إيجابية واستثمارات نوعية تستهدف إعادة بناء الثقة وتعزيز النشاط الاقتصادي.
يشكل القطاع السياحي أحد أهم ركائز الاقتصاد اللبناني، بحيث يلعب دوراً محورياً في جذب العملة الصعبة وتوفير فرص العمل. ويبدو أن هذا القطاع يستعد لاستعادة زخمه مع الاعلان عن مشاريع جديدة، أبرزها إعادة تأهيل فندق “فور سيزونز” في بيروت، أحد المعالم الفاخرة التي تعكس الوجه المشرق للضيافة اللبنانية.
فقد أعلن الأمير الوليد بن طلال، عبر منصة “إكس”، عن إطلاق عملية شاملة لاعادة بناء هذا الفندق، مؤكداً أن المشروع سيكتمل في الربع الأول من العام 2026. ويُتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز مكانة لبنان كوجهة سياحية إقليمية وعالمية.
واعتبر رئيس اتحاد جمعيات السياحة والفنادق النقيب بيار الأشقر أن الإعلان عن إعادة تأهيل فندق “فور سيزونز” مع تحديد افتتاحه مطلع العام 2026، يعكس بداية إيجابية لعودة الاستثمارات السعودية إلى لبنان.
وأوضح الأشقر أن الأمير الوليد بن طلال سبق وباع فندقي “فور سيزونز” و”موفنبيك” في بيروت، مشيراً إلى أن ورشة إعادة تأهيل “فور سيزونز” قد انطلقت منذ فترة بقرار واضح لتجديد الفندق، بحيث تُقدر تكلفة المشروع بحوالي 105 ملايين دولار.
كما كشف أن عدة فنادق لبنانية تستعد لاعادة فتح أبوابها قريباً، ومنها فندق “لو غراي” في وسط بيروت، الذي سيُعاد افتتاحه قبل “فور سيزونز”، نظراً الى أن ورشة التأهيل الخاصة به انطلقت قبل فترة طويلة. كما يستعد فندق “فاندوم” للعودة إلى العمل بعد استكمال أعمال التجديد.
وأكد الأشقر أن جميع الفنادق في لبنان تسير نحو استئناف نشاطها الطبيعي قريباً، لافتاً إلى أن عدداً كبيراً من أصحاب الفنادق بدأ باتخاذ قرارات لتجديد منشآته، في ظل أجواء التفاؤل السياسي، التي إن استمرت في مسارها الإيجابي، ستسهم بصورة كبيرة في إعادة تنشيط القطاع السياحي ككل.
ومع انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية في 9 كانون الثاني الجاري، شهدت شركات الطيران زيادة ملحوظة في حجوزات المغتربين اللبنانيين الذين يخططون لقضاء صيف 2025 في وطنهم، بعدما منعتهم الحرب الاسرائيلية والاعتداءات السابقة من العودة خلال الصيف الماضي. ويتوقع العاملون في قطاع السياحة أن يكون صيف 2025 مميزاً، مع تدفق المغتربين والسياح العرب والأجانب، وأن تلعب الفنادق دوراً محورياً في إعادة صياغة استراتيجياتها التشغيلية، متجاوزة حدود الاستعداد التقليدي، لتقديم تجربة استثنائية تواكب التوقعات المتزايدة، خصوصاً أن صيف 2023 سجل أرقاماً قياسية مع 1.3 مليون زائر، ونسب إشغال فندقي تراوحت بين 75% و100%، وإيرادات تجاوزت الـ 10 مليارات دولار. وهذه التحضيرات تضع الفنادق في موقع القيادة لدعم الانتعاش السياحي المتوقع في لبنان.
وتعكس هذه المشاريع اهتمام المستثمرين بإعادة ضخ الأموال في قطاع السياحة، ما يبعث برسالة واضحة أن لبنان لا يزال يمتلك مقومات الجذب السياحي التي يمكن البناء عليها لتحقيق النمو الاقتصادي. وسيساهم الاستقرار السياسي الذي بدأ يظهر في الأفق، في تعزيز الثقة بمستقبل البلاد، لا سيما أن خطاب القسم الذي ركز على الاصلاح والاستقرار، منح اللبنانيين نفحة أمل جديدة، كما شجع المستثمرين المحليين والأجانب على العودة إلى السوق اللبنانية.
والتطورات السياسية ليست معزولة عن السياق الاقليمي والدولي، بحيث تشير الأجواء إلى وجود دعم متزايد للبنان بهدف استعادة دوره كمنارة اقتصادية وسياحية في المنطقة. وعودة النشاط إلى القطاع السياحي ليست مجرد إنجاز اقتصادي، بل هي خطوة استراتيجية تسهم في تعزيز النمو العام. فالسياحة في لبنان ليست قطاعاً قائماً بذاته، بل هي محرك أساسي للعديد من القطاعات الأخرى مثل التجارة، النقل والخدمات.
ومن المتوقع أن يؤدي انتعاش القطاع السياحي إلى توفير آلاف فرص العمل، فضلاً عن زيادة تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد، ما يساعد في تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز الاستقرار المالي. ولا شك في أن المشاريع الكبرى، مثل إعادة تأهيل الفنادق وافتتاحها، ستعيد لبنان إلى خريطة السياحة العالمية. وهذه الجهود لا تقتصر على البنية التحتية، بل تشمل أيضاً تحسين الخدمات السياحية وتطوير البرامج الترويجية التي تستهدف الأسواق الاقليمية والدولية.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن لبنان على أعتاب فصل جديد من تاريخه الاقتصادي، يحمل في طياته الأمل بمستقبل أفضل يعيد للبلاد مكانتها كوجهة سياحية واقتصادية رائدة في المنطقة. ومع استمرار هذه الجهود، قد يكون الصيف المقبل بداية حقيقية لانطلاقة لبنان نحو الازدهار.
لبنان الكبير



