الثلث المعطّل دُمّر في الحرب الأخيرة: حكومة وفاق “ملغّمة” أو إنسجام؟

قد يكون تشكيل حكومة في لبنان من أصعب المهام السياسية نظراً إلى “نهم” القوى السياسية اللبنانية المتعددة لنيل حصص وافرة من الحقائب والمشاركة في السلطة، فيما قلّة قليلة تقتنع بالبقاء في المعارضة وتمارس دورها الرقابي والاصلاحي كما يجب، علماً أن مهمة المعارضة لا تقل أهمية عن دور السلطة الحاكمة.
وتتذكّر مرجعية سياسية معارضة كانت مقرّبة من البطريرك الماروني الراحل مار نصر الله بطرس صفير كلامه المعبّر الذي يصف فيه الحكومات اللبنانية منذ العام 2005 وحتى اليوم، بأن معظمها كان فاشلاً، وقال صفير آنذاك: “حكومة الوفاق الوطني أشبه بعربة يجرّها حصانان أحدهما يشدّ بها الى الأمام، والثاني الى الوراء”، لافتاً الى أن “العادة جرت، في العالم كله، أن تتولى الأكثرية الحكم، حتى اذا أخفقت أو هزلت أو خذلت تولت الأقلية الحكم مكانها”.
هذا الكلام الرؤيوي الذي نطق به البطريرك صفير لا يزال صالحاً حتى اليوم، وتستحضره المرجعية السياسية لتؤكّد أن “نوايا الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام في تشكيل حكومة فاعلة وانقاذية للبلد قد لا تكفي وحدها، لأنه بمجرد أن تكون هناك قوى سياسية متناقضة في الاتجاهات سينعكس ذلك على أداء الحكومة، لذلك من الأفضل التركيز على تشكيل حكومة متجانسة مؤلفة من قوى سياسية ذات رؤية مشتركة، فتكون فريق عمل منسجماً وفاعلاً”.
لمّح “الحزب” إثر مشاركته في الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة، إلى محاولات اقصاء له، لكن فعلياً لم يحاول أحد اقصاءه، إنما خياره الذي تمثّل بتسمية رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي، بدا غير متناسب مع المرحلة الجديدة التي بدأها لبنان، واللعبة الديموقراطية أفضت بالنواب الذين يمثّلون الشعب اللبناني، إلى تسمية القاضي نواف سلام رئيساً للحكومة، وهذا خيار منطقي ينسجم مع رئيس الجمهورية وخطاب القسم. وتشير المرجعية السياسية المعارضة إلى أن “الحزب” اعتاد الثلث المعطّل الذي ضمنه له اتفاق الدوحة، إلا أن مفاعيل هذا الاتفاق دُمّرت في الحرب الأخيرة، و”فائض القوة” الذي كان يستخدمه “الحزب” بات محظّراً.
وتستفيض المرجعية السياسية في الكلام عن الثلث المعطل والحكومات السابقة، واصفاً ذلك بالخدعة التي توحي بالحكم التوافقي، إلا أنها لم تكن تطبيقياً إلا نظام حكم لزعماء الطبقة السياسية وتوافقهم على تقاسم مغانم السلطة، وليس التشاركية في صنع السياسات العامة وإدارة الدولة. وقد احتكر فيها “الحزب” قرار السلم والحرب، وهذا ما لم يعد وارداً اليوم مع رئيسي الجمهورية والحكومة الجديدين المصممين على بناء مؤسسات الدولة وإعادة الاعتبار اليها وإنقاذ لبنان من أزماته المتعددة التي أوقعته بها “الممانعة”.
خطورة الثلث المعطّل، تكمن في إمكان بقاء منظومة الحكم تحت هيمنة التوافقات الهشّة التي لم تنتج سوى حكومات ضعيفة وفاشلة، وفق المرجعية السياسية، ويبدو أن “الثنائي الحزبي الشيعي” مقتنع اليوم بالبقاء خارج الحكومة، وهذا واضح من مقاطعته للاستشارات غير الملزمة، إلا إذا طرأ أي تغيير في اللحظة الأخيرة، لذلك هناك فرصة جديّة في تشكيل حكومة متجانسة، لا تضم موالاة ومعارضة في آن معاً، بحيث تحترم الدستور والقرارات الدولية وتنفّذ التزاماتها الاصلاحية لمصلحة الشعب اللبناني المنهك من حالة اللااستقرار منذ العام 2005 وحتى اليوم.
انتهى زمن حكومة موالاة ومعارضة في آن معاً، لأن ذلك قد يحوّلها الى حكومة متاريس فعلية يكمن كل وزير خلفها لزميله لأسباب سياسية أو لأسباب موضوعيّة ومبرّرة، ويُزايد عليه ويضع في طريقه العراقيل حيال أيّ بند يعنيه في مجلس الوزراء وخارجه، فتتحوّل الحكومة ساعتئذ الى حكومة “عَطلّي لعَطلّك”، كمَن يطلق النار على قدميه.
وتلفت المرجعية السياسية إلى أن من حق الثنائي الشيعي ولا سيما “الحزب” أن يكون في المعارضة، ووجودها هو ركن مهم في الحياة الديموقراطية، لكن عندما يكون طريق تشكيل الحكومة الوحيد هو التوافق والتراضي بين غالبية الكتل فإنَّ ذلك سيُلغي عَمليّاً وجود أي معارضة لها داخل البرلمان، ما يضرّ بالنهج الديموقراطي عندما يغيب مَن يصوّب وينتقد ويعطي بدائل لِلسياسات الحكومية. لذلك نأمل أن تأخذ اللعبة الديموقراطية بُعدها الحضاري للمرة الأولى في لبنان، معتبراً أن هذا لا يعني أن الميثاقية في لبنان، مهددة، كما عبّر النائب محمد رعد، بل إن الميثاقية تتكلّم عن مسلمين ومسيحيين ولا تتكلّم عن مسيحيين وسُنّة وشيعة، وهذا خطأ شائع وربما مقصود يُهدد به الثنائي الشيعي الحزبي من وقت إلى آخر.
وتُنهي المرجعية السياسية المعارضة مقاربتها بضرورة تسمية الكتل السياسية التي ستشارك في الحكومة وزراء تكنوقراط، أي اختصاصيّين يُمنحون الحرية في إتخاذ القرارات المناسبة بدافع من ضميرهم وكفاءتهم ورؤيتهم للإنقاذ المطلوب. الحقائب يجب أن يتسلّمها اختصاصيّون، فلكلّ حقيبة دورها ومهمتها، ولا يتعارض توزيع الحقائب على الوزراء “التكنوقراط” مع التشكيلة الحكومية، بل يتكامل معها، لتكون الحكومة فاعلة!
جورج حايك- لبنان الكبير



