من يلعب بالنار: اسرائيل أو “الحزب”… هل من تصعيد كبير قريب؟

لا تزال الأنشطة الحربية الاسرائيلية مستمرة جنوباً وتستهدف أحياناً الحدود اللبنانية السورية، وتبرر ذلك بوجود قواعد عسكرية لـ”حزب الله” أو حركة مسلحين تابعين له، فيما يبدو أن “الحزب” ضاق ذرعاً بالاستهدافات الاسرائيلية، لذلك يصف مراقبين وقف إطلاق النار بأنه لا يزال هشّاً في الجنوب.

لكن هذا المشهد المتوتّر لا يُمكن فصله عن المشهد السياسي اللبناني المتقدّم من حيث انتخاب رئيس للجمهورية وتكليف رئيس حكومة، وقيام الجيش بالانتشار في المواقع التي يخليها الجيش الاسرائيلي في القرى الحدودية.

واللافت أن اسرائيل تشكو على نحو متواصل من خجل الجيش اللبناني من وضع يده على مواقع “الحزب” وتفكيك بنيته العسكرية، علماً أن الرئيس جوزاف عون في خطاب القسم، حرص على التعهّد باحتكار الدولة للسلاح، وأعرب عن نيته الاستثمار في الجيش الحكومي لتأمين حدود لبنان.

أمام كل هذه التحديات، وبعد كل ما تسببت فيه الحرب الأخيرة، لم يتغيّر خطاب “الحزب” وأدبياته، إذ يكرر أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وبعض مسؤوليه نيّتهم الاحتفاظ بالسلاح للدفاع عن لبنان ضد “العدوان الاسرائيلي”.

وتؤكّد مصادر مطلعة في العاصمة الأميركية واشنطن أن اسرائيل لا تقصف قواعد ومنشآت وهمية في الجنوب، إنما لديها ما يُثبت أن “الحزب” لم ينسحب من جنوب الليطاني بعد، وهي تحذّر عبر وسائل اعلامها من انهيار اتفاق وقف إطلاق النار معه إذا لم ينسحب إلى ما وراء نهر الليطاني، تنفيذاً للقرار 1701، وهو أحد الشروط الرئيسية للهدنة.

لكن ما يحصل إثر كل قصف اسرائيلي، هو تبادل الاتهامات مراراً وتكراراً بانتهاك شروط الاتفاق على الرغم من أنه لا يزال صامداً إلى حد كبير. واتفق الطرفان على تراجع مقاتلي “الحزب” مسافة 40 كيلومتراً من الحدود الاسرائيلية اللبنانية، بينما تنسحب القوات البرية الاسرائيلية من الأراضي اللبنانية. وهذا لم يُطبّق حتى الآن على نحو كامل، فيما لا يزال هناك 11 يوماً من مهلة الـ60 يوماً.

وتشترط اسرائيل تراجع “الحزب” على نحو كامل وتسلّم الجيش اللبناني كل المواقع حتى تلتزم بالاتفاق وتتوقّف عن عملياتها العسكرية. علماً أن “اليونيفيل” أصدرت تقريراً بعد أقل من أسبوع من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مؤكّدة أن إسرائيل انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار “حوالي 100” مرة.

إلا أن المصادر المطلعة من واشنطن تعتبر أن اسرائيل لديها أدلّة قوية على محاولات “الحزب” نقل أسلحة. ومقابل اتهامات لبنان ببطء الانسحابات الاسرائيلية، تشكو اسرائيل من بطء انتشار الجيش اللبناني، لذلك هناك تفكير جديّ في واشنطن يميل إلى تمديد الموعد النهائي المحدد بـ 60 يوماً المنصوص عليه في الاتفاق للانسحاب والانتشار.

أما “اليونيفيل” فلا توافق اسرائيل على بطء الجيش اللبناني، بل اعتبرت في بيان منذ فترة غير طويلة أن قواتها “تعمل بشكل وثيق مع القوات المسلحة اللبنانية في تسريع جهود التجنيد وإعادة نشر القوات إلى الجنوب”، وأنها “مستعدة لدعم إسرائيل ولبنان للوفاء بالتزاماتهما، بما في ذلك ما يتعلق بغياب أي أفراد مسلحين أو أصول أو أسلحة بخلاف تلك التابعة لحكومة لبنان واليونيفيل جنوب نهر الليطاني، فضلاً عن احترام الخط الأزرق”.

وتلفت المصادر المطلعة إلى أن “الجيش الاسرائيلي سيواصل عملياته العسكرية في لبنان لكنه لن يشن حرباً واسعة النطاق، وما رصدناه أن الحزب يتبنى حالياً عقلية عسكرية وأمنية تعتمد على تقليص المعلومات والتصريحات العلنية، ولا نستبعد أن يلجأ إلى إتخاذ عمليات اسرائيل ذريعة لتأخير التقدّم على صعيد بناء الدولة اللبنانية، فيطلق صواريخه بإتجاه اسرائيل ويقلب الطاولة على الاتفاق”.

وهذا ليس مستبعداً لأن التصريحات الأخيرة للأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم لمّحت إلى قرب انفجار الوضع وعودة التصعيد، في ظل الانتهاكات والخروق الاسرائيلية، حين قال إن “قيادة المقاومة هي التي تقرر متى تقاوم، وكيف تقاوم، وطريقة المقاومة، والسلاح الذي تستخدمه”، مؤكداً أن “لا جدول زمنياً يحدد أداء المقاومة، لا بالاتفاق ولا بعد انتهاء فترة الستين يوماً في الاتفاق. قلنا إننا نعطي فرصة لمنع الخروق الاسرائيلية وتنفيذ الاتفاق، وأننا سنصبر، وهذا لا يعني أننا سنصبر 60 يوماً، ولا يعني أننا سنصبر أقل أو أكثر من 60 يوماً”.

لكن المصادر في واشنطن لا ترى أن من مصلحة “الحزب” خوض حرب واسعة النطاق مع الجيش الاسرائيلي، وبالتالي لم يعد من مصلحة الجانبين اللبناني والاسرائيلي خوض حرب واسعة النطاق في جنوب لبنان.

وستعمل اسرائيل كل شيء لتضمن أمن سكّان الشمال الذين اقتربت عودتهم إلى بيوتهم، وفق المصادر الأميركية، ومن المتوقع أن يعزز الجيش الاسرائيلي اجراءاته الأمنية، بما في ذلك إقامة حواجز جديدة لحماية المستوطنات الحدودية. وليس معروفاً ما إذا ستكون هذه الحواجز جدراناً إسمنتية شبيهة بجدار الفصل العنصري في القدس، أم إجراءات أمنية عنيفة تمنع سكان القرى الجنوبية من العودة إلى منازلهم.

كل ذلك، لن يمنع “الحزب” من الالتفاف على الاتفاق، وتوضح المصادر أن تفسيره للإتفاق مريب لجهة تسليم سلاحه في شمال الليطاني، أو تسليم السلاح تدريجياً وترسيم الحدود! ويبدو أن هذا الأمر يتيح لإسرائيل تعزيز سيطرتها، بما في ذلك تدمير أنفاق “الحزب” والبنية التحتية ومنع بناء منظومة دفاعية جديدة في جنوب لبنان.

يضع الأميركيون كل جهودهم لعدم توسّع الحرب مجدداً، لأن عكس ذلك سيؤدي إلى تصعيد كبير، يمكن أن تستهدف فيه اسرائيل البنية التحتية للدولة اللبنانية، وهو ما لم يحصل في العدوان الأخير. لذلك تركز الادارة الأميركية على تطبيق القرار 1701 حرفياً من دون تعديل، وهي تستبعد التصعيد على نحو كبير لأن لبنان أصبح تحت الرعاية الدولية بعد ابتعاده عن المحور الايراني الذي لم يعد له تأثير، كما أن نفوذه تراجع في سوريا وغزة.

جورج حايك- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة