لا مؤشرات على تبريد الجبهات: التفاوض تحت النار بمفعول إيراني؟

لم ينجح المبعوث الأميركي آموس هوكشتاين خلال زيارته الأخيرة بيروت في وساطته لتسوية الوضع على جبهة الجنوب وصولاً إلى التهدئة بفصلها عن غزة وتطبيق القرار 1701 والتفاوض حول ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل. لكن مهمته التي وصفت بأنها محاولة أميركية لمنع تمدد الصراع إلى المنطقة اصطدمت بمجموعة معوقات، وإن كانت لم تفشل نهائياً إذا ما قورنت بمهمته التي قادها لترسيم الحدود البحرية، حيث نجحت الوساطة الأميركية في التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل اعتبره “حزب الله” إنجازاً تاريخياً.

تبين بعد توقيع الاتفاق البحري في تشرين الأول (أكتوبر) 2022 أن المفاوضات غير المباشرة لم تقتصر على لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، بل كان لها امتدادات إقليمية سهلت الوصول إلى التوقيع، وذلك بعد تصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل وتهديدات متبادلة. قدم “حزب الله” بنيته في ذلك الوقت، أي خلال التفاوض، على أن مقاومته هي لحماية ثروة الغاز اللبنانية في حقل قانا، وهدد بقصف حقل كاريش، لا بل إنه أطلق طائرات مسيرة فوقه، ولوح بقصف المنصة البحرية بالصواريخ. وبالفعل وُقع الاتفاق بعد أشهر ليظهر أن له مفعولاً إقليمياً في غير ساحة، خصوصاً في العراق، انعكس بتشكيل الحكومة وتسوية بين الأميركيين والإيرانيين الذين كانت لهم الحصة الأكبر في التركيبة الجديدة.

تأتي وساطة هوكشتاين الراهنة في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، وأيضاً وسط توتر إقليمي وتصعيد في الساحات المختلفة من سوريا إلى العراق واليمن ودخول أميركي بتوجيه ضربات للحوثيين بعد هجماتهم في البحر الأحمر. الفرق عن الأمس هو أن عروض هوكشتاين للتهدئة والتوصل إلى اتفاقات، هو أنها تأتي في ضوء تحولات كبرى في المنطقة وحرب إسرائيلية رعتها الولايات المتحدة ضد الفلسطينيين تحت عنوان إنهاء حركة حماس، فيما تعاني إسرائيل مأزقاً وجودياً بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وهي لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة في حربها لا بل تكبدت خسائر كبرى نتيجة المقاومة الشرسة في القطاع.

تستمر الوساطة الأميركية من خلال هوكشتاين، على الرغم من استمرار الحرب على غزة، ومواصلة التهديدات الإسرائيلية بشن حرب على لبنان، إذا فشل الخيار الدبلوماسي، فيما يواصل “حزب الله” عملياته المساندة لغزة ضمن قواعد اشتباك تتوسع حيناً وتخف أحياناً أخرى، يعني ذلك أن الأميركيين يتحركون في ظل جبهة حرب بين لبنان وإسرائيل مفتوحة على كل الاحتمالات، بخلاف الواقع الذي كان قائماً قبل توقيع الاتفاق البحري. وتكمن المشكلة في أن ما هو مطروح على جبهة لبنان بات مرتبطاً بملفات إقليمية عدة، بحيث لا يمكن التوصل إلى اتفاق من دون سلة تفاهمات في المنطقة، لا يمكن أن تقطع من دون وقف الحرب في غزة.

في المنطقة، بدا أن هناك تناقضاً صارخاً بين وجهة أميركية حاول هوكشتاين تسويقها لتسوية الوضع في الجنوب اللبناني، والقائمة على فصل غزة عن لبنان، ومنها البحث في استعادة الاستقرار عبر التفاوض حول ترسيم الحدود وتطبيق القرار 1701، تجنباً لحرب إسرائيلية محتملة، وبين موقف محور المقاومة الذي يتمسك بوحدة الجبهات والساحات، وهذه الوجهة لها رعاية إيرانية تُستخدم في الكباش مع الأميركيين في المنطقة، وإن كانت تقبل بنقاش كل ملف على حدة. يتبين أيضاً أن الوساطة الأميركية تشكل القاعدة الأساسية في كل المبادرات الدولية تجاه لبنان. وهم يحملون المفاتيح السرية للحل وأيضاً القدرة على الضغط، فيما يصر “حزب الله” على إبقاء لبنان معلقاً بغزة، ومعه لبنان الرسمي الذي سلم رئيس حكومته الأمر لمحور الممانعة، وتماهى معه في كل المواقف، إذ يعرف الجميع أن التوصل إلى أي اتفاق حول جبهة جنوب لبنان يعني فصلاً كاملاً للبنان عن غزة، وتأكيد التزامه بمسار جديد لا يمكن معه العودة إلى الوراء.

التطورات المتسارعة في المنطقة، ومنها استمرار التصعيد على جبهة لبنان، تعكس تعقيدات لم تعد خافية في ظل النقاش القائم حول لبنان. أولها أن لا إمكان الآن للتوصل إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البرية وتطبيق القرار 1701، ما لم يتم الفصل بين جبهتي غزة ولبنان، وأيضاً لا يمكن العودة إلى اتفاق الهدنة 1949 بين لبنان وإسرائيل نظراً للتغيرات التي حدثت، وأيضاً تداخل النقاط المحتلة المختلف عليها، خصوصاً مزارع شبعا مع سوريا، إضافة إلى تناقض المواقف واستمرار التصعيد الإسرائيلي، وتمسك “حزب الله” بموقفه الرافض لأي بحث أو تفاوض قبل وقف إطلاق النار في غزة وإنهاء الحرب الإسرائيلية على القطاع. النقطة الثانية أنه لم يعد ممكناً عودة الأوضاع إلى الجنوب لما كانت عليه قبل 8 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وهو التاريخ الذي انطلقت فيه عمليات مساندة غزة بعد يوم على طوفان الأقصى.

صحيح أن مهمة هوكشتاين لم تنته، لكنها مرتبطة بالتطورات الإقليمية واستمرار حرب غزة المرشحة لأن تطول ومعها جبهة جنوب لبنان. لذا تبدو الاقتراحات الأميركية لوقف التصعيد والتفاوض حول ترسيم الحدود البرية غير واقعية ما لم يحدث تحول في غزة إما بوقف اطلاق النار، أو أن الأمور قد تنحدر إلى حرب كبرى، خصوصاً مع التصعيد على مختلف الجبهات. ولا شك في أنه رغم التصعيد في اليمن وفي العراق وسوريا، وجبهة جنوب لبنان وغزة، والحديث عن تصعيد العمليات من محور المقاومة، لا تزال هناك نافذة غير مباشرة مفتوحة للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة وتبادل رسائل لخفض منسوب التصعيد أو أي مواجهة، وهي لم تحدث مباشرة بين الطرفين، لكن حسابات خاطئة من هنا وهناك قد تؤدي إلى تدهور الأوضاع عسكرياً في المنطقة كلها.
وعلى الرغم من أن الأميركيين يمارسون ضغوطاً على إسرائيل لمنعها من شن حرب على لبنان في الوقت الذي يلوحون فيه دوماً بإجراءات ضد محور الممانعة وإيران، إلا أن الحرب الإسرائيلية تبقى خطراً داهماً على لبنان، ليس لأن الاحتلال قادر على فتح جبهات عدة، بل للخروج من أزماته والمأزق الذي يعانيه في الجبهة الشمالية أمام المستوطنين الذي يرفضون العودة إلى منازلهم ما لم ينته ما يسمونه التهديد الذي يمثله “حزب الله”.

لا مؤشرات فعلية على تبريد الجبهات في المنطقة ومنها لبنان، رغم الحديث عن أن الولايات المتحدة تضغط لتخفيف حدة الحرب الإسرائيلية على غزة. وفي المقابل لا يبدو أن هناك رغبة لدى الأطراف في حرب كبرى، لكن خطوط التفاوض الفعلي لا تزال مقفلة، رغم النافذة المفتوحة بين الإيرانيين والأميركيين، وهذا في ذاته يشكل خطراً في المرحلة المقبلة.

ويبقى الواضح وفق المسارات أن جبهة الجنوب تبقى الساحة الرئيسية التي يمكن أن تشعل الحرب الإقليمية الشاملة، إذا نفذت إسرائيل تهديداتها. ووفقاً للوقائع، إن فك الارتباط بين جبهة غزة وجنوب لبنان، غير ممكن عملياً، ولا سياسياً، فجبهة لبنان بالنسبة إلى إيران هي الوحيدة التي تؤمن حالة تواصل مباشرة في مواجهة إسرائيل ومع القضية الفلسطينية، وأي تسوية أو حل لا بد أن يرتبط بسلة تفاهمات إقليمية تحافظ فيها على تأثيرها ودورها في المنطقة. وعليه ستبقى جبهة لبنان مفتوحة إلى أن ينضج مسار التفاوض أو تدهم المنطقة حرب إسرائيلية تورط الجميع بها…

ابراهيم حيدر- النهار العربي

مقالات ذات صلة