عون الرئيس السابق “القوي” جداً يعترف: غير صحيح “ما خلوني”!

أطل بالأمس الرئيس السابق “القوي” جداً، ميشال نعيم عون، في مقابلة عرض فيها مواقفه من التطورات، ومستذكراً عهده الذي أنعم الله به علينا، على الأقل هذا ما يظنه هو ومحازبوه ومناصروه. وقد ضرب عون شعار “ما خلونا”، مؤكداً أنه على الرغم من العراقيل استطاع تحقيق الانجازات، والتي بنظره هي، التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، وإنجاز ترسيم الحدود البحرية، وأعلن النصر على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بعد صدور مذكرة قضائية فرنسية بحقه، علماً أن المذكرة حتى كتابة هذه السطور، لم تصل بعد إلى الانتربول، ولم يبلغ لبنان أي مذكرة دولية رسمية. وبغض النظر عن التفاصيل فإن مواقف عون يجب تشريحها كل على حدة:

أولاً، في موضوع التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، الذي لم يصدر التقرير النهائي فيه بعد، كان عون و”التيار الوطني الحر” أول من رفض هذا الأمر في فترة ما قبل التمديد للحاكم، لأن هناك طبخة كانت تطبخ، اسمها الهندسة المالية لبنك “سيدورز”. في حينه، كانت “القوات اللبنانية” هي من تطالب بالتدقيق في ملفات مصرف لبنان، وهذا ما طالب به من مجلس النواب، نائبها جورج عدوان، إلا أن “التيار الوطني الحر” شنّ حملة قاسية ضد “القوات”، معتبراً أنها تهدد الأمن المالي للبلد، وتهدف الى ضرب العهد.

وكان عون فعلاً يطرح تعيين بديل لسلامة في ذلك الوقت، إلا أنه فجأة ومن دون مقدمات، طرح التمديد له من خارج جدول أعمال مجلس الوزراء. وسبقت هذا الطرح بأيام، هندسات مالية لبنك “سيدورز” المقرب من التيار، ويملك حصصاً فيه الوزير العوني السابق رائد خوري، وحققت هذه الهندسات أرباحاً بعشرات ملايين الدولارات للبنك. ولذلك لا يمكن لعون أن يدّعي أن أحداً غيره مسؤول عن التمديد لسلامة، فالأمر مفضوح وعلني، بل إن مصرف لبنان لم يخفِ أمر هذه الهندسات، ويعتبر الحاكم أنها من ضمن صلاحياته. ولكن عندما وقع الانهيار عام 2019، كان لا بد للتيار من أن يجد شيطاناً يحمّله المسؤولية، وكونه في الحكم، ويتشارك مع غالبية القوى السياسية، لم يجد أمامه إلا حاكم مصرف لبنان، الذي انتهت مصلحته معه، وبالتالي بدأت حملات الشيطنة، منها داخلية وبعضها خارجية تحديداً في فرنسا، حيث مكث عون 15 سنة، وعقد شبكة علاقات مع ناشطين وحقوقيين فرنسيين، أصبحوا لاحقاً يساعدونه في حملاته السياسية تحت عنوان مكافحة الفساد.

ثانياً، في القضاء، طالب عون رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود بحفظ شرف الوظيفة التي يشغلها، في قضية القاضية غادة عون، كونه يرأس الهيئة العليا للتأديب، التي ستأخذ القرار النهائي في حقها، وفي الوقت نفسه ناقض نفسه قائلاً: “القاضي الذي يسمح بتدخّلات سياسية في عمله ليس بقاضٍ وهو يخالف المادة 20 من الدستور التي تعطيه أكبر حصانة بتأكيدها على استقلالية القضاة في القيام بوظيفتهم”. يبدو أن فخامته السابق نسي تدخلاته العديدة في الشؤون القضائية، ومنها تأمين غطاء سياسي شامل للقاضية عون نفسها، ومنع أي سلطة قضائية في البلد من مجرد سؤالها عن تجاوزاتها، علماً أن أي هاوٍ في القانون يستطيع تعداد عشرات المخالفات التي قامت بها، وأولها مخالفة موجب التحفظ، ناهيك عن استعمال مجموعات مدنية في تحركاتها القضائية. وتجدر الاشارة الى أن عون هو من عيّن عبود، ومن فرض اسمه في مبدأ التحاصص الوظائفي.

أما ما يثير السخرية فعلاً في مقابلة عون، فهو تطرقه إلى الملف الرئاسي، معتبراً أن من المعيب أن لا يتفق اللبنانيون على انتخاب رئيس، بل من غير المعقول أن تقاطع طائفة أو ينتخب رئيس من دونها، لافتاً الى أنه لا بد من وجود التأييد والتفاهم. وهنا نطرح سؤالاً على الجنرال: هل تم انتخابك بالتأييد والتفاهم؟ ألم تنتخب بعد عرقلتك مع حلفائك الاستحقاق الرئاسي سنتين؟ وعندما حصل توافق وطني في حينه على سليمان فرنجية، ألم تتجه إلى خصمك اللدود كي توقع معه اتفاقاً يضمن وصولك الى الرئاسة تحت عنوان “المسيحيون يختارون الرئيس”؟ والمضحك اعتباره أن اتفاق “القوات” والتيار لا يعني أنهما يضعان فيتو على أحد. أنتما يا صاحب الفخامة، ويا حكيم معراب، تهددان الكيان اللبناني بأكمله في حال كان هناك اتفاق وطني لم ترضيا عنه، تبدأان معزوفة الفديرالية والتقسيم، والأمر ليس لمصلحة البلد أو مصلحة المسيحيين، بل لمصلحتكما الخاصة، تقاتلما على السلطة في الثمانينيات، واليوم تعيدان الكرة، ولكن تتفقان على التعطيل.

أما عن قولك إن عدم التفاهم بين الطرفين يستكمل طريق جهنم، فيا ليتك عملت بنصيحتك اليوم خلال السنوات الست من عهدك، عندما كنت تستأثر بالحكم، وتشن حروب الالغاء ضد المكونات اللبنانية، بل حتى أنك صادرت دورها عبر ابتداع فكرة حلول المجلس الأعلى للدفاع مكان مجلس الوزراء، عدا عن تعطيلك الحكومات، لأن الصهر لم يكن راضياً عن حصته فيها.

أما عن تدخل الخارج في الشأن اللبناني، ألم تكن أنت العقل المدبر للقرار 1559، وكنت تستجدي أروقة الكابيتول الأميركي، كي تستطيع العودة إلى الحكم في لبنان؟ طبعاً ضللك قبل أن تنقلب على كل ما كنت تحاضر به، وتضع يدك بيد من كنت تصفهم بـ “المدمنين على المخدرات”.

وعن ملف الترسيم، لو قالها ناشط عوني على مواقع التواصل الاجتماعي لكان الأمر مرّ مرور غير الكرام، ولكن أن تقول إن رئيس مجلس النواب نبيه بري فشل في إنهاء ملف الترسيم عبر مطالبته بالخط 23، وإنك حققت إنجازاً عبر الحصول على الخط 23 زائد قانا، فهذه قمة المهزلة! فأنت من أخّر الترسيم. أنت من قلت إن حق لبنان هو الخط 29، ويجب على الجميع معرفة ذلك. أنت من تخلى في نهاية الأمر عن الخط 29، مدّعياً أنه خط تفاوضي، وأصبح أعضاء تيارك والأبواق الاعلامية التابعة لك تقول إنه ليس بالضرورة أن نحصل على كل ما نريد. أما الرئيس بري، فلم يفاوض على خطوط أصلاً، بل قضى المدة في مفاوضات مع الأميركيين على أساس وضع إطار تفاوض لا يكون فيه اعتراف لبناني باسرائيل، إلا أنه لم يعلم أنك ستحشر ممثلاً مدنياً عنك مع الوفد العسكري المفاوض، وبالتالي اعترفت بالكيان الصهيوني وأعطيته شرعية مدنية، علماً أن من المفترض أن دولتين عدوتين، لا تفاوضان إلا من خلال العسكر.

أما الايجابية في مقابلة عون فهي اعترافه أخيراً أنه غير صحيح أنهم “ما خلوه”، ونتفق معك جنرال، لأنه لو “ما خلوك” فعلاً لما كان البلد وصل إلى جهنم التي وعدته بها، ولو استطاع أحد ما فعلاً الوقوف في طريقك، لما كنا اليوم البلد الأول في العالم من ناحية التضخم، ويمر بأسوأ أزمة في التاريخ.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة