🟠نتنياهو بــ7 أرواح… عصيّ على النهاية!

كلّما أُعدّت لبنيامين نتنياهو خاتمة سياسية، دوّن “ثعلب” إسرائيل سطرًا جديدًا في سيرته الحافلة. دخل الانتخابات مثقلًا بإخفاق هجوم 7 أكتوبر، وحروب مفتوحة، وملاحقات قضائية، وخصومات تراكمت داخل إسرائيل وخارجها. وخرج من الفرز الأوّلي محقّقًا لحزبه أكبر كتلة حزبية، وفوق ذلك، فإنّ معسكره يتقدّم حتّى الآن على معسكر غريمه غادي آيزنكوت. وبين هذين المشهدَين تتجدّد حكاية رجل محنّك أتقن النجاة في لعبة “صراع العروش”، حتّى صار بقاؤه جزءًا من حسابات خصومه وخيباتهم المتكرّرة.

تولّى نتنياهو رئاسة الحكومة ستّ مرّات، ويسعى اليوم إلى السابعة، كأنّ الأزمات التي تُنهي أعمار السياسيين لا تكلّفه سوى روحٍ من أرواحه السبع. منذ وصوله الأوّل إلى الحكم عام 1996، تعلّم أنّ الهزيمة قابلة للاستثمار، وأنّ الانتظار قد يكون شكلًا من أشكال الهجوم. غادر وعاد، خسر حلفاء وصنع آخرين، واستوعب قوى كانت على هامش الشرعية السياسية، حتّى جعلها ركائز لسلطته وشركاء في صياغة إسرائيل التي يحكمها.

تغذّت هذه القدرة من معرفة عميقة بمخاوف المجتمع الإسرائيلي وتحوّلاته. حمل ابن المؤرّخ المتشدّد ميراثًا عقائديًّا، وأضاف إليه خبرة أميركية وحضورًا إعلاميًّا ومهارة في تسويق نفسه حارسًا للدولة. وحين كشف هجوم “حماس” انهيار ضماناته الأمنية، نقل خطابه إلى وعد أكبر: إعادة تشكيل الشرق الأوسط برمّته. حوّل امتحان المسؤولية عن الكارثة إلى تفويض لاستكمال الحرب، مستندًا إلى ترسّخ اليمين في المجتمع اليهودي ودعم صديقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

ومع ذلك، تبقى المسافة واسعة بين إحباط توقّعات السقوط وامتلاك مفاتيح الحكومة. تقدّم معسكره يمنحه أفضلية تفاوضية، في حين يضعه غياب الغالبية أمام شركاء موجودين خلف خطوط الخصومة. ومن هنا يبدأ المسار الأوّل: استدراج أحزاب أو شخصيات يمينية من معسكر آيزنكوت. فالتقارب في قضايا الأمن والفلسطينيين قد يوفّر أرضية مشتركة، خصوصًا إذا قُدّمت العودة إلى الانتخابات بوصفها استنزافًا، وحكومة اليمين بوصفها مخرجًا متاحًا.

غير أنّ الخصومة مع نتنياهو تشكّل بدورها رابطًا أساسيًّا داخل المعارضة. وأيّ انتقال إلى معسكره يفرض على أصحابه كلفة تتّصل بصدقيّتهم أمام ناخبيهم وبالثقة في التزاماته. لذلك يحتاج إلى أكثر من توزيع حقائب؛ يحتاج إلى ذريعة سياسية يستطيع المنشقّ المحتمل حملها إلى جمهوره. وقد تصبح مواجهة إقليمية متجدّدة، أو الخشية من حكومة تستند إلى دعم عربي، مدخلًا لتوفير هذه الذريعة وتليين المواقف المتصلّبة.

تكتسب المكاسب العربية وزنًا يتجاوز حجمها البرلماني. استعداد رئيس القائمة العربية المشتركة يوسف جبارين لدعم حكومة بديلة من الخارج يفتح منفذًا لآيزنكوت، لكنّه يضع تماسك معسكره أمام امتحان صعب. فقبول هذا الدعم متفاوت بين مكوّناته، وحكومة الأقلية ستحتاج إلى تفاهمات متواصلة تحت ضغط الحرب والاستقطاب. وفي المقابل، تمنح هذه المعادلة نتنياهو مادّة لاستنهاض اليمين، فيما تصعّد اتهامات “الليكود” بشأن “سرقة الانتخابات على أيدي أحزاب عربية” التوتّر وتضيّق مساحة التسويات.

المسار الثاني يمرّ بحكومة وحدة مع آيزنكوت، وهو اتجاه تذكر التقارير أنّ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ يُفضّله لتجنيب البلاد اقتراعًا جديدًا. وقد يلقى استحسان واشنطن وأوساط من النخب اليهودية الأميركية الباحثة عن استقرار الحكم واتّساع قاعدته، خصوصًا مع احتمالات التصعيد الإيراني. العقبة الأثقل في هذا الطريق هي تعهّد آيزنكوت بعدم المشاركة مع نتنياهو. تجاوزه يتطلّب ظرفًا استثنائيًّا وضمانات يصعب الاطمئنان إليها في علاقة يحكمها انعدام الثقة.

وقد تشمل المساومة ترتيبات رئاسة الحكومة وتركيبتها وتوزيع الصلاحيات فيها. وكلّ تنازل يُقدّمه نتنياهو لاستمالة الوسط يُهدّد بإغضاب حلفائه، فتغدو هندسة الوحدة عملية موازنة بين توسيع الحكومة وحماية المعسكر الذي أوصله إلى موقعه الحالي. وقد يُعيد دعم ترامب المحتمل لخيار حكومة الوحدة خلط الأوراق، ويدفع إلى تبدّل المواقف الرافضة لها.

وتدخل إيران على هذه الحسابات بثقل مختلف. فاحتمال استئناف الحرب قد يرفع كلفة البقاء خارج حكومة واسعة، ويُتيح لنتنياهو مخاطبة خصومه باسم الضرورة الوطنية. لكنّه قد يُعمّق رفضهم أيضًا، خصوصًا بعدما حذّر آيزنكوت من توظيف الأمن لخدمة البقاء السياسي. الحرب المحتملة تحمل، إذن، ضغطين متعاكسين، ضغط الاصطفاف خلف الدولة وضغط منع رئيس الحكومة من احتكار قرارها. ونتيجتهما تتوقّف على تطوّرات الميدان والموقف الأميركي ورأي المؤسّسة الأمنية.

وفي الأثناء، يعمل الزمن جزئيًّا لمصلحة نتنياهو. تعثّر التأليف يُبقيه رئيسًا لحكومة تصريف الأعمال، مع استمرار صلاحياتها الأساسية وخضوعها لواجب ضبط النفس. وهذه الإقامة الموَقّتة تمنحه حضورًا في القرار وقدرة على إدارة التفاوض من داخل السلطة. غير أنّ استمرار الحروب واحتمال اقتراع جديد قد يحوّلان الوقت نفسه إلى عبء، ويجعلان النجاة الانتخابية بداية مأزق أطول.

تبدو “الحكومة السابعة” احتمالًا مفتوحًا، تحرسه خبرته وتقيّده حسابات الشركاء والخصوم. استطاع نتنياهو مجدّدًا إفساد مشهد نهايته، أمّا كتابة بداية أخرى فتحتاج إلى أصوات تتجاوز دائرته. وقد يجدها في يمين المعارضة، أو تحت سقف الوحدة، أو يعجز عنها ويبقى معلّقًا بين الحكم والانتخابات. تلك مفارقته الراهنة: رجل يملك براعة البقاء، ويبحث عمّن يمنحه القدرة على تشكيل حكومة.

نداء الوطن

مقالات ذات صلة