🟠لبنان يحبس الأنفاس: تحقيقات الـC4 تتقدم..معطيات جديدة بشأن سيّارة المتفجّرات!

كل الأنظار تتجه اليوم إلى إسرائيل، حيث يمكن أن تشكل الانتخابات العامة محطة مفصلية في تحديد المسارات السياسية وطبيعة المواجهات على رقعة الشرق الأوسط. وتسود لبنان حال من قطع الأنفاس انتظاراً لنتائج الانتخابات وانعكاساتها على وضع الجنوب اللبناني. وثمة من يعتقد أن بنيامين نتنياهو يرى في رفع سقف المواجهة مع إيران وحلفائها فرصة سياسية لإعادة حشد الشارع الإسرائيلي خلف خيارات الأمن ويميل إلى تصدير أزماته الداخلية عبر الخيار العسكري قبل الوصول إلى محطة الانتخابات. ولكن ما حال دون ذلك هو أن واشنطن بقيادة دونالد ترامب أظهرت تحفظاً صارماً تجاه الدخول في حرب مفتوحة ومباشرة مع طهران قبيل الاستحقاقات الانتخابية الأميركية النصفية. وتتركز استراتيجية واشنطن على اعتماد أسلوب الخنق الاقتصادي ودعم العمليات التكتيكية التي تقوم بها إسرائيل، دون بلوغ السقوف التفجيرية الكبرى، تجنباً لارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق الذي قد يضر بشعبية ترامب وحظوظ حزبه الانتخابية.

هذا التوازن الدقيق يضع لبنان ومستقبله في واجهة الأخطار، إذ يراوح موقف حزب الله بين الرغبة في تجنب مواجهة شاملة تُدمر البنية التحتية وتزعزع الواقع اللبناني المتداعي، والالتزام الحتمي بمساندة طهران في حال تعرضها لضربة قد تكون وجودية. فانخراط الحزب في أي حرب إقليمية واسعة سيفعّل فوراً تهديدات المسؤولين الإسرائيليين مثل يسرائيل كاتس بفرض واقع أمني جديد يعتمد سياسة الأرض الفارغة، عبر تنفيذ تدمير واسع وتهجير مكثف للمناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني والعودة إلى استهداف الضاحية الجنوبية بشدة. واليوم، نقلت وكالة “رويترز” معلومات مفادها أن الحزب يستعد للانخراط في الحرب، بتمويل من إيران.

وبحسب المعلومات، تكمن الإشكاليّة الأساسيّة في ضمان ألّا يتحوّل التنسيق العسكريّ القائم إلى آليّة لتنفيذ الجيش اللبنانيّ مطالب الجانب الإسرائيليّ، خصوصًا أنّ المرحلة المقبلة ستشهد ضغوطًا كبيرة على لبنان الرسميّ لاتّخاذ إجراءات حاسمة في الملفّ الأمنيّ، حتّى لو أدّت إلى توتّرٍ على الساحة الداخليّة. فالمسألة لم تعد محصورةً بمستقبل المواجهة بين إسرائيل وحزب الله، بل باتت تتّصل بطبيعة الدور المطلوب من الدولة اللبنانيّة، وحدود قدرتها على التوفيق بين مقتضيات بسط سلطتها على أراضيها، والضغوط الخارجيّة التي تسعى إلى فرض ترتيبات أمنيّة لا تقترن بضماناتٍ إسرائيليّة مقابلة.

وعليه، يبقى لبنان رهن درجة الضبط الأميركية لطموحات نتنياهو وصقور حكومته، واحتمالات الرد الإيراني من لبنان. وفي أي حال، تبدو المنطقة، ومعها لبنان، أمام سيناريوهين: سيء وأسوأ. فإما الاكتفاء بضربات خاطفة في أطر محددة، وإما الانزلاق إلى حرب تدميرية شاملة، ستكون مكلفة جداً في لبنان.

ضغوط على لبنان: الجيش بين مهمّة الدولة والمطالب الإسرائيليّة

تتقدّم المخاوف من المرحلة التي تلي الانتخابات الإسرائيليّة على نتائج الاقتراع نفسها، في ظلّ مؤشّرات إلى انتقال الضغوط الأميركيّة والإسرائيليّة على لبنان من مستوى المطالب السياسيّة إلى مستوى الإجراءات الأمنيّة المطلوب تنفيذها ميدانيًّا. ويضع هذا التحوّل السلطة اللبنانيّة أمام معضلة تتجاوز ملفّ سلاح حزب الله، لتطال العلاقة بين مؤسّسات الدولة، ولا سيّما الجيش، والجهات الخارجيّة المعنيّة بترتيبات وقف إطلاق النار.

فاجتماعات تامبا الأخيرة، التي جمعت الوفدين العسكريّين اللبنانيّ والإسرائيليّ برعاية أميركيّة، لم تُفضِ إلى اختراقٍ في المسائل الجوهريّة، وفي مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيليّة والانسحاب من الأراضي اللبنانيّة المحتلّة. وفي المقابل، يستمرّ الضغط على لبنان لاتّخاذ خطواتٍ إضافيّة في ملفّ السلاح، وسط مساعٍ إسرائيليّة لربط أيّ تقدّم في الترتيبات الأمنيّة بمدى استجابة الجيش اللبنانيّ للمطالب المطروحة.

وهنا تبرز المشكلة السياسيّة الفعليّة، إذ إنّ التنسيق العسكريّ الذي يُفترض أن يخدم تنفيذ التفاهمات وضمان الاستقرار، قد يتحوّل، في غياب التزاماتٍ متبادلة، إلى إطارٍ تُفرض من خلاله أولويّات الجانب الإسرائيليّ على المؤسّسات اللبنانيّة. وهو احتمالٌ يطرح تساؤلات حول الجهة التي تحدّد طبيعة الإجراءات الأمنيّة ومداها، وما إذا كانت الدولة ستتمكّن من الاحتفاظ باستقلاليّة قرارها في مواجهة الضغوط المتزايدة.

والأخطر أنّ المرحلة المقبلة قد تدفع لبنان الرسميّ إلى اتّخاذ إجراءاتٍ حاسمة في الداخل، حتّى لو حملت معها احتمالات توتّرٍ سياسيّ وأمنيّ. فالمطالبة بحصر السلاح بيد الدولة، باعتبارها مسؤوليّة سياديّة، تختلف عن فرض جدولٍ زمنيّ وإجراءاتٍ ميدانيّة تحت وطأة التهديد الإسرائيليّ. وبين الأمرين، تتحدّد قدرة السلطة اللبنانيّة على حماية موقع الجيش، ومنع تحويله إلى طرفٍ في مواجهة داخليّة مفتوحة.

وفي الملفّ الأمنيّ الداخليّ، كشفت تحقيقات شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخليّ معطياتٍ جديدة بشأن سيّارة المتفجّرات التي ضُبطت قبل أسبوعين عند حاجز ضهر البيدر. وبحسب مصدرٍ أمنيّ لـِ “المدن”، أظهر تحليل تسجيلات كاميرات المراقبة أنّ سيّارة “دودج” التي كانت تنقل متفجّرات من نوعَي “C4” و”TNT”، كانت تسبقها سيّارة أخرى تتولّى استطلاع الطريق ورصد الحواجز والتمركزات الأمنيّة. ولدى توقيف الشحنة، فرّ ركّاب السيّارة المواكبة باتّجاه بيروت، فيما تمكّنت شعبة المعلومات من تحديد هويّاتهم ومواصفات سيّارتهم ولوحاتها. ورجّحت مصادر أمنيّة اتّخاذ القضاء إجراءاتٍ لملاحقتهم وتوقيفهم، في وقتٍ تتوسّع فيه التحقيقات لكشف الجهات المتورّطة في نقل المتفجّرات وتسهيل مرورها.

حزب الله وإيران: تعهّدات عدم التدخّل تحت الاختبار

في موازاة الضغوط على الدولة، يعود النقاش حول قرار حزب الله في حال اندلاع مواجهة جديدة بين الولايات المتّحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. وهو نقاشٌ يتجاوز السؤال عن نيّة الحزب في المشاركة، إلى البحث في قدرته الفعليّة على الالتزام بتحييد لبنان إذا ما اتّخذت المواجهة طابعًا وجوديًّا بالنسبة إلى طهران.

وبحسب معلوماتٍ نقلتها وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، فإنّ حزب الله جدّد تعهّده بعدم الانخراط في أيّ حرب جديدة دفاعًا عن إيران. وقد نُقل مضمون هذا التعهّد إلى رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، في إطار الاتّصالات الرامية إلى تجنيب لبنان مواجهةً لا يحتمل تداعياتها.

وتتقاطع هذه المعلومات مع ما نقلته مصادر مطّلعة عن زيارة نائب وزير الخارجيّة الإيرانيّ محمد سعيد خطيب زاده إلى بيروت في 14 تشرين الأوّل، حين أبلغ مجموعةً من نوّاب حزب الله وحركة أمل أنّ طهران لا تريد انخراط الحزب في حربٍ جديدة، في ضوء الأثمان التي تكبّدها لبنان والخسائر التي لحقت بقدرات الحزب العسكريّة.

غير أنّ هذه التطمينات لا تكفي، في حدّ ذاتها، لتبديد المخاوف. فالحزب سبق أن قدّم تعهّداتٍ مماثلة قبل انخراطه في المواجهة في الثاني من آذار الماضي، ما يعيد طرح السؤال عن الجهة التي تمتلك القرار النهائيّ، وعن قدرة الحسابات اللبنانيّة على التقدّم على مقتضيات المواجهة الإقليميّة.

كذلك، لا يمكن فصل موقف الحزب عن الاحتمالات الإسرائيليّة. فحتّى إذا قرّر عدم التدخّل، يبقى السؤال عمّا إذا كانت إسرائيل ستقبل بتحييده، أم ستستغلّ أيّ مواجهة مع إيران لتوجيه ضربةٍ جديدة إلى قدراته العسكريّة. وبذلك، لا يعود تجنّب الحرب مرتبطًا بقرار الحزب وحده، بل بمجموع الحسابات التي تتحكّم بمسار المواجهة الإقليميّة.

إعادة بناء القدرات: استعداد للحرب أم تعزيز الردع؟

وتزداد هذه التساؤلات أهميّةً مع المعلومات التي نشرتها وكالة “رويترز” بشأن إعادة حزب الله بناء قدراته العسكريّة، بدعمٍ ماليّ إيرانيّ. فبحسب مصادر الوكالة، تلقّى الحزب عشرات ملايين الدولارات من طهران، وعمل خلال الأشهر الماضية على ترميم بنيته القياديّة والعسكريّة وتعزيز قدراته، بعد الخسائر التي تعرّض لها في المواجهات السابقة.

وتشير هذه المعطيات إلى أنّ الحزب لم يتخلَّ عن خيار إعادة بناء قوّته العسكريّة، على الرغم من الضغوط السياسيّة والعسكريّة التي يواجهها. لكنّها لا تعني بالضرورة أنّ قرار المشاركة في حربٍ جديدة قد اتُّخذ، إذ يمكن قراءة هذه العمليّة أيضًا باعتبارها محاولةً لاستعادة القدرة على الردع، في مواجهة استمرار الاعتداءات الإسرائيليّة.

غير أنّ الفارق بين الاستعداد للحرب واتّخاذ قرار خوضها قد يتلاشى سريعًا إذا توسّعت المواجهة الإقليميّة. ففي هذه الحالة، ستصبح قدرات الحزب المعاد بناؤها جزءًا من الحسابات الإسرائيليّة، سواء استخدمها أم لم يستخدمها، خصوصًا في ظلّ التهديدات المتكرّرة بمنع إعادة تشكيل بنيته العسكريّة.

وهذا الواقع يضع الدولة اللبنانيّة أمام مأزقٍ مضاعف، إذ يُطلب منها العمل على حصر السلاح بيد مؤسّساتها، بينما يستمرّ الحزب في إعادة بناء قدراته، وتواصل إسرائيل عمليّاتها العسكريّة من دون أن تؤدّي التفاهمات القائمة إلى وقفٍ فعليّ للاعتداءات.

الانتخابات الإسرائيليّة: تبدّل الحكومات لا يضمن تبدّل السياسات

في إسرائيل، دخلت الانتخابات التشريعيّة المقرّرة غدًا الثلاثاء، في 27 تشرين الأوّل، مرحلة الصمت الانتخابيّ، وسط انقسامٍ سياسيّ تتجاوز دلالاته مسألة تحديد هويّة رئيس الحكومة المقبل. فالمنافسة بين معسكر بنيامين نتنياهو والكتلة المعارضة التي يتقدّمها غادي آيزنكوت تجري على خلفيّة الحروب التي خاضتها إسرائيل، وما خلّفته من أسئلة تتعلّق بالأمن والإخفاقات العسكريّة، وحدود القوّة في إعادة تشكيل البيئة الإقليميّة.

وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقاربٍ بين المعسكرين، من دون أن تضمن لأيٍّ منهما الأكثريّة المطلوبة لتشكيل الحكومة، وهي 61 مقعدًا من أصل 120. ويضع ذلك إسرائيل أمام احتمال استمرار المأزق الحكوميّ، حتّى بعد إعلان النتائج، بما يجعل تشكيل الائتلاف المقبل معركةً سياسيّة قد لا تقلّ تعقيدًا عن الانتخابات نفسها.

وفي هذا السياق، اكتسبت التهديدات الإسرائيليّة لإيران بُعدًا انتخابيًّا إضافيًّا، خصوصًا بعد التقارير التي تحدّثت عن خلافات بين نتنياهو والقيادة العسكريّة بشأن إمكان تنفيذ عمليّة ضدّ طهران قبل الاقتراع. وعلى الرغم من نفي وزير الأمن يسرائيل كاتس وجود نيّة لشنّ هجوم قبل الانتخابات، فإنّ السجال كشف مقدار التداخل بين الاعتبارات الأمنيّة والحسابات السياسيّة الداخليّة.فنتنياهو، الذي يقدّم نفسه ضامنًا لأمن إسرائيل، يواجه تحدّي إقناع الناخبين بأنّ الحروب المتلاحقة أنتجت أمنًا فعليًّا، لا مجرّد تفوّق عسكريّ مؤقّت. وفي المقابل، لا يعني الاعتراض على إدارته الحرب وجود اختلافٍ جذريّ بين القوى الإسرائيليّة الرئيسيّة حول استخدام القوّة، بقدر ما يعكس خلافًا بشأن إدارتها ونتائجها.

لكنّ الأهمّ بالنسبة إلى لبنان ليس بالضرورة هويّة الفائز، بل حدود التغيير الذي قد تفرضه النتائج على السياسة الإسرائيليّة تجاه الجبهة الشماليّة. فالتنافس بين نتنياهو وخصومه لا يعكس اختلافًا جذريًّا في التعامل مع التهديدات المرتبطة بحزب الله وإيران، بقدر ما يتمحور حول إدارة المواجهة ونتائجها.

وقد عكست الساعات الأخيرة قبل الاقتراع هذا التداخل بين الأمن والسياسة، مع استمرار التلويح بالخيار العسكريّ ضدّ إيران، بالتزامن مع الكشف عن منظومة دفاعيّة تعمل بالليزر عند الحدود مع لبنان.

لبنان بعد الانتخابات: أيّ قرارٍ للحرب وأيّ دورٍ للدولة؟

وعليه، تبدو المرحلة المقبلة مرشّحةً لمزيدٍ من التعقيد، سواء أسفرت الانتخابات الإسرائيليّة عن حكومةٍ جديدة، أو أعادت إنتاج المأزق السياسيّ القائم. فالمطالب الأمنيّة الإسرائيليّة لن تتوقّف بالضرورة عند حدود نتائج الاقتراع، كما أنّ احتمال المواجهة مع إيران سيبقى عاملًا ضاغطًا على لبنان.

وتتمثّل المفارقة في أنّ لبنان الرسميّ يُطالب باتّخاذ قراراتٍ حاسمة في الملفّ الأمنيّ، فيما لا يمتلك وحده مفاتيح التهدئة أو التصعيد. فهو معنيٌّ بحصر السلاح وبسط سلطته، لكنّه يواجه في الوقت نفسه احتلالًا إسرائيليًّا مستمرًّا، وتهديداتٍ عسكريّة، وحزبًا مسلّحًا يرتبط جزءٌ أساسيّ من حساباته بالصراع الإقليميّ.

ومن هنا، تصبح المسألة أبعد من انتظار قرار نتنياهو أو ردّ طهران. فالتحدّي الفعليّ يكمن في منع تحويل الضغوط الخارجيّة إلى مواجهةٍ داخليّة، وفي ضمان ألّا يتحوّل الجيش اللبنانيّ من مؤسّسةٍ يفترض أن تكرّس سيادة الدولة، إلى أداةٍ لتنفيذ شروطٍ إسرائيليّة لا تقابلها ضماناتٌ بالانسحاب ووقف الاعتداءات.

وبين ضغوط الخارج وحسابات الداخل، يقف لبنان أمام مرحلةٍ قد تكون أشدّ خطورةً من مجرّد تبدّلٍ في السلطة الإسرائيليّة. ذلك أنّ السؤال الأساسيّ لم يعد مقتصرًا على ما إذا كانت الحرب ستندلع، بل بات يتعلّق أيضًا بما يمكن أن يُطلب من الدولة اللبنانيّة فعله لمنعها، وما إذا كان ثمن تجنّب المواجهة الخارجيّة سيكون فتح أبواب التوتّر الداخليّ.

المدن

مقالات ذات صلة