🟠من أعطى “الحزب” 200 مليون دولار: ما علاقة “سفارة عربيّة” في بيروت؟

تؤكّد بعض المصادر أنّ “الحزب” حصل على مئتي مليون دولار ميزانيّة خطّة الإيواء عبر سفارة عربيّة في بيروت فيما أفادت وكالة “رويترز” أنّ “الحزب” تلقّى المبلغ من إيران في أيلول الفائت. روايتان مختلفتان لسؤال واحد: كيف وصلت الأموال إلى “الحزب”؟
منذ أكثر من أسبوعين، أعلن رئيس المجلس التنفيذيّ في “الحزب” الشيخ عليّ دعموش برنامج “الإيواء”. ولا تزال آلاف العائلات التي فقدت منازلها في الحرب تعيش بين غرف مستأجرة ضيّقة ومراكز إيواء مكتظّة وبيوت أقارب لم تعد تتّسع للجميع. نازحون ومهجّرون يعدّون الأيّام بين دفعة إيجار وأخرى، ويسألون عن موعد العودة، أو عن موعد المساعدة على الأقلّ.
بحسب ما أُعلن، تُصرف المساعدات على أربع دفعات خلال عام، وتشمل بدل إيجار وشراء أثاث، بسقف 14 ألف دولار للعائلة في بيروت والضاحية الجنوبيّة، و12 ألف دولار في بقيّة المناطق. لكنّ دعموش لم يكشف مصدر التمويل ولا حجمه.
بين 200 مليون و700 مليون
من المهمّ التمييز بين البرنامج المعلن والرقم الوارد في تقرير “رويترز”. فـ”الحزب” لم يعلن هذا الرقم، بل جاء من مصادر تحدّثت إلى الوكالة عن تمويل إيرانيّ، مشيرة إلى أنّ عدد العائلات المستهدفة قد يصل إلى نحو 50 ألف عائلة.
في حساب بسيط، أن تكون 50 ألف عائلة مشمولة بالسقف فهذا يعني كلفة نظريّة تراوح بين 600 و700 مليون دولار، أي ما بين ثلاثة أضعاف الرقم المتداول وثلاثة أضعاف ونصف. وهذا سقف نظريّ لا يعني أنّ كلّ عائلة ستنال المبلغ الأقصى، لكنّه يكشف فجوة كبيرة بين ما أُعلن وما قيل أنّه وصل.
لا تتناقض روايتا “أساس” و”رويترز” بالضرورة. فقد تكون الدفعة الأولى مرّت عبر قناة خليجيّة، فيما يبقى التمويل الإيرانيّ هو الأوسع، أو قد تتعدّد القنوات أصلاً. وفي الحالتين لم يؤكّد “الحزب” أيّاً منهما. لذلك يبقى السؤال الأهمّ: هل يملك القدرة على تنفيذ التزاماته كاملة واستدامتها طوال العام؟ فالدفعة الأولى، أيّاً كان مصدرها، لا تضمن ما بعدها.
تمويل الاستمراريّة
تكمن أهميّة هذه الأموال في توقيتها أكثر من حجمها. فـ”الحزب” لا يواجه كلفة الحرب والدمار والنزوح فحسب، بل يواجه أيضاً اختباراً داخل بيئته الاجتماعيّة التي شكّلت لعقود أحد أهمّ عناصر قوّته.
حين تتراكم أعباء السكن والمعيشة وتتأخّر إعادة الإعمار، تتحوّل المساعدات من تعويض ماليّ إلى أداة للحفاظ على ثقة البيئة الحاضنة، ومنع الضغوط الاقتصاديّة من التحوّل إلى أزمة اجتماعيّة وسياسيّة.
يبدو أنّ وظيفة الأموال نفسها قد تغيّرت. ففي مراحل سابقة ركّز التمويل على التوسّع وبناء المؤسّسات وتعزيز النفوذ، وأمّا اليوم فالأولويّة أقرب إلى “تمويل الاستمراريّة”، أي الحفاظ على الحدّ الأدنى من التماسك الداخليّ في ظلّ ارتفاع كلفة المواجهة والعقوبات. وكلّما طال أمد النزوح، ازدادت الحاجة إلى هذا النوع من التمويل، وازداد معها اختبار قدرة “الحزب” على الوفاء.
عقوبات ترفع الكلفة ولا توقف التّدفّق
إن صحّت المعلومات عن وصول الأموال، فلا يعني ذلك بالضرورة فشل العقوبات الأميركيّة لأنّ هدفها ليس دائماً إلغاء التدفّقات كليّاً، بل جعلها أصعب وأكثر كلفة. وقد أشار تقرير “رويترز” إلى أنّ نقل الأموال بات أكثر تعقيداً، وأنّ الوسطاء طلبوا عمولات مرتفعة بسبب المخاطر، بلغت وفق أحد المصادر نحو 20%، أي أربعة أضعاف المعدّل المعتاد.
منذ أكثر من أسبوعين، أعلن رئيس المجلس التنفيذيّ في “الحزب” الشيخ عليّ دعموش برنامج “الإيواء”
في المقابل، تُظهر التجربة الإيرانيّة أنّ العقوبات دفعت إلى تطوير قنوات بديلة. فبحسب تحليلات “مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة” (CSIS)، تواجه محاولات خفض صادرات النفط الإيرانيّة تحدّيات ترتبط بقدرة طهران على إيجاد أسواق وطرق التفاف، خصوصاً مع استمرار الصين في شراء كميّات كبيرة منه.
يفسّر ذلك لماذا لا تذهب واشنطن إلى أقصى درجات الضغط. فخفض الصادرات الإيرانيّة إلى الصفر قد يضغط على جانب العرض، خصوصاً مع توتّرات إقليميّة تعرقل الإمدادات، وقد ترتفع الأسعار إلى ما يتجاوز 150 دولاراً للبرميل، بما يفرض ضغوطاً تضخّميّة على الاقتصاد العالميّ. في المقابل، قد يضرّ تدفّق كميّات كبيرة من النفط الإيرانيّ بربحيّة منتجين، منهم بعض شركات الطاقة الأميركيّة.
إيران و”الحزب”: استنزاف طويل
لذلك تتحرّك واشنطن ضمن معادلة دقيقة: إضعاف قدرة إيران على التمويل من دون خلق صدمة في سوق الطاقة العالميّ. ومن هنا لا يمكن فصل مستقبل تمويل “الحزب” عن قدرة إيران الاقتصاديّة. فحتّى لو جاءت الدفعة الأولى عبر سفارة خليجيّة، تبقى طهران، وفق رواية “رويترز”، المموّل الأوسع.
ما دام اقتصادها قادراً على توليد الإيرادات، ولو بكلفة أعلى، يبقى لديها هامش لمواصلة دعم حلفائها. ويوضح “المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة” أنّ إيران طوّرت أدوات للتكيّف مع العقوبات عبر شبكات نفوذ وآليّات متعدّدة، ما يجعل المواجهة الماليّة عمليّة استنزاف طويلة لا نتيجة فوريّة.
إلى متى تبقى “الدّويلة” داخل الدّولة؟
قد تبدو الأموال المتداولة كبيرة في ظلّ الانهيار اللبنانيّ، لكنّها محدودة قياساً بما يمكن أن يتدفّق على لبنان من مساعدات واستثمارات في ظلّ دولة مستقرّة وقادرة على بسط سيادتها. فقد ربطت السعوديّة ودول خليجية أخرى، في أكثر من مناسبة، استعدادها للمساهمة في إعادة الإعمار بقيام دولة تحتكر قرار الحرب والسلم وتفرض سلطتها على كامل أراضيها.
لذلك لا يقتصر السؤال على مصدر الأموال، بل يمتدّ إلى النموذج الاقتصاديّ الذي يريده اللبنانيّون: اقتصاد يعيش على شبكات تمويل موازية تخضع للعقوبات والضغوط، أم اقتصاد دولة قادرة على استقطاب مليارات الدولارات؟
العودة إلى كنف الدولة ومؤسّساتها هي الطريق الأضمن لمساعدات شاملة، وعندها فقط تتحوّل هذه الأموال من رقم مثير للجدل إلى دليل على حجم الفرصة التي يخسرها لبنان يوميّاً.

اساس



