🟠 خاص – “التباس في التأسيس والدور”.. تفكيك “محظورات” تاريخ وادي التيم بين الدروز والشهابيين
د. فارس اشتي: رسائل "بهاء الدين" تتهم "السكين" بمجزرة أدّت لإغلاق باب الدعوة

قبل ساعات قليلة جداً على إسدال ستار الدورة الـ67 لـ”معرض بيروت العربي الدولي للكتاب”، كان “الختام مسكاً” في قاعة الندوات بين أروقة المعرض”B”؛ حيث قُلّبت أوراق التاريخ بحثاً عن الحقيقة بين ثنايا حكايا وأخبار “التبست” فيها أصول “الموحّدين الدروز” وجذور “الشهابيين” في وادي التيم.
إنّها ندوة الخوض في محظورات التاريخ، التي لم يتجرّأ أحد على طرق أبوابها، قبل أنْ يفعلها الأستاذ الجامعي والباحث المتخصص في الفكر السياسي وعلم الاجتماع السياسي الدكتور فارس اشتي، عبر مؤلّفه الجديد: “الموحّدون الدروز والشهابيون في وادي التيم.. التباس في التأسيس والدور”، الصادر عن “دار سائر المشرق”.

الندوة التي قدّمها وأدارها الأستاذ أنطوان أبي سمرا، استمرّت على مدار ساعة من الزمن، وكانت غنيّة بالمعلومات التي سلّطت الضوء على زوايا معتمة من “الالتباسات التاريخية” المرتبطة بنقل الأخبار شفهياً، ليأتي الكتاب طارحاً بالتحليل والاستنباط والمنطق والدليل الموثّق صورة مغايرة للتاريخ.
بين الجرأة والنقد البنّاء
شارك في الندوة كل من الدكتور عبد الله سعيد والدكتور إلياس القطار؛ وفي مستهل المداخلات، نوّه د. سعيد ببراعة د. اشتي في خوض غمار هذه التجربة والعبور من علم الاجتماع إلى التأريخ، في دراسة سوسيولوجية وتاريخية معمّقة تركز على التباس المعلومات الشائعة، مشيراً إلى أنّ “العمل استند إلى 206 مراجع عربية وأكثر من 6 مراجع أجنبية موثقة”.
وإذ أشار د. سعيد إلى أنّ الصراعات بين الإقطاعيين لطالما انتهت بالدم وفسحت المجال لدخول “الغريب” مخترقاً الصفوف، ركّز في حديثه على الثورات الدرزية في منطقتي راشيا والمطلة، قبل أنْ تقع الأخيرة تحت نير الاحتلال الإسرائيلي عبر مشاريع الحركة الصهيونية العالمية ممثلة بـ”أسرة روتشيلد”.
بدوره، أشاد الدكتور القطّار بالجرأة التي تحلّى بها د. اشتي للدخول إلى “المحظور الدرزي”، وطرح معاني “الحدود الخمسة” وغيبة الشيخ بهاء الدين والإقفال التام لدعوة التوحيد، من خلال منهجية نقاشية وتفكيكية لعدد من الفرضيات السائدة؛ لكنه في المقابل عارضه في بعضها الآخر، معتبراً أن الفصل الثاني من الكتاب “يستحق بذاته أن يكون كتاباً أوسع وأشمل”.
ورغم ذلك، أوضح القطّار أنّ “القارئ يلمس محاولة جادة لتفكيك الملتبس في تاريخ الموحدين الدروز والشهابيين في وادي التيم، فضلاً عن العودة إلى جذور وبدايات التاريخ الشيعي والماروني في المنطقة”.
المرتدّون.. سبب “إقفال الدعوة“
وفي كلمته الختامية، رحّب الدكتور اشتي بالحضور، مُقدّراً تكبّدهم عناء المسافات البعيدة، ووافق د. القطار في أنّ الفصل الثاني ينطوي على مادة تصلح لكتاب مستقل، مستدركاً بأنّه آثر عدم التوسّع لأنّ مؤلَّفه محكوم بفكرة محدّدة؛ فهو لا يكتب عن الدروز كفئة اجتماعية أو دينية مُجرّدة، بل يتمحور حول جغرافية وادي التيم والدروز المتواجدين فيها، وعن الالتباس الكبير وغير الواضح – حتى لدى قسم من المشايخ – حول الصراع بين “بهاء الدين والسكين”، فضلاً عن صراعات الدول حول هذه المنطقة الاستراتيجية.
وفجّر د. اشتي مفاجأة تاريخية مؤكداً أنّ بهاء الدين “أقفل باب الدعوة في وادي التيم” ليس خوفاً من السلطة المركزية (الخلافة الفاطمية في مصر في عهد المستنصر) كما هو سائد في المرويات الشعبية، بل أوقفها نتيجة مضايقات وضغوط “المرتدين عن الدعوة”، وتحديداً “السكين” الذي كان أحد أركانها؛ حيث قام الأخير بالاعتداء على الطوائف الأخرى بهدف تأسيس إمارة درزية في الجبل الأعلى.
وأوضح د. اشتي أنّ الانطباع الشائع عند الدروز يُفيد بأنّ “المدلسين” والبيزنطيين قاموا بمجزرة كبيرة عام 423 هجرية بحق الدروز في المنطقة، غير أنّ استنطاق رسائل بهاء الدين – تتوافق مع رواية الانطاكي المعاصر – يوجه أصابع الاتهام إلى “السكين” بنسج خيوط هذه المجزرة وتنفيذها.

توقيع وإجماع
يُشار إلى أنّ د. اشتي كان قد وقّع مؤلَّفه الجديد للحضور قُبيل انطلاق الندوة، وسط إجماع من الحاضرين والمناقشين على أنّ كتاب “الموحدون الدروز والشهابيون في وادي التيم: التباس في التأسيس والدور” يمثّل إضافة نوعية غنية للمكتبة التاريخية اللبنانية، كونه يعيد قراءة ومراجعة مرحلة تأسيسية بالغة الأهمية من تاريخ الجبل، بعيداً عن السرديات التقليدية والمبسّطة.

خاص Checklebanon
تغطية وتحرير: مصطفى شريف



