🟠خاص- «من يحمي الإعلام من نفسه»؟

حين يصبح الإعلام فضيحةً بدل أن يكون سلطة

حين يصبح الإعلام فضيحةً بدل أن يكون سلطة

نحبّ الإعلام حين يُصفّق لنا، ونخوّنه حين يضعنا أمام الحقيقة.

ثمة ازدواجية فاضحة في علاقتنا بالإعلام، تتجلّى بوضوح في الوسط الفني، حيث يتحوّل الإعلام إلى صديق عزيز حين يمدح، وإلى متّهم خطير حين ينتقد، وإلى محرّض على الفتنة حين ينقل خبرًا لا يعجب أصحابه.

نفرح حين يتحدّث عنا، ونحتفي حين يسلّط الضوء على نجاحاتنا، ونستعين به حين نريد إيصال صوتنا أو معالجة مشكلة أو كشف قضية. لكن، ما إن يقترب من منطقة حسّاسة، أو ينقل خبر انفصال أو طلاق أو خلاف، حتى تنقلب المعادلة: يصبح الإعلام فجأةً مسؤولًا عن الخراب، وتُرفع في وجهه تهمة إثارة الفتنة، وكأنّ وظيفته أن يكون مرآةً نحب صورتنا فيها، لا عينًا ترى ما لا نريد رؤيته.

لا يمكن أن نطلب من الإعلام أن يكون شريكًا في “الاحتفال”، ثم نجرّمه حين يخرج عن “نصّ الاحتفال”.

لكن، في المقابل، لا يمكننا نحن، أبناء هذه المهنة، أن نطالب الآخرين باحترام الإعلام، ثم نصمت حين نرى صورته تُهان من داخله.

فما نشهده اليوم على بعض الشاشات لم يعد مجرّد اختلاف في الرأي، ولا منافسة مهنية، ولا حتى سجالًا إعلاميًا حادًا. لقد تجاوز الأمر حدود الاختلاف إلى مشاهد من الردح والتشهير وتبادل الشتائم، من محطة إلى أخرى، ومن إعلامي إلى زميله، ومن منبر يُفترض أن يكون مساحةً للرأي إلى ساحة لتصفية الحسابات على الهواء مباشرة.

مشاكل تُعرض أمام الجمهور بدل أن تُحلّ، واتهامات تُرمى بلا ضوابط، وكرامات تُستباح باسم الجرأة، وكأنّ ارتفاع الصوت دليل قوة، وكأنّ الإهانة موقف، وكأنّ الشاشة التي تصل إلى آلاف البيوت فقدت كلّ مسؤولية تجاه من يجلس أمامها.

ليس كلّ ما يُقال على الهواء إعلامًا، وليس كل من اعتلى الشاشة أصبح إعلاميًا، وليس كل خلاف يستحق أن يتحوّل إلى مشهدٍ عام.

ومن هنا، لا بدّ من قول ما قد لا يرغب كثيرون في سماعه: نحن بحاجة إلى تنظيم مهني يحكم العلاقة بين المؤسسات الإعلامية بعضها ببعض، كما يحكم العلاقة بين المؤسسة والعاملين فيها، ويضع حدودًا واضحة لما يجوز وما لا يجوز في المنافسة، وفي النقد، وفي إدارة الخلافات المهنية.

ليس المطلوب إسكات أحد، ولا مصادرة حرية الرأي، ولا حماية المحطات من النقد. على العكس تمامًا؛ المطلوب حماية الحرية من أن تتحوّل إلى فوضى، وحماية الإعلام من أن يصبح سلاحًا في يد من يريد تصفية حساباته، أو صندوق بريد تتبادل عبره المؤسسات رسائلها وتهديداتها، على حساب الجمهور وكرامة المهنة.

نحتاج إلى ميثاق شرف حقيقي، وآليات مساءلة واضحة، وثقافة مهنية تعيد التمييز بين الجرأة والابتذال، وبين النقد والتشهير، وبين المنافسة والعداء الشخصي. فحرية الإعلام لا تعني أنّ كلّ شيء مباح.

حين تصبح الشاشة ساحةً للانتقام، ويصبح الزميل خصمًا يُراد إسقاطه، وتتحوّل المؤسسة إلى منبرٍ للردّ على مؤسسة أخرى، فإنّ الخسارة لا تصيب محطةً بعينها؛ الخسارة تصيب صورة لبنان، وسمعة المهنة، وثقة الناس بما يسمعون ويشاهدون.

ومن موقعنا كإعلاميين وأصحاب مواقع ومنصات، نحن أيضًا ننزعج حين يتراجع مستوى الخطاب، وحين تُختزل مهنة كاملة بمشهد مبتذل أو معركة شخصية. لأنّ الدفاع عن الإعلام لا يكون بتبرير كلّ ما يصدر عنه، بل بمواجهة ما يسيء إليه، والاعتراف بأنّ بعض ما يحدث اليوم لا يحتاج إلى تبرير، بل إلى مراجعة جذرية.

نحن لا نحتاج إلى إعلامٍ بلا خلافات، بل إلى إعلام يعرف كيف يختلف..وإلى شاشات تحترم اختلافها. ولا نحتاج إلى أصواتٍ خافتة، بل إلى أصواتٍ عالية بالحقيقة، لا بالشتيمة.

لأنّ سقوط الإعلام لا يبدأ حين يُمنع من الكلام، بل قد يبدأ حين يصبح الكلام بلا قيمة، وحين تفقد الكلمة وزنها، والشاشة هيبتها، والمهنة معناها.

وحين يصل الإعلام إلى مرحلةٍ يصبح فيها الردح مادته، والانتقام رسالته، والإساءة لغته، لا يعود السؤال مَن أساء إلى مَن… بل مَن يحمي الإعلام من نفسه؟

مريم مجدولين اللحام لمارسيل غانم: كلما بتحكي عنها لبولا يعقوبيان بتنزّل مستواك لنفسها، please انت خليك هون ونحن مننزل لمشاهدة الفيديو: https://t.me/boukraa7laa/139504

ايمان ابو نكد- رئيسة التحرير

مقالات ذات صلة