🟠 خاص – ” شربل” لـ نديم مهنا…صورة تليق بقديس لبنان وأداء يتجاوز الحكاية

رحاب ضاهر
يمكن لـ “مار شربل” أنْ يكون موضوعاً لعشرات الأفلام، من دون أنْ تفقد سيرته قدرتها على التأثير في المشاهد؛ فالرجل الذي تجاوز حضوره حدود لبنان، وبات اسمه مرتبطاً بالإيمان والعجائب لدى مؤمنين من مختلف أنحاء العالم، يختزن في حياته ما يكفي من الحكايات الإنسانية والروحية التي تسمح بمقاربات سينمائية متعددة. وآخر هذه المحاولات فيلم “شربل” للمخرج والمنتج نديم مهنا، الذي يترك المشاهد، بعد انتهاء عرضه، أمام مشاعر متداخلة من الخشوع والتأمل والفخر.
في كلمته قبل العرض، وصف مهنا القديس شربل بأنه أهم رجل مرّ في تاريخ لبنان. قد تبدو العبارة كبيرة، لكنها تعبّر عن حجم الرهان الذي وضعه المخرج أمام نفسه، وهو يتصدى لسيرة شخصية تحظى بمكانة استثنائية لدى اللبنانيين، ولا سيما أن تقديمها سينمائياً لا يقتصر على سرد محطات حياتها، بل يتطلب نقل عالمها الروحي إلى الشاشة، من دون أن تتحول الحكاية إلى سرد تقليدي لسيرة قديس.

في مجمله، يبدو الفيلم عملاً طموحاً، تتقدم فيه الصورة على الحكاية، وتمنح المشاهد تجربة بصرية تستحق التوقف عندها. فزوايا التصوير، وحركة الكاميرا، واختيار المواقع، كلها عناصر تكشف عن جهد واضح في بناء عالم الفيلم. ومن وادي قنوبين إلى بقاع كفرا والمحبسة، ينجح نديم مهنا في تقديم مشاهد بالغة الجمال، تستثمر الطبيعة اللبنانية وتفاصيل الأمكنة المرتبطة بحياة شربل مخلوف، لتصبح المواقع جزءاً من السرد، لا مجرد خلفية للأحداث.
وفي بعض المشاهد، تبلغ الصورة مستوى يضعها في مصاف الأعمال السينمائية العالمية من حيث التكوين والإضاءة والعناية بالتفاصيل. وهذا الجانب من أبرز نقاط قوة الفيلم، إذ يمنح سيرة القديس مساحة بصرية تليق بحضورها، ويكشف في الوقت نفسه عن لبنان آخر، تختزن جغرافيته وأديرته ووديانه إمكانات سينمائية وسياحية لا تحتاج إلى كثير من التجميل كي تظهر. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الفيلم أيضاً بوصفه نافذة على جمال لبنان، وعلى مواقع قادرة على جذب اهتمام جمهور يتجاوز حدوده.
View this post on Instagram
لكن جمال الصورة لا يلغي الملاحظات على السيناريو. فالحكاية، على أهميتها، كان يمكن أن تُبنى بصورة أقوى، وأن تمنح بعض المحطات مزيداً من العمق والتماسك. فحياة شربل مخلوف، منذ طفولته يوسف وصولاً إلى اختياره الحياة الرهبانية ثم عزلته في محبسة عنايا، تحمل تحولات إنسانية وروحية كان يمكن استثمارها درامياً بصورة أكثر تأثيراً. وفي بعض المواضع، يبدو السرد أقرب إلى المرور على المحطات الأساسية منه إلى التعمق في دوافع الشخصية وتحولاتها. إلا أن الإخراج والصورة وأداء عدد من الممثلين يخففون من أثر هذه الثغرة، ويمنحون العمل تماسكاً تحافظ عليه مشاهده الأقوى.
على مستوى التمثيل، اختير الممثلون لتجسيد شربل في مراحل عمرية مختلفة: لوكاس كفوري في الطفولة، وجوزيف الخوري في المراهقة، وجيري غزال في الشباب، وصولاً إلى الأب روكز الحاج في مرحلة متقدمة من العمر. ويبدو هذا التقسيم مناسباً لطبيعة السيرة، وإن تفاوتت مستويات الإقناع بين مرحلة وأخرى.

في مرحلة الطفولة، يقدّم لوكاس كفوري أداءً ينسجم مع صورة يوسف الصغير، فيما ينجح جيري غزال في تقديم شربل الشاب بإحساس واضح. ويبدو أنه بذل جهداً في الاقتراب من الشخصية، بعيداً عن الاكتفاء بالتشابه الشكلي الذي قد يساعد في البداية، لكنه لا يكفي وحده لبناء دور من هذا النوع. فثمة هدوء في أدائه، ومحاولة لالتقاط التحول الذي يطرأ على يوسف وهو يبتعد تدريجياً عن حياته العائلية، متجهاً نحو الدير وخياره الرهباني.
في المقابل، تبدو كارول الحاج، التي تؤدي دور والدة شربل في مرحلة من شبابها، الحلقة الأضعف في هذا الجانب. فابتسامتها ذات الطابع المعاصر، وحضورها الذي يحمل شيئاً من صورتها المعروفة لدى الجمهور، لا ينسجمان دائماً مع طبيعة الشخصية والحقبة التي تدور فيها الأحداث، أي لبنان قبل نحو مئتي عام. كما أن العلاقة العاطفية بينها وبين ابنها يوسف لا تصل إلى المستوى الذي يجعل انفصاله عنها لاحقاً محمّلاً بكل ما يفترض أن يحمله من ألم وتعلّق. وهي ملاحظة لا تتعلق بأداء الممثلة وحده، بل أيضاً بمدى ما أتاحته الكتابة من مساحة لبناء هذه العلاقة وإقناع المشاهد بعمقها.
View this post on Instagram
على النقيض من ذلك، تمنح رندا كعدي شخصية الأم في مرحلة متقدمة من العمر حضوراً أكثر صدقاً وتأثيراً. ويبلغ أداؤها ذروته في المشهد الذي تلتقي فيه بابنها شربل، بعدما أصبح راهباً اختار الابتعاد عن العالم. هنا، لا تحتاج كعدي إلى كثير من الكلام كي تنقل ما تختزنه الأم من حنين ووجع ورضا، ويصبح اللقاء من المشاهد التي تستحق التوقف عندها، بما يحمله من مشاعر لا تُفرض على المشاهد بقدر ما تصل إليه بهدوء. إنه من اللحظات التي تمنح الفيلم عمقه الإنساني، وتذكّر بأن وراء صورة القديس حكاية ابن وأم.
أما الأب روكز الحاج، فيقدّم الأداء الأبرز في الفيلم، وربما أكثرها فرادة. فاختيار راهب حقيقي لتجسيد القديس شربل في مرحلة متقدمة من العمر ليس تفصيلاً عابراً، ولا مجرد خيار يستند إلى الشبه أو إلى الانتماء الديني. ما يقدّمه الحاج يتجاوز حضوره في ثوب الراهب، إذ ينجح في نقل إحساس الشخصية من خلال نظراته وابتسامته وسكونه، ويمنحها وقاراً لا يحتاج إلى المبالغة في الحركة أو الكلام. يبدو متماهياً مع الدور، كأنه لا يؤدي شخصية من خارج تجربته، بل يستند إلى معرفة روحية عميقة بعالم الرهبنة وما يتطلبه من زهد وتأمل وانقطاع.

لا يعني ذلك أن الانتماء الديني وحده يصنع أداءً مقنعاً، لكن الحاج ينجح في جعل اختياره مفهوماً على الشاشة. فحضوره لا يبدو غريباً عن الشخصية، ولا يشعر المشاهد بأنه أمام رجل دين يحاول تقليد قديس، بل أمام أداء يستمد قوته من الهدوء والاقتصاد في التعبير. وفي مشاهد المحبسة تحديداً، تصبح النظرة والصمت جزءاً من لغة الفيلم، ويمنح الحاج الشخصية ثقلاً ينسجم مع صورتها في الوجدان اللبناني. إنه أداء يستحق التقدير، ويطرح في الوقت نفسه سؤالاً عن الفارق بين تجسيد شخصية دينية بالاستناد إلى البحث والتحضير، وبين أدائها انطلاقاً من تجربة رهبانية يعيشها المؤدي فعلياً.
وتتلاقى عناصر الفيلم في خاتمته، حين يعود يوسف الطفل، الذي سيصبح شربل قديس لبنان، في صورة تستحضر المسافة بين البدايات والنهاية، وبين الإنسان الذي نشأ في قرية لبنانية والقديس الذي تجاوز حضوره حدودها. وتأتي اللقطة المرتبطة بزيارة البابا لاون لضريح شربل في لبنان لتمنح هذه النهاية بعداً إضافياً. إنها لحظة تختلط فيها مشاعر الصمت والفخر والقداسة، من دون حاجة إلى شرح مطوّل لما تعنيه شخصية شربل للبنان ولمن يؤمنون بها.
View this post on Instagram
قد لا يكون “شربل”متماسكاً بالقدر نفسه على مستوى السيناريو في جميع مراحله، وكان يمكن للحكاية أن تكون أكثر قوة وعمقاً. لكن الفيلم ينجح في جوانب أساسية، من جمال الصورة إلى اختيار المواقع، ومن أداء جيري غزال إلى الحضور الاستثنائي للأب روكز الحاج، مروراً بلحظات إنسانية تمنح السيرة دفئها بعيداً عن بعدها الديني وحده. وفي هذا كله، تظهر بصمة نديم مهنا كمخرج ومنتج راهن على تقديم عمل لبناني واسع الطموح، يضع سيرة القديس شربل أمام الكاميرا بعناية بصرية واضحة، ويمنحها مساحة على الشاشة الكبيرة تليق بمكانتها في الذاكرة اللبنانية.
ومع خروج المشاهد من الصالة، تبقى الصورة أكثر حضوراً من بعض تفاصيل الحكاية، وتبقى مشاعر الخشوع والتأمل والفخر التي يتركها الفيلم جزءاً من تجربته. ولعل هذه هي النقطة التي يلتقي عندها العمل مع شخصية شربل نفسها: سيرة يعرفها كثيرون، لكن إعادة روايتها تظل قادرة على فتح نافذة جديدة، شرط أن تواصل السينما البحث عن الإنسان الذي سبق القديس، وعن الحكاية التي جعلت من يوسف مخلوف واحداً من أكثر الأسماء حضوراً في وجدان لبنان.

خاص Checklebanon



