🟠 خاص – “خمسون عاماً من ذاكرة السينما المصرية”.. إطلاق ملصق الدورة 47 لـ”مهرجان القاهرة السينمائي”!

رحاب ضاهر

اختار مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أن يحتفي بمرور خمسين عاماً على تأسيسه من بوابة الذاكرة السينمائية، كاشفاً عن الملصق الرسمي لدورته السابعة والأربعين، التي تقام من 11 إلى 20 نوفمبر 2026. ويضع التصميم التراث السينمائي المصري في صلب رسالته، مستعيداً صوراً من الماضي تستعيد حيويتها بالترميم، في إشارة إلى قدرة الأفلام على تجاوز زمن إنتاجها ومواصلة التأثير في أجيال جديدة.

لكن الملصق، الذي أُعلن عنه خلال المؤتمر الصحافي للمهرجان في القاهرة يوم 11 أكتوبر، لا يكتفي باستعادة الماضي، بل يطرح فكرة أساسية تتصل بمستقبل السينما أيضاً: كيف يمكن للأفلام التي صنعت ذاكرة أجيال سابقة أن تلهم صناع الأفلام الشباب اليوم؟

هذا ما ركز عليه رئيس المهرجان الفنان حسين فهمي في حديثه عن الملصق، مشدداً على أن الحفاظ على التراث السينمائي مسؤولية تتجاوز أرشفة الأفلام، لتشمل إتاحتها مجدداً أمام الجمهور ومنحها فرصة مواصلة حضورها وتأثيرها.

وقال فهمي إن خمسين عاماً مرت على انطلاق المهرجان، ظلت خلالها السينما قادرة على جمع الأجيال حول الحكايات والصور والشخصيات التي بقيت في الوجدان، مضيفاً: «حين ننظر إلى تاريخ السينما المصرية، ندرك حجم الثروة الفنية التي نمتلكها، والمسؤولية التي نحملها تجاه الحفاظ عليها وتقديمها للأجيال القادمة».

وربط رئيس المهرجان بين ترميم الأفلام وفتح مسارات جديدة أمام الإبداع، معتبراً أن استعادة الصورة ليست مجرد عملية تقنية، بل فعل ثقافي يمنح الأعمال القديمة حياة جديدة. وقال: «فالترميم بالنسبة إلينا عمل ثقافي وإبداعي يعيد وصل الأجيال، ويمنح الأعمال السينمائية القدرة على مواصلة تأثيرها».

وأكد فهمي أن الاحتفاء بتاريخ السينما يكتمل حين يصبح هذا التاريخ مصدراً لأفكار وتجارب جديدة، لافتاً إلى أن الأفلام التي أحبها الجمهور في الماضي يمكن أن تفتح أمام المخرجين والكتّاب الشباب أبواباً لحكايات مختلفة. وهي رسالة تتقاطع مع اختيار الملصق، الذي يجعل من الصورة المرممة نقطة التقاء بين الذاكرة والمستقبل.

تكريم رواد السينما المصرية

وفي سياق الاحتفاء بتاريخ السينما وصنّاعها، أعلن المهرجان منح جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر لمدير التصوير سعيد شيمي والسيناريست والشاعر مدحت العدل، تقديراً لمسيرتيهما وإسهاماتهما في السينما المصرية.

ويكرّم المهرجان أيضاً الموزع السينمائي أنطوان زند، تقديراً لمسيرته التي بدأت عام 1960، ودوره في تطوير توزيع الأفلام الأجنبية في مصر وبناء علاقات مهنية مع شركات سينمائية عالمية. وأسّس زند شركة «يونايتد موشن بيكتشرز» عام 1987، التي تولت توزيع أعمال لشركات دولية وأسهمت في تعزيز حضور السينما العالمية في السوق المصرية.

وتعكس هذه التكريمات اهتمام المهرجان بمختلف جوانب الصناعة السينمائية، من التصوير وكتابة السيناريو إلى التوزيع، وتقدير الأشخاص الذين أسهمت تجاربهم في تشكيل ملامح السينما المصرية وتطوير علاقتها بالجمهور.

27 فيلماً مصرياً تعود إلى الشاشة

ويبرز الاحتفاء بالذاكرة السينمائية أيضاً في برنامج الكلاسيكيات المصرية المرممة، الذي يضم 27 فيلماً من مراحل مختلفة في تاريخ السينما المصرية. وتشمل القائمة أعمالاً مثل «القاهرة 30» لصلاح أبو سيف، و«شيء من الخوف» لحسين كمال، و«غروب وشروق» لكمال الشيخ، و«الزوجة الثانية» لصلاح أبو سيف، و«البوسطجي» لحسين كمال، إلى جانب «بين القصرين» و«قصر الشوق» لحسن الإمام.

ويمنح البرنامج هذه الأفلام فرصة جديدة للعرض أمام الجمهور، في خطوة تنسجم مع الرسالة التي يحملها الملصق الرسمي، وتؤكد أن صون التراث لا يعني وضعه في إطار الماضي، بل إبقاءه متاحاً وقادراً على التواصل مع مشاهدين لم تتح لهم فرصة اكتشافه على الشاشة الكبيرة.

مسابقات عربية ودولية ولجان تحكيم

وفي برامج المسابقات، أعلن المهرجان ستة أفلام ضمن مسابقة أسبوع النقاد الدولية، تمثل تجارب سينمائية من بلدان عدة، بينها كازاخستان وتركيا وهولندا وبنغلادش وتشيلي والأرجنتين. كما تضم مسابقة آفاق السينما العربية سبعة أفلام، من بينها «يوم الغضب: حكايات من طرابلس» للمخرجة اللبنانية رانية الرافعي، وهو إنتاج مشترك بين لبنان والسعودية وقطر.

وأعلن المهرجان لجنة تحكيم مسابقة آفاق السينما العربية، التي تضم المخرجة الفلسطينية ليلى عباس، ومدير التصوير الروماني تيودور فلاديمير بانديرو، والمخرج والكاتب المصري عمرو سلامة. كما كشف عن لجنة تحكيم جائزة أفضل فيلم عربي، برئاسة الناقد السينمائي والمدير الفني لمهرجان لوكارنو جيونا ناتزارو، وعضوية المخرجة المصرية أمل رمسيس والمنتج والمونتير الأردني ليث المجالي.

وتضم لجنة تحكيم جائزة أفضل فيلم وثائقي الباحثة السينمائية والمخرجة فيولا شفيق، الألمانية المصرية، والمدير الفني لمهرجان «ميلينيوم دوكس أجينست جرافيتي» كارول بيكارتشيك من بولندا، والمخرج والمونتير السوري قتيبة برهمجي.

دعم المشاريع السينمائية على مدار العام

ولا ينحصر اهتمام المهرجان بعرض الأفلام وتكريم أصحابها، إذ أعلن أيضاً إطلاق برنامج متكامل للتوجيه الفني والإرشاد المهني للمشروعات المختارة في الدورة الثانية عشرة من ملتقى القاهرة السينمائي، للمرة الأولى، ضمن أيام القاهرة لصناعة السينما التي تقام من 14 إلى 19 نوفمبر.

ويهدف البرنامج إلى توسيع دور الملتقى، بحيث لا يقتصر على تقديم المشروعات وربطها بالمنتجين والممولين، بل يوفر لها دعماً متخصصاً خلال مراحل التطوير والاستعداد للإنتاج. ويتوزع على أربعة مسارات تشمل تطوير الأفلام الوثائقية، وتقديم المشروعات، وإعداد الميزانيات وإدارة التمويل، واستراتيجيات المشاركة في المهرجانات والتواصل مع القنوات الأوروبية.

وتقود هذه المسارات مجموعة من السينمائيين والخبراء، بينهم المخرجة والمنتجة جيهان الطاهري، والمخرج والمنتج والمونتير خالد شميس، والمخرج والمنتج محمد حماد، والمديرة الفنية لمهرجان «Movies that Matter» مارجي دي كونينج. ويأتي البرنامج ضمن توجه لتوفير دعم مهني يتواصل بعد انتهاء فعاليات المهرجان، وتعزيز فرص وصول المشروعات العربية إلى الإنتاج والأسواق الدولية.

خمسون عاماً بين الذاكرة والتجديد

في دورته التي تحتفي بخمسين عاماً على تأسيسه، يجمع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي بين استعادة أفلام شكّلت تاريخ السينما المصرية، وتكريم أسماء أسهمت في صناعتها، وإتاحة مساحة للأفلام العربية والدولية الجديدة، إلى جانب تطوير أدوات دعم المشروعات السينمائية.

وتتجاوز أهمية هذه الدورة الاحتفال بذكرى التأسيس، لتطرح سؤالاً عن دور المهرجان اليوم: كيف يحافظ على مكانته التاريخية، فيما يواكب التحولات التي تشهدها السينما وصناعتها؟ ويأتي الملصق الرسمي، بما يحمله من دلالات حول ترميم الصورة واستمرار تأثيرها، مدخلاً إلى هذه الفكرة، فيما تمنح برامج الترميم والتكريم والمسابقات وملتقى القاهرة السينمائي أبعاداً عملية لها.

تأسس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1976، ويُقام سنوياً تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، ويحظى باعتماد الاتحاد الدولي لجمعيات منتجي الأفلام (FIAPF) ضمن المهرجانات السينمائية الدولية التنافسية. وعلى امتداد خمسين عاماً، بقي المهرجان مساحة للقاء السينما المصرية والعربية والدولية، وتقديم أفلامها إلى الجمهور، والاحتفاء بأصحاب التجارب التي أسهمت في تطور الفن السابع. وتتمثل رهانات دورته الجديدة في أن يظل هذا الإرث حياً، لا باعتباره تاريخاً يُستعاد فحسب، بل أساساً يمكن أن تنطلق منه تجارب سينمائية جديدة.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة