🟠 خاص – على حافة الانفجار: هل أصبح تجويع المواطنين “سياسة دولة”؟

تمر في الطرقات فترى وجوه الناس “كالحة”، لا مضمون لها ولا معنى، بل يكاد المرء أن يشتبك مع ذرّات الغبار العابرة أمام مُحيّاه، فتسأل في نفسك: لماذا؟، فلا تدّخر الثواني عنك الجواب، ويأتيك الرد.. جوع المرء سلاحٌ إنْ تحرّك لا يُبقي ولا يذر، وحين تُترك الملايين في مهب الانهيار المالي والسرقة الممنهجة لمدخراتها، فإنّ الحساب لن يكون على ورق التقارير، بل على أرصفة العجز المدقع.

لم يعد مسموحاً تجميل الخراب بأكذوبة الصمود اللبناني الأبدي، ولا تحويل كرامة العائلات إلى مادة استهلاكية تُقاس بقدرتها العجيبة على ابتلاع المذلة والفقر. ما يجري اليوم يكاد يجعلنا نظن بأنّنا أمام “تجويع مُنظّم” يمارسه “فشل” نظام سياسي ومصرفي أفلس البلاد، وألقى بالمواطن وحده في واجهة الموت المعيشي.

لقمة العيش ودواء الأطفال وفاتورة الاستشفاء والسكن أصبحت امتيازات للأثرياء الجُدُد، بينما تُترك الغالبية الساحقة تحسب خطواتها على حافة الهاوية. الفجوة بين النهب المتمادي وبين ما يتقاضاه العامل والموظف لم تعد تخضع لأي منطق اقتصادي، بل تحولت إلى مجزرة صامتة تلتهم ما تبقى من مقومات البقاء.

حين يفقد الإنسان القدرة على تأمين أبسط مقوّمات العيش، وحين يرى عرَق سنينه قد تبخّر في خزائن المصارف وحيتان المال، فإنّ حاجز الخوف يسقط تماماً، وهو ما نتمنّاه في هذا البلد، لكن – لا يزال حاجز الخوف مرتفعاً – سياسة امتصاص صدمات الجوع وصلت إلى نهايتها المسدودة، وقدرة الأسر على الاحتقان الصامت تكاد تنفجر في وجه كل من يتحصّن خلف امتيازاته ويراقب انهيار الوطن من بروجه العالية.

الإصلاحات الكاذبة التي ترفع الدعم وتفرض الضرائب الجائرة على مَنْ لا يملك شيئاً ليست سوى وقود إضافي لإشعال الشارع. اللبنانيون لم يعودوا يطالبون بمعجزات، بل بأبسط حقوقهم الإنسانية المسلوبة، وإذا استمر هذا التعامي عن كارثة القنبلة الاجتماعية الموقوتة، فإن الغضب القادم لن يستذئب في الصمت، ولن تبقي الاحتجاجات القادمة حجراً على حجر في وجه سلطة أدمنت تجويع شعبها.

الرهان على استكانة الناس هو غباء سياسي مجرد ومقامرة مكشوفة بآخر ما تبقى من هيكل الدولة المتهالك. فالجياع لا يبنون استراتيجيات صبر طويلة المدى، بل يقلبون الطاولة حين يكتشفون أن موت “هذه الدولة العميقة”  بالبطء أشد قسوة من موتها دفعة واحدة. لم يعد ثمة وقت للمناورة ولا هامش للوعود الفارغة، فالخيارات ضاقت إلى حدها الأقصى: إما تدارك الكارثة بشبكات أمان حقيقية، أو مواجهة طوفان اجتماعي يجرف المنظومة بأسرها.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة