🟠”هزّة” حكومية متوسطة: ما هي الأبعاد “القواتية” السياسية لخطوة صدّي؟

لا شك في أن اعتكاف وزير الطاقة جو صدّي أحدث “هزّة” حكومية متوسطة. صحيح أن ظاهرها موضوع حياتي، إلا أنها غير معزولة عن الجو السياسي والانقسام السائد في البلد، خصوصًا إشكالية السلاح وارتباط “حزب الله” بالحرب الإيرانية-الأميركية، وهذا الأمر له تداعياته على كل الأزمات المعيشية، وموضوع الكهرباء من ضمنها.
قد يعتبر البعض أن خطوة صدّي وقائية، تهدف من خلالها “القوات اللبنانية” إلى حماية نفسها من تآكل رصيدها الشعبي، إلا أن مصادرها تؤكد أنه يجب وضع الأمور في نصابها. فصدّي لن يشارك في الجلسات الحكومية، في موقف احتجاجي واعتراضي، وربما تنبيهي، بسبب عدم تجاوب مجلس الوزراء مع مطالبه، لكنه لن يعتكف عن أداء واجباته الوزارية كوزير للطاقة، وهو حريص على ألا يتسبّب في عرقلة المرفق العام، أي الوزارة بحد ذاتها. وقد يذهب إلى مستوى أعلى من التصعيد في حال عدم الاستجابة لبعض مطالبه.
لا تنفي مصادر “القوات” أن صدّي يمثّل موقفها على نحو واضح وصريح، فهي تعتبر أن أداء الحكومة سلبي جدًا في ملف الكهرباء، وينعكس على الحزب سلبًا ويضرب مصداقيته. والأهم أن تلكؤ الحكومة يؤثّر في المواطن اللبناني الذي يدفع أثمانًا باهظة نتيجة عدم تلبية مطالب وزير الطاقة، وهي مطالب محقّة وتصبّ في خانة خفض الكلفة على المواطن من جهة، وتصحيح الخلل في مالية الدولة من جهة أخرى.
يأخذ الموضوع المعيشي والحياتي حيّزًا كبيرًا من مسألة اعتكاف صدّي، وتشير مصادر “القوات” إلى أنه صبر كثيرًا على الحكومة، رغم إنذاراته العديدة بضرورة دفع المستحقات لمؤسسة كهرباء لبنان، التي تتجاوز 250 مليون دولار. وهذا ما كان سيوفّر للمؤسسة القدرة على تمويل شراء الفيول وأعمال الصيانة. إلا أن الحكومة استمرت في العرقلة، كما اقترح عليها مشاريع عدة لتحسين وضع التغذية الكهربائية وقطاع الطاقة ككل، لكنها بقيت تماطل.
أين الجانب السياسي في هذا الموضوع؟ تجيب المصادر بأن الحكومة تغطّي مواقف وزير المالية وتصرّفاته، وهو الذي يرفض تسديد المبالغ المستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان، فيما انتماؤه ومرجعيته معروفان، ولا أسرار في هذا الموضوع.
لا تشعر “القوات”، وفق المصادر، بأن هناك من يستهدفها على نحو مباشر ونافر، لكن بعض الوزراء في الحكومة، المحسوبين على طرف معيّن، لا يحزنون إذا “انكسرت شوكة” القوات أو ضُربت صدقيتها ورصيدها السياسي. وتؤكد المصادر أن هناك حسدًا حيال أدائها على المستوى الحكومي، وهم يعرفون أنها، كقوة سياسية، تقدّم أداءً مميزًا يتّسم بالشفافية والكفاءة والعلم.
وتعتبر المصادر أن أكثر جهة ترغب في إضعاف “القوات” هي الثنائي الشيعي، إضافة إلى بعض وزراء الدولة العميقة الذين لا يواجهون العراقيل في الملفات الحياتية، كما لا يواجهون قضية سلاح “الحزب”.
وتكشف المعطيات أن الانزعاج القواتي لا يقتصر على صدّي، إنما يشمل كل وزراء “القوات” الذين يتضامنون معه، ولديهم الملاحظات نفسها على أداء الحكومة في ملف الكهرباء. وتلفت المصادر القواتية، من جهتها، إلى أنه لا يجدر بأحد أن يعتبر أن “القوات” في “الجيبة”، وأنها ستقبل بكل الأمور تحت عنوان القضية الاستراتيجية الكبرى، أي سلاح “الحزب”. وتؤكد أن وزراءها شاركوا في اتخاذ قرارات حصر السلاح، وبيروت منزوعة السلاح، وكل القرارات السيادية المتخذة في ما يخص “حزب الله”، لكنهم منزعجون جدًا من عدم تنفيذ هذه القرارات.
وتعتبر المصادر أنه على رئيسي الجمهورية والحكومة اتخاذ مواقف أشد على المستوى العملي لتنفيذ هذه القرارات. والانزعاج شمل أيضًا مشروع الموازنة الذي رفضه وزراء “القوات” وصوّتوا ضده.
لا يمكن فصل ما حصل مع الوزير صدّي عن المواضيع السياسية. وترى المصادر أن “القوات” لا تفصل بين الملفات الحياتية والملفات السياسية، وخصوصًا موضوع حصر السلاح واستعادة الدولة سيادتها، مؤكدة أنه ما دامت مسألة السلاح لم تُحلّ، فلن تأتي مساعدات أو قروض من المجتمع الدولي والدول العربية والصناديق المانحة.
تعارض “القوات” أسلوب التعاطي الحكومي مع كل هذه الملفات الشائكة، وتشير المصادر إلى أن الدولة العميقة تتحكّم بالعمل الحكومي حتى في الملفات الحياتية التي تحتاج أحيانًا إلى معالجة بسيطة، مثل التجاوب مع بعض مطالب صدّي، التي لا تحتاج إلى قرار سياسي كبير، إنما إلى جدية في التعاطي مع هموم المواطن وتلبية حاجاته في هذه الظروف الاستثنائية الصعبة.
ورغم كل شيء، لا نيّة لدى وزراء “القوات” للاستقالة من الحكومة حتى الآن، لكنهم سيواجهون كل تقاعس وأداء شاذ وفاسد ومنحرف بشتى الوسائل المتاحة. وهذا قرار اتُّخذ للمرحلة المقبلة، من دون التأثير في التضامن الحكومي حيال القضايا الاستراتيجية الكبرى.
جورج حايك- المدن



