🟠 خاص – يسري فودة… ماذا بقي من زمن «سري للغاية»؟

رحاب ضاهر
لم يحتج الإعلامي يُسري فودة إلى أكثر من ظهور قصير، في برومو ترويج عرض حلقات برنامج “سري للغاية” على منصة “الجزيرة 360″، حتى أعاد ذاكرة المُشاهِد العربي إلى واحدة من أكثر مراحل الصحافة التلفزيونية جرأةً وإثارةً للجدل مع البرنامج الذي بدأ عام 1998، وارتبط اسمه به لنحو عشر سنوات، قبل أنْ يُغادر قناة الجزيرة عام 2009. أي أنّ نحو 17 عاماً مرّت على مغادرته القناة، ونحو 28 عاماً على ظهور “سري للغاية” للمرة الأولى.
ومع ذلك، بدا وكأنّ كل هذه السنوات لم تمر على المشاهد. صحيح أنّ السنوات ظهرت على وجه فودة، وهذا طبيعي، لكن حضوره بقي كما هو. الغموض نفسه، والقدرة نفسها على جذب المشاهد من دون مبالغة أو استعراض. في زمن لم تكن نسب المشاهدة الهاجس الأوّل لكل برنامج، كان فودة يعرف كيف يجعل المشاهد ينتظر الحلقة، ويتساءل ماذا سيقول، وماذا سيكشف، وإلى أين سيأخذه التحقيق؟؟؟
فودة لم يظهر ليُعلن عن برنامج جديد أو حلقات جديدة من “سري للغاية”، بل ليُعلن عن عرض حلقاته القديمة، من بينها التحقيق الشهير “اليوم السابع” الذي يعود إلى عام 2003. ومع ذلك، كان ظهوره كافياً لإعادة اسمه إلى الواجهة، وإطلاق موجة من التعليقات التي استحضرت حلقاته، وأسلوبه، وعباراته التي بقيت محفورة في ذاكرة المشاهد.
بدا الأمر وكأنّ الجمهور لا يستعيد إعلامياً من الماضي فقط، بل يستعيد مرحلة كاملة من المشاهدة. مرحلة كان فيها ظهور إعلامي مثل يسري فودة كافياً ليجعل الناس ينتظرون ما سيقوله. وهنا تحديداً تصبح المسألة أكبر من إعادة عرض برنامج قديم.
فودة ينتمي إلى جيل من الإعلاميين، الذين لم تكن مهمتهم أنْ يملأوا ساعة بث، أو أنْ يطرحوا سؤالاً سريعاً على ضيف، ثم ينتقلوا إلى موضوع آخر. بل كان هناك تحقيق ووقت، معلومات وشهادات، وقصّة تُبنى أمام المشاهد خطوة خطوة. وكان “سري للغاية” من البرامج التي جعلت المشاهد ينتظر الحلقة، ولا يكتفي بمشاهدتها إذا صادفها.
لهذا السبب بدت التعليقات التي رافقت ظهور فودة، مختلفة عن مجرّد حنين إلى التلفزيون القديم. نعم، هناك حنين إلى مرحلة كاملة، وإلى برامج وشخصيات ارتبطت بسنوات معينة من حياة المشاهدين، لكن ما هو لافت في الحفاوة بفودة أنّ كثيراً منها كان يستعيد شيئاً آخر: المهنية.
يُذكر فودة بوصفه من روّاد الصحافة الاستقصائية عربياً، لكن ما بقي في ذاكرة الجمهور لا يرتبط فقط بالموضوعات التي تناولها، بل بالطريقة التي كان يقدّمها بها. كان يعرف كيف يحوّل التحقيق إلى حكاية مشوّقة، من دون أنْ يفقد جديّة الموضوع. وكان يعرف كيف يستخدم صوته وحضوره وإيقاعه من دون أنْ يتحوّل البرنامج إلى استعراض للمُقدِّم.
حتى لغته العربية كانت جزءاً من حضوره؛ فـ فودة من الإعلاميين الذين يعرفون كيف يستخدمون “العربية الفصحى” في التلفزيون، لا باعتبارها مجرّد لغة تقديم، بل أداة للسرد وصناعة الإيقاع والتشويق. وهذا أمر يبدو بسيطاً، لكنّه ليس كذلك، خصوصاً في زمن أصبحت اللغة التلفزيونية أكثر سرعة وأقل عناية بالتفاصيل، لذلك، عندما عاد اسمه إلى التداول، لم يكن غريباً أنْ تستعيد التعليقات تلك الصفات تحديداً: الحرفية، التشويق، والقدرة على صناعة برنامج ينتظره الناس.

هل يفتقد المشاهد فودة أو ما كان يُقدّمه؟
السؤال الذي يستحق التوقّف عنده ليس: هل عاد يسري فودة؟، وهو لم يعلن عن عودة إلى الشاشة ببرنامج جديد، ولا يوجد في هذا الظهور ما يؤكد ذلك، بل لماذا كان مجرّد ظهور فودة كافياً لكل هذا التفاعل؟
ربما لأنّ المشاهد لا يفتقد بالضرورة الأشخاص الذين أحبهم في الماضي، بقدر ما يفتقد نوعاً من البرامج التي لم تعد موجودة بالقدر نفسه. برامج كان لها موعد. قضية تستحق المتابعة. تحقيق يحتاج إلى وقت. ومقدّم يعرف أنّ التشويق لا يعني رفع الصوت، وأنّ الإثارة لا تحتاج إلى عناوين صاخبة، وأنّ المشاهد يمكن أن يبقى حتى النهاية إذا شعر أن هناك قصة حقيقية يريد أن يعرفها.
ليس حنيناً… إنّه العطش
إعادة عرض “سري للغاية” على” الجزيرة 360″ أكثر من خطوة أرشيفية. إنّها، من حيث لا تقصد، تضع أمام المشاهد مقارنة بين إعلام كان ينتظر الحلقة ليشاهدها، وإعلام اليوم الذي يطلب من المشاهد أن ينتبه إليه وسط عشرات المقاطع والعناوين والضوضاء. لهذا لا يمكن اختصار الحفاوة بظهور يسري فودة بكلمة “نوستالجيا”، فالحنين موجود بالتأكيد، لكن هناك العطش أيضاً.
عطش إلى إعلامي يعرف ماذا يريد أن يقول، وإلى تحقيق يأخذ وقته، وإلى لغة عربية لا تخجل من جمالها، وإلى برنامج يجعل المشاهد ينتظر الحلقة التالية لأنه يريد أن يعرف ماذا اكتشف الصحافي، لا لأن هناك جدلاً جديداً على مواقع التواصل، لهذا بقي “سري للغاية” في الذاكرة كل هذه السنوات، و لهذا أيضاً كان ظهور يسري فودة القصير كافياً ليذكّرنا بأن بعض الإعلاميين لا يحتاجون إلى العودة فعلياً كي نكتشف أنهم لم يغادروا ذاكرة الجمهور أصلاً.
خاص Checklebanon



