🟠 خاص – لمَنْ تُغنّي نجوى كرم اليوم؟.. لجمهور جديد.. فماذا عن القديم؟

رحاب ضاهر

أطلقت نجوى كرم في 29 أيلول الماضي، أغنيتها الجديدة “تاك تاك”، وهي ثاني أغنيات ألبومها المنتظر “شو ما صار”، الذي يضم أغنيات مصوّرة. وبين إصدار وآخر، تفتح نجوى باباً إلى سؤال أكبر عن نجاح إصدار جديد أو تراجع انتشاره: ماذا يريد الجمهور من نجوى كرم اليوم؟

السؤال لا يعني بالضرورة أنّ ما تقدّمه نجوى حالياً أقل من أغنياتها السابقة، ولا أنّ عليها العودة إلى الصيغة التي صنعت نجاحها في التسعينيات والألفينات، لكن الاستماع إلى «تاك تاك» و«اشتقتلك» إلى جانب «لا تبكي يا ورود الدار»، «ما بسمحلك»، «مغرومة» و«روح روحي»، يجعل المقارنة أمراً طبيعياً، لا بين أغنية وأخرى، بل بين مراحل مختلفة من نجوى نفسها.

في البدايات، كانت الأغنية جزءاً أساسياً من بناء صورة نجوى كرم. اللهجة اللبنانية، الإيقاع، المفردة القريبة من الناس، وحتى طريقة اختيار العناوين، كلها ساهمت في تكوين شخصية فنية كان من السهل تمييزها. لم تكن نجوى تحتاج إلى كثير من التعريف؛ كان عنوان الأغنية أو مقطع منها كافياً ليعرف الجمهور أنها لها.

اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيداً. نجوى ما زالت تملك اسماً كبيراً وحضوراً قوياً على المسارح والمهرجانات، لكن الأغنية لم تعد وحدها الوسيلة التي تُقاس بها نجومية الفنان. تغيّرت طريقة الاستماع، وتراجعت فكرة الأغنية التي ترافق الجمهور لسنوات، كما كانت الحال في السابق، فيما أصبحت المنافسة على انتباه المستمع أسرع وأكثر ازدحاماً.

من هنا، لا تبدو المسألة: هل «تاك تاك» أفضل من «مغرومة»؟ بل هل ما زالت نجوى كرم تبحث اليوم عن الأغنية التي تحمل بصمتها الخاصة، أم أنّها تبحث أيضاً عن أغنية تناسب إيقاع سوق تغيّر كثيراً منذ أن صنعت نجوميتها؟

من الهوية إلى الصدمة.. ثم الترند

إذا عدنا إلى نجوى كرم في بداياتها، سنجد أنّ هويتها الغنائية كانت واضحة منذ وقت مبكر. الأغنية اللبنانية، اللون الجبلي والشعبي، واللهجة التي لم تحاول تليينها لإرضاء سوق أوسع، كلّها كانت جزءاً من الصورة التي صنعت نجوى التي عرفها الجمهور. «لا تبكي يا ورود الدار»، «ما بسمحلك»، «مغرومة» و«روح روحي» ليست مجرّد عناوين من أرشيفها، بل أمثلة على مرحلة كانت فيها نجوى قادرة على تقديم اللون اللبناني بوصفه خياراً جماهيرياً لا لوناً محلياً محدود الانتشار.

ثم جاءت مرحلة مختلفة قليلاً، يمكن تسميتها بمرحلة «نجوى كرم والصدمة». الصدمة هنا ليست بالضرورة في جرأة الكلمات، وإنّما في العبارة التي تجعل المستمع يتوقف عندها ويبحث عن معناها أو يقرأها بأكثر من طريقة. بدأت هذه المرحلة مع «ما في نوم بعد اليوم»، ثم «خليني شوفك بالليل» و«بطّل يجي علينا»، وهي عناوين وعبارات فتحت الباب أمام تفسيرات مختلفة، ذهب بعضها إلى الإيحاء.

كانت هذه المرحلة مهمة لأنّها كشفت جانباً آخر من شخصية نجوى الفنية، فهي لم تكن أسيرة الصورة التقليدية للنجمة اللبنانية، بل عرفت أيضاً كيف تستفز الفضول وتجعل عنوان الأغنية، أو جملة فيها جزءاً من الحديث عنها. لم تكن الأغنية مسموعة فقط، بل قادرة على أن تصبح موضوعاً للكلام.

اليوم تبدو اللعبة مختلفة مرّة أخرى. لم تعد الصدمة وحدها كافية، لأنّ الجمهور يعيش في زمن تتحوّل فيه جملة من أغنية إلى مادة متداولة خلال ساعات، ثم تختفي بعد أيام. وهنا تأتي مرحلة “نجوى والترند”، فمن «دوم تك» إلى «تاك تاك»، تبدو نجوى أكثر اقتراباً من لغة التداول السريع. العنوان قصير وخفيف وقابل للترديد، والأغنية لا تتجه إلى الثقل أو الدراما. وهذا لا يعني بالضرورة التخلي عن هوية نجوى، بل استخدام أدوات زمن مختلف.

في الماضي كان الجمهور ينتظر أغنية نجوى الجديدة، ثم يمنحها وقتاً كي تنتشر وتتحوّل إلى جزء من الذاكرة. أما اليوم، فتصل الأغنية إلى المستمع وسط آلاف الأغنيات والمقاطع والمحتويات الأخرى، وتحتاج إلى ما يجعلها تتوقف في ذهنه سريعاً.

وهذا يضع «تاك تاك» في مكان مختلف عن «مغرومة» أو «هيدا حكي». ليس لأنّها بالضرورة أقل نجاحاً أو أكثر نجاحاً، بل لأنّ الزمن الذي تستقبل فيه الأغنية تغيّر، لذلك من المبكر تحويل الاستماع لـ«تاك تاك» أو «اشتقتلك» إلى حكم نهائي، خصوصاً أنّ الأغنيتين ما زالتا في بدايتهما، لكن الاختبار أمام نجوى لم يعد فقط قدرتها على جذب الجمهور، بل قدرتها على جعل الأغنية الجديدة تعيش خارج لحظة انتشارها الأولى.

ماذا عن جمهورها القديم؟

وراء الحديث عن الترند سؤال آخر: لمَنْ تغنّي نجوى كرم اليوم؟

الجمهور الذي صنع نجوميتها في التسعينيات والألفينات لم يختفِ، لكنّه تغيّر هو الآخر. بعضه لا يزال ينتظر منها الأغنية اللبنانية التي تشبه نجوى التي عرفها، فيما كبر جيل آخر مع المنصات الرقمية وأصبح يتعامل مع الأغنية بطريقة مختلفة. بالنسبة إلى هذا الجيل، قد تكون سرعة انتشار مقطع أو خفة عنوان الأغنية جزءاً من جاذبيتها، وربما يكون «تاك تاك» أقرب إلى هذه اللغة من أغنيات نجوى القديمة.

لكن الوصول إلى جمهور جديد لا يعني بالضرورة الابتعاد عن الجمهور القديم، فنجوى ليست مطالبة بإعادة إنتاج «مغرومة» أو «روح روحي» في كل مرّة، ولا بالتعامل مع الماضي كأنّه وصفة جاهزة للنجاح. جمهورها القديم لا يرتبط بالأغنيات وحدها، بل بصورة فنية كاملة: اللهجة اللبنانية، اللون الشعبي والجبلي، الجملة التي تعلق في الذاكرة، والأغنية التي يمكن أن تُغنّى جماعياً بعد سنوات من صدورها.

من هنا، يبقى الرهان على أنْ تصل الأغنية الجديدة إلى المستمع الأصغر سناً، من دون أنْ تبدو غريبة عن المستمع الذي رافق نجوى منذ بداياتها، فالمسألة ليست جمهوراً قديماً يجب إرضاؤه وجمهوراً جديداً يجب استقطابه، بل إيجاد مساحة تستطيع فيها نجوى أن تقدم ما يشبهها اليوم، ويجد فيه الجيل الجديد شيئاً يخصه، فيما يتعرف جمهورها القديم إلى صوتها وهويتها.

ربما يكون هذا هو الاختبار الأهم لـ«تاك تاك» وما سيأتي بعدها من أغنيات «شو ما صار»: ليس فقط قدرتها على تحقيق انتشار سريع، بل قدرتها على أن تعيش خارج لحظة الترند، وأن تضيف مرحلة جديدة إلى مسيرة نجوى كرم من دون أن تقطع الصلة بالمراحل التي صنعت نجوميتها.

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة