🟠كامب ديفيد: اليمن ينتقل من هامش القرار الأميركي الى صلب الاجتماع “السري”؟

كامب ديفيد: اليمن في صلب الاجتماع “السري”؟

أحياناً لا تكون أهمية الخبر في ما يقوله، بل في ما يكشفه توقيته، ومن اختار أن يقوله، ولمن أراد أن تصل الرسالة. وفي واشنطن، يصعب التعامل مع خبر اجتماع أمني وسياسي بهذا المستوى في منتجع كامب ديفيد باعتباره مجرد اجتماع عادي، خصوصاً حين يأتي في لحظة تتقاطع فيها الحسابات الأميركية والإيرانية واليمنية على أكثر من جبهة. فالتفاصيل التي أُخرجت إلى العلن تبدو أقرب إلى رسالة سياسية منها إلى مجرد تسريب صحافي.

تحدث تقرير عاجل يأخذ شكل “السبق” عن اجتماع “سري” عقد، يوم الجمعة الماضي ، في منتجع كامب ديفيد الجبلي، حضره كبار رجالات الإدارة الأميركية من دون الرئيس دونالد ترامب. تستدرج حواشي التقرير إلى التذكير بمعلومة مفادها أن اجتماعا من هذا النوع كان عقد في حزيران 2025، قبل أيام من شن إسرائيل ضرباتها الشهيرة ضد إيران والتي انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقا.

في تأمل للسبق المزعوم، من السهولة الإكتشاف أنه تسريب مقصود أُريد له أن يصل إلى من يهمه الأمر. سُلمت المعلومة إلى الصحفي الإسرائيلي باراك رفيد لتنشر في موقع “أكسيوس” المفترض أنه قريب من البيت الأبيض. وما زُعم أنه اجتماع سري جرى بعيدا عن أعين الصحفيين في واشنطن، نزعت عنه السرية بعد ساعات. وإذا ما أضيف إلى المعلومة أن الاجتماع دام ساعات، فذلك ليكشف أن المداولات كانت عميقة وشاملة وأثارت جدلا داخل الجدران.

اليمن ينتقل من هامش القرار الأميركي إلى صلبه

ترأس نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الاجتماع الجلل، وحضره وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين. وفيما أراد “التسريب” تسليط الضوء على الطابع السياسي والأمني والعسكري والدبلوماسي للقاء، فإن اللافت الأهم في نص الخبر ليس أن إيران كانت في لب المناقشات، فهذا من بديهيات الراهن، بل أن مسألة اليمن جُلبت إلى الطاولة كمسألة أساسية لا فرعية، وجب اتخاذ قرار بشأنها.

قبل أسابيع، وفي عز مفاجأة سقوط مدينة المخا بيد الحوثيين وسيطرتهم على سواحل وجزر تطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، نقلت صحف أميركية أن الرئيس ترامب نأى بنفسه عن الحدث رغم أهميته الاستراتيجية، ورفض تدخل بلاده لردّ توغل الجماعة اليمنية داخل مناطق توفّر لإيران عبر ذراعها المحلية القدرة على تهديد الملاحة هناك، على منوال ما تفعله هنالك في مضيق هرمز. ذهب ترامب حينها إلى الكشف عن اتصال أجراه الحوثيون، علم لاحقا أنه في مسقط، تعهدت فيه الجماعة بعدم التعرّض لسفن أميركية ودولية وحتى إسرائيلية، واقتصار شرورهم على سفن “دولة غير راضين عنها”.

اليمن يفرض نفسه على القرار الأميركي

لم تعلّق الرياض على موقف للرئيس الأميركي كان يمكن اعتباره جزءا من عدّة الشغل الخاصة بالانتخابات النصفية التي تُشغل الولايات المتحدة والعالم. كان الرجل يردد لناخبيه التزامه بالسلم، مبشرا بقرب انتهاء حرب إيران، بما يفسّر رفضه الانخراط في حرب جديدة في اليمن طالما أن الحوثيين ملتزمون بعدم التعرض للملاحة الدولية. لكن حين يعلن في اجتماع كامب ديفيد أن أركان الإدارة وضعوا ملف اليمن على طاولة القرار، فذلك يعني أن واشنطن، وعلى خلاف الموقف المحايد السابق للرئيس، قررت أن اليمن من صلب الأولويات الطارئة.

نأى ترامب بنفسه في 12 أيلول خلال لقاء مع رئيس الوزراء الأيرلندي ميشيل مارتن في دبلن، قال ترامب للصحفيين إن الحوثيين “اتصلوا بنا ولا يريدون القتال معنا» و “لا يريدون أن نلاحقهم»”. لكن كلام المناسبة لا يخفي “كلام الجد”. بعد يومين فقط، وإثر تواصل أجراه ترامب مع ولي العهد السعودي، التقى الأمير محمد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، في جدة. هناك تبادلت واشنطن والرياض أوراق اليمن.

جرت المراجعة الأميركية إثر ظهور معطيات رأت فيها واشنطن أن المنطقة ذاهبة إلى قرارها وتفرض قواعدها، كما فعلت سابقا حين واجهت بغضب خيارات إدارة باراك أوباما في مواسم “الربيع” العربي. خرجت تقارير تتحدث عن استعدادات لشن حرب شاملة كبرى لوقف العبث اليمني. شملت المعلومات رصّ صفوف وترتيب الجبهات على يد القوات والقبائل اليمنية، والكشف عن وجود عشرات الآلاف من القوات الباكستانية على الحدود السعودية ـ اليمنية، وعن تفاهمات على تموضع “طارىء احتياطي” مصري وتركي وفرنسي وبريطاني ودول أخرى لدعم المملكة ورفد خططها.

عشية هذا الاجتماع، أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الكونغرس أن وزارته ستفرج عن مبلغ 320 مليون دولار، هو جزء من المساعدة الأميركية لمصر، من دون شرط حقوق الإنسان. رأى المراقبون في الأمر عجالة يراد منها، بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف في القاهرة، ولقاء وزير الخارجية روبيو بنظيره المصري بدر عبد العاطي في نيويورك، وبعد قمة بين السيسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ألا يصدر عن واشنطن أي إشارة يفهم منها موقف معترض على حراك المنطقة من إسلام آباد إلى القاهرة مرورا بأنقرة والرياض وليس انتهاء بباريس ولندن.

اليمن في صلب خيار الحرب مع إيران

يأتي “تفصيل” كامب ديفيد ليبعث برسائل إلى إيران بأن لوعيد ترامب بالعودة إلى ضربات ساحقة على إيران أعراضا عملية متدافعة. تتشاور مؤسسات السياسة والأمن والعسكر والدبلوماسية. يدفع البنتاغون بحاملة طائرات ثالثة إلى المنطقة، ويرفع حضور قواته البرية في المنطقة إلى عشرات الآلاف. ويسلط اجتماع “كامب ديفيد” الضوء على أن معركة اليمن هي في صلب الحرب ضد إيران إذا اندلعت، وليست هامشا أو فرعا لها، وأن ورقة “باب المندب” الإيرانية ستفعل كما فعلت ورقة “هرمز”، وأنه من السذاجة الوثوق، على ما فعل ترامب، بتعهدات جماعة يُتخذ قرارها في طهران.

لم يكن اجتماع كامب ديفيد مجلس حرب. فالحرب ليست من الخيارات التي يدفع بها عادة فانس، وإن لم يعد في تصريحاته الحديثة يستبعدها. كان كاين، رئيس الأركان، قد نبّه كبار رجالات الإدارة قبل أسابيع إلى ضرورة البحث عن مخرج، لأن القوة الجوية وحدها لن تحقق أهداف الرئيس. فيما هيغسيث، وزير الحرب، أكثر مؤخراً من إطلالاته الصقورية، وقام روبيو، وفق ما سُرب، بطرد الوفد الإيراني من نيويورك بعدما تعثرت المحادثات. بدا أن المشهد متصاعد وضاغط، يحضّر الرأي العام لمنطق حرب مهما كانت توازنات الكونغرس بعد الانتخابات.

في واشنطن من يؤكد أن أميركا لا تقاتل من أجل مكاسب في إيران، بل من أجل المحافظة على سمعتها ومكانتها بصفتها الدولة الأقوى على رأس النظام الدولي. ومن راقب تفاصيل زيارة الزعيم الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن قبل أيام، سهل عليه استنتاج أن موازين القوى بين “الجبارين” باتت حساسة إلى درجة لا تتسامح فيها الولايات المتحدة مع نكسة إيرانية كتلك التي وقعت بها في عهد أوباما.

تحمل يوميات اليمن وأعراضها الإيرانية جنوب السعودية، والمهدِّدة لمكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى إعلان رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي، الأحد، بدء العمليات العسكرية لـ “استعادة اليمن” إرهاصات تحضيرات يمنية إقليمية ودولية لتطوّر تفرضه المنطقة، لا تريد واشنطن أن تكون خارج مآلاته. في كامب ديفيد فُتح الملف. بلُغت طهران بالرسالة. وأدركت “الجماعة” في اليمن أن التفهم والتساهل والنأي بالنفس الذي صدر عن ترامب انتهت مفاعيله، وأن تموضع أوروبا الجديد يوحي بأن اليمن بات قضية أولى وبوابة أساسية لا خلفية للصراع مع إيران فقط.

محمد قواص- اساس

مقالات ذات صلة