🟠خاص- جوزاف عون… من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؟

من أكثر ما يلفت في تجربة الرئيس جوزاف عون أنه في مراحل مختلفة، بدا وكأنه انتقل من موقع إلى موقع من دون أن يمرّ كثيراً بالمنطقة الرمادية بينهما.
عندما كان يُنظر إليه على أنه قريب من حزب الله، كانت أصوات السياديين تقول له: “أنت ترخي الحبل أكثر مما يجب… شدّ ركابك فخامتك”.
ثم تغيّرت الظروف، وتغيّر المشهد، وذهب لبنان إلى مكان آخر. واليوم، لا تبدو هناك مساحة سياسية تجمع عون وحزب الله كما كانت في السابق. بل إن مواقفه باتت أكثر وضوحاً في اتجاه حصرية قرار الدولة والسلاح، وهو أمر عبّر عنه بوضوح في أكثر من مناسبة.
لكن السؤال هنا: هل كان لا بد أن ينتقل لبنان من طرف إلى طرف، ومن أقصى إلى أقصى، فيما المطلوب من رئيس الجمهورية أن يكون قادراً على إبقاء باب الدولة مفتوحاً أمام الجميع؟
وهنا يأتي دور المستشارين من حول الرئيس. فالرئيس لا يحتاج فقط إلى من يصفّق لقراراته، بل إلى من يقول له أحياناً: تمهّل. اقترب من هنا، ابتعد قليلاً من هناك، ولا تجعل موقع الرئاسة يبدو وكأنه جزء من الاصطفاف السياسي..فالرئيس، في بلد كلبنان، لا يستطيع أن يكون رئيس فريق.
ولا أقول ذلك لأبرّر لحزب الله موقفاً (اطلاقا)، ولا لأنتقد موقفاً سيادياً. بل لأن البلد لا يحتمل أن يصبح كل انتقال سياسي انتقالاً كاملاً إلى الضفة المقابلة.
وهناك أيضاً أسئلة تستحق أن تُطرح حول طريقة اتخاذ بعض القرارات في بعبدا، وخصوصاً عندما تتفاجأ الحكومة بقرار رئاسي كما حصل أخيراً مع طعن الرئيس في قانون إعادة هيكلة المصارف، وهو قانون كانت الحكومة تعتبر إقراره جزءاً أساسياً من مسار الإصلاح والتفاوض مع صندوق النقد.
هل هناك اختلاف في الرؤية بين بعبدا والسرايا؟ ربما. وهل يعني ذلك وجود «قطبة مخفية»؟ لا نملك ما يكفي للجزم بذلك…
لكن من حق اللبناني أن يسأل: لماذا لا تكون القرارات الكبرى أكثر تنسيقاً بين رأسَي السلطة، خصوصاً في بلد يحتاج إلى كل نقطة تفاهم ممكنة؟
وإذا كان الطرفان يحظيان بدعم دولي، فالمطلوب منهما ربما أن يستثمرا هذا الدعم في تثبيت الدولة، لا في تثبيت المسافات بين بعضهما البعض.
والسؤال الأصعب يبقى: هل لا يزال في لبنان مكان لوسيط، أو لرجل، أو لعاقل أو لفكرة تستطيع أن تجمع ما بين أقصى طرفين؟
في مرحلة سابقة، تمّ جمع ميشال عون وحسن نصرالله رغم كل التناقضات بين الرجلين.
فهل أصبح اليوم مستحيلاً أن نجد من يستطيع أن يجمع، ليس بالضرورة عون ونواف سلام من جهة وحزب الله من جهة أخرى، بل أن يُفتح حواراً جدياً حول البنود الأساسية التي لم يعد البلد يحتمل تأجيلها؟
لأننا إذا وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها الوسط ممنوعاً والتفاهم خيانة والحوار تنازلاً، فعلى الدنيا السلام…
ربما المشكلة ليست في أن يكون الرئيس حازماً.
ولا في أن يكون حزب الله متمسكاً بموقفه.
ولا في أن يكون رئيس الحكومة واضحاً في خياراته.
المشكلة أن لبنان لم يعد يحتمل أنصاف الحلول… ولا يحتمل، في الوقت نفسه، أنصاف التفاهمات التي تنتهي كل مرة إلى انفجار جديد.
فهل لا يزال هناك من يستطيع أن يجد المسافة التي لا تعني استسلاماً من هنا، ولا انتصاراً من هناك؟
أم أن لبنان وصل فعلاً إلى زمن لم يعد فيه أمامه إلا أن يختار بين أقصى وأقصى؟
ايمان ابو نكد- رئيسة التحرير



