🟠 «ريشة حسن إدلبي تُحيي الأمثال».. الموروث الشفاهي يتجسّد لوحات إبداعية في الشارقة

بأسلوبه الإبداعي الناقد واللطيف، وخطوطه التي لا تخطئها العين الباحثة عن المُتعة، يستمر الفنان ورسام الكاريكاتير “العربي” حسن إدلبي في تجسيد الأفكار والانطباعات إلى مشاهد نابضة بالحياة، تُكاهي الفُكاهة، وتُلامس السخرية دون تجريح.

إدلبي، الذي اختطّ لنفسه مساراً عريقاً في فن الكاريكاتير والبورتريه على مدى عقود، عُرِفَ بقدرته الفريدة على الجمع بين النقد البصري الذكي واللمسة الجمالية الراقية، مُستخدماً سحر التباين بين الأبيض والأسود بجرأة، ومُطوّعاً بُقَع الألوان بشغف ليصوغ منها مواقف وشخصيات تتجاوز حدود الورق.

تاريخه الفني الحافل، الذي طاف معارض عدّة بين الإمارات، مصر، تونس وفرنسا، لم يكن يوماً مجرّد رسم للملامح، بل كان دائماً حكاية بصرية واستحضاراً خلاقاً للذاكرة الشعبية.

«أمثال الأصدقاء».. تجسيد التراث

من هذا الإرث الفني العريق، يطل علينا إدلبي اليوم بتجربة تجسّد هذا الخيال؛ ضمن فعاليات الدورة السادسة والعشرين من «ملتقى الشارقة الدولي للراوي»، التي حملت هذا العام شعار «حكايات الأصدقاء»، أقيم في «معهد الشارقة للتراث» بمعرض فني حمل عنوان «أمثال الأصدقاء»، يضم نحو 40 لوحة منفذة بالألوان، تستلهم مجموعة من الأمثال العربية والعالمية المرتبطة بالصداقة والعلاقات الإنسانية.

يأتي المعرض انسجاماً مع البُعد العربي والعالمي للملتقى، الذي يضع التراث الشفاهي في صدارة اهتماماته، إذ اختار إدلبي أمثالاً معروفة ومتداولة بين الناس، وحوّلها من عبارات تختزنها الذاكرة الشعبية إلى صور ومشاهد وشخصيات، في محاولة لمنح المثل حضوراً بصرياً يوازي حضوره في الذاكرة.

رؤية بصرية تُحيي التراث الشفاهي

من بين الأمثال التي تناولها المعرض «الصديق وقت الضيق»، «الصاحب ساحب»، «الصديق مرآة صديقه» وغيرها من الأمثال التي تناقلتها الأجيال وحفظها التراث الشفاهي. فالمثل، رغم قصر عبارته، يحمل خلاصة تجربة اجتماعية أو إنسانية، وغالباً ما اختصر في كلمات قليلة مواقف وعلاقات وقيماً ظلت حاضرة في الذاكرة الشعبية.

هنا تأتي اللوحة لتدعم المثل وتعيد تقديمه بطريقة مختلفة؛ فالمتلقي الذي يعرف المثل ويحفظه، يراه في المعرض مجسداً أمامه في صورة يمكن أن تضيف إلى العبارة معنى آخر، أو تفتح أمامه قراءة جديدة لما اعتاد سماعه وترديده. وبهذا يلتقي في المعرض التراث الشفاهي مع الفن البصري والكاريكاتير، من دون أن يفقد المثل بساطته أو دلالته الأصلية.

الصداقة لغة إنسانية تتجاوز الثقافات

يحمل اختيار الأمثال العربية والعالمية دلالة تتصل أيضاً بطبيعة ملتقى الشارقة الدولي للراوي، الذي يجمع تجارب من ثقافات مختلفة، إذ تظهر الصداقة بوصفها قيمة إنسانية مشتركة في أمثال الشعوب وحكاياتها، وإن اختلفت الصياغات والتعبيرات من مجتمع إلى آخر. ومن خلال اللوحات، يضع المعرض هذه الأمثال في سياق بصري واحد، يبرز ما بينها من تقاطعات في التعبير عن الصداقة والوفاء والمساندة والعلاقات الإنسانية.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by Hasan Edalbi (@hasanedalbi)

إشادة بالابتكار الإبداعي

ضحظي معرض «أمثال الأصدقاء» باهتمام خاص من الدكتور عبد العزيز المسلم، رئيس معهد الشارقة للتراث، الذي أشاد بفكرته وطريقة تقديم الأمثال في قالب بصري، معتبراً أن المعرض يمثل نوعاً جديداً من الفعاليات التي تفتح مساحة مختلفة للتعامل مع التراث الشفاهي. وأشار إلى أن تحويل الأمثال المتداولة إلى لوحات يضيف إليها بعداً بصرياً، ويتيح للأجيال الجديدة التفاعل معها من زاوية مختلفة، خصوصاً أن المثل الشعبي، رغم اختصاره، يحمل خلاصة تجارب وقيم تراكمت عبر أجيال.

يستمر المعرض في فضاء معهد الشارقة للتراث خلال الأشهر المقبلة، ليبقى متاحاً أمام زوار المعهد بعد انتهاء فعاليات الملتقى، ومواصلاً تقديم تجربة تجمع بين التراث الشفاهي والفن البصري الكاريكاتوري، لتعيد تقديم مادة مألوفة في الذاكرة الجماعية بلغة بصرية معاصرة.

مقالات ذات صلة