🟠 خاص – شدة قلم – واقع الطبابة في لبنان بين ذل الفقر ومهانة السلطة!!

أقسى شعور بالألم.. هو أنْ يُجرّد الإنسان من إحساسه بإنسانيّته.. هذا بالضبط ما وصلنا إليه كمواطنين لبنانيين بفضل حكوماتنا المتعاقبة.. إذ إنّ أبسط حقوقنا تتمتّع بها الكلاب في بلاد الغرب.. وبعض الدول التي قدّرت قيمة الإنسان الحقيقية..
يوم تلو آخر نهبط إلى “ما دون خط الفقر”.. حتى أصبحنا تحت الإسفلت الذي يفرشه “المتعهّدون السماسرة” هذه الأيام.. وقد نفترشه يوماً ما..

لن أتحدث عن العتمة.. ولا عن شُح المياه.. ولا عن الغلاء والتضخّم.. ولا حتى عن الخوف المتربص بنا على الطرقات.. بسبب ضياع الأمن و”قطّاع الطرق”.. فكل هذه الآلام تتضاءل أمام الخنجر المسموم الذي يُغرز في صدورنا صبح مساء.. أنْ نتسوّل حقنا الطبيعي في الطبابة والعلاج.. أنْ نستجدي النظرة الفاحصة من طبيبٍ يحمل في قلبه بعض الرحمة..
أصبحت العافية أمنية.. والحصول على حبة دواء أو صورة شعاعية أو سرير طوارئ.. معركة كرامة نخسرها في كل جولة.. يومياً نسمع عن أحوال تُدمي القلوب.. هذا يعجز عن ثمن جرعة دواء، وذاك ينشر أقاربه “روشتة” مستعجلة لعملية جراحية بآلاف الدولارات.. أرقام خيالية تُطلب من أناسٍ بالكاد يمتلكون الرمق الأخير..

أما المستشفيات الحكومية.. فللأسف – وعن تجربة شخصية – اللجوء إليها تجربة يُخوضها المريض على مسؤولية كرامته.. فالأسعار كالقطاع الخاص إذا كانت الخدمة العلاجية من نوع “الرنين المغناطيسي أو MRI وCT-SCAN”.. أو قد لا تتوفّر الخدمة الطبية لأنّ المركز الصحي حكومي أصلاً أشبه بجدران مهجورة.. تُعاني النقص بالطاقم البشري.. أو الخراب بعدما نهبت عصابات النفوذ مخصصاتها..
لقد تلاشت “الطبقة الوسطى”.. وأهلها روّاد الجمعيّات والمراكز والمؤسسات الخيرية والخدماتية.. بحثاً عن علاج وطبابة بأقل كلفة ممكنة.. ولكن أحياناً كثيرة تأتي الخدمة على قدر الكلفة: بلا قيمة ولا أثر.. وإذا وفّقنا الرب بطبيب “إبن حلال وضميره صاحي” يكون نتيجة دعوات الأم ورضى الأب..

صرنا أذلّاء على أبواب المستشفيات.. يردّنا الحرس عن أعتابها لأنّنا لم نجهّز سلفاً الـDeposit الأخضر المُغري أو “بطاقة تأمين” تحمينا من البهدلة.. عندها يكون ردّهم “شفلك مستشفى تاني”..
أما العلاج على نفقة الضمان الاجتماعي أو وزارة الصحة.. فقصة أخرى من العذاب.. متاهة من مئات الأوراق.. موظف حضر لكنّه مشغول بالترويقة.. وموظّف لم يحضر لان الكهرباء مقطوعة.. وإنْ حضر فغالباً سنصعد أدراجاً وننزلها.. وتواقيع نترجّاها من مكتب إلى آخر.. حتى يسبق الموتُ الدواءَ.. ويُقفل الملف قبل أن يُفتح باب السرير.

خلاصة القول.. أمام الـ128 مسطول في البرلمان والـ5000 دولار رواتبهم الشهرية.. وهم لا يعملون شيئاً سوى الردح والشتم والسب.. وكل فريق فيهم يبخس عمل الآخر.. و”بالآخر نحن الخسرانين”.. من قلب محروق.. ومن أعماق الوجع الذي قد يدفع بشخص.. إلى طلب قرض من “مصرف لصوصي” ليُكمل علاجه.. أقولها: “ان شا الله كل قرش عم ينسرق من جيوبنا.. بحطه النوّاب والوزراء والزعماء وكل مَنْ ساهم بسرقتنا.. كلفة أدوية وعلاجات لعلل ما يلاقولها دوا”.. قولوا آمين!!
مصطفى شريف – مدير التحرير



