🟠قاسم يلوّح بالورقة الداخلية: تحضير الشارع لإنهاك الحكومة؟!

جاء خطاب الأمين العام لـ»حزب الله» الشيخ نعيم قاسم في ذكرى السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، في لحظة شديدة الحساسية. فالدولة اللبنانية تدفع في اتجاه حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيدها، ونواف سلام جدّد في الأمم المتحدة هذا الموقف وربطه بانسحاب إسرائيل، فيما لا يزال الحزب يرفض «صيغة الإطار» بصيغتها الحالية، وهو ما كرّره قاسم في خطابه. لكن اللافت أو الجديد في كلامه، التطرّق إلى المشكلات الحياتية، وإعلانه حق الناس في التظاهر. هي إشارة واضحة بتأييد وتشجيع التحركات الشعبية، خصوصاً في بيروت، ولو في مستوى ناعم كبداية، أو ما يعتبره البعض تحضير الشارع لإنهاك الحكومة أكثر، في انتظار اللحظة الإقليمية المؤاتية.
قاسم كان بحاجة، قبل أي شيء، إلى مخاطبة البيئة الداخلية للحزب. بعد عامين على اغتيال نصرالله وصفي الدين، وحربَي 2024 و2026، وتغيّر الوضع في الجنوب. لذلك هو لا يستطيع أن يقدّم لجمهوره خطاباً يقوم على النتائج العسكرية فقط. هو انتقل عملياً من خطاب كان يقوم على فرض معادلات إلى خطاب يحتاج إلى إثبات أنّه ما زال قادراً على الصمود والمحافظة على دوره. وهذا يتطابق مع قراءة تقارير عدة اليوم لمسار الحزب بعد نصرالله. لكنه في الوقت نفسه، لم يعط أي إشارة حول وجود مؤشرات إلى تسوية قريبة في موضوع السلاح. وطوال المراحل الماضية كانت الإشارات الجدّية الصادرة عن «حزب الله» تؤكّد أنّ خيار التعاون لإيجاد حل للسلاح غير موجودة أبداً في قاموسه، لا بل على العكس، فهو مستعد للمواجهة في حال الإقتراب من هذا الخيار. وجاءت الرسالة الأوضح من «علي الطاهر» بالذات. فـ«حزب الله» آثر سقوط التلة بكل أنفاقها وتجهيزاتها بيد الجيش الإسرائيلي على تسليمها للجيش اللبناني، والرسالة واضحة: من غير الوارد أبداً خلق سابقة بتسليم أي موقع عسكري لـ»حزب الله» شمال نهر الليطاني للجيش اللبناني تحت أي ظرف كان، حتى ولو كان الثمن سقوط هذا الموقع بيد إسرائيل.
وبالتالي، تقصّد قاسم عدم إعطاء أي انطباع بأنّ الحزب دخل في مرحلة قبوله بتسليم السلاح، أو بالصيغة التي تطرحها الدولة اللبنانية والاتفاق الإطاري. وهذا استمرار لموقفه السابق: الحزب ربط أي «بحث» في السلاح بالاحتلال والانسحاب الإسرائيلي، ورفض أن يكون نزع السلاح شرطاً مسبقاً.
«حزب الله» يقول للدولة بطريقة غير مباشرة: لا تتعاملوا مع ملف السلاح وكأنّه ملف تقني يمكن حسمه بقرار حكومي. أي أنّ الحزب يريد تحويل المسألة من:
«تسليم السلاح» إلى «ما هو مستقبل المقاومة في لبنان؟ وما هي الضمانات؟ وماذا تفعل إسرائيل؟ وماذا يفعل الجيش؟». وهذا يلتقي مع العقدة التي ظهرت في المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية: لبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي وضمانات وآلية تنفيذ، بينما رُبط المسار عملياً بموضوع سلاح «حزب الله».
لكن، وبعد السيطرة الإسرائيلية على مواقع جنوبية استراتيجية، ومنها «علي الطاهر»، أصبح لدى الحزب مشكلة خطابية أساسية، وتتلخّص بطريقة إثباته أنّ استمرار السلاح يؤدي إلى تحرير الأرض، بينما إسرائيل وسّعت وجودها داخل الجنوب؟ لذلك ربما تحوّل خطاب الحزب أكثر فأكثر من الحديث عن الانتصار العسكري المباشر إلى الحديث عن منع إسرائيل من تحقيق أهدافها السياسية، واستمرار المقاومة، ورفض فرض شروط إسرائيلية، وربط أي تسوية بالانسحاب الإسرائيلي، والحفاظ على السلاح كورقة تفاوضية. وهذا تغيير مهمّ في وظيفة الخطاب السياسي لـ«حزب الله».
لكن التشجيع الناعم للتظاهر واستخدام الشارع، أظهر أنّ ثمة مرحلة داخلية جديدة، ولو بسقف مخفوض إلى حدّ ما. وهذا يعني أنّ المرحلة المقبلة قد تكون مرحلة عضّ أصابع سياسية وعسكرية بين الحزب والدولة وإسرائيل والولايات المتحدة، أكثر من كونها مرحلة حسم سريع.
والسؤال الأهم من الخطاب نفسه هو: ماذا سيفعل الحزب بعد هذا الخطاب، إذا تقدّمت الدولة عملياً في ملف حصر السلاح، وإذا استمرت إسرائيل في تثبيت مواقعها جنوباً؟ هنا تحديداً ستظهر حقيقة ما إذا كان خطاب قاسم هو خطاب تثبيت قبل تفاوض جديد، أم خطاب تمهيد لمواجهة أطول، من ضمن مراحل متدرجة، تشمل الجنوب والداخل على حدّ سواء.
في المقابل، وعلى الضفة الأميركية، هناك تراجع واضح في الزخم العلني تجاه لبنان خلال الأسابيع الأخيرة. لكن من الخطأ قراءته بأنّه قرار أميركي بـ«ترك لبنان». الأدق، هو أنّ واشنطن انتقلت من مرحلة الدفع السياسي السريع نحو اتفاق إلى مرحلة الضغط والانتظار وإدارة الجمود، وسط الحملات الإنتخابية الأميركية الصاخبة، ما يضع الملف اللبناني جانباً في هذه المرحلة على الأقل.
فغياب لبنان عن خطاب ترامب في الأمم المتحدة له دلالة، لكنه ليس بحدّ ذاته إعلاناً عن التخلّي.
فخطاب ترامب في 23 أيلول ركّز بصورة أساسية على إيران، إسرائيل، الحرب الإقليمية، والقضايا التي يعتبرها ذات أولوية مباشرة للسياسة الأميركية. ولم يذكر لبنان في النص المنشور للخطاب. لكن في المقابل، واشنطن لم تُسقط «صيغة الإطار» التي أنشأتها للبنان وإسرائيل في 26 حزيران، ذلك الإتفاق ما زال ينص على مسار متدرج، لناحية انتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح الجماعات المسلحة، وانسحاب إسرائيلي تدريجي، مع دور أميركي في التفاوض والتنفيذ. الإستنتاج الواقعي هو في اعتبار أنّ الإدارة الأميركية لم تُغلق قناة التفاوض ولم تُسقط خيار «مفاوضات روما»، بل إنّها خففت من سرعتها، وقد تكون «الأخطاء» اللبنانية قد ساهمت في هذا الوضع. فتمّ تجاوز الدعوة إلى عقد جولة تفاوضية ثامنة، طالما أنّ النتائج غير واضحة. أما المفاوضات العسكرية فمسألة مختلفة.
ففي مقر قيادة «سينتكوم» في تامبا في ولاية فلوريدا الأميركية، تستمر الإجتماعات العسكرية اللبنانية ـ الأميركية. ويُعمل على إمكانية عقد جولة تفاوضية عسكرية تضمّ الجانب الإسرائيلي في النصف الثاني من الشهر المقبل. وتُدرس أفكار واقتراحات، تقضي بتسليم الجيش اللبناني منطقة «علي الطاهر» ومحيطها، لتشكّل المنطقة التجريبية الثانية. ويحمل لبنان عدداً من الأسئلة في هذا المجال، يبقى أبرزها الحصول على ضمانات أميركية واضحة بعدم عودة القوات الإسرائيلية إلى هذه المنطقة بعد أن يتسلّمها الجيش اللبناني. لكن إسرائيل تشترط حصول تقدّم فعلي في سيطرة الجيش اللبناني ونزع سلاح «حزب الله» قبل توسيع الانسحاب، ولو في نقاط محددة. لبنان يقول عملياً، إنّ الجيش لا يستطيع بسط سيطرته الكاملة في مناطق ما زالت تحت الاحتلال الإسرائيلي. وهذا هو «الفخ» الذي أوقف التقدّم والبحث في المنطقة التجريبية الثانية.
وفي هذا الإطار، تهمس أوساط ديبلوماسية مطلعة، بأنّ قيادة «سينتكوم» لا تزال متمسكة بضرورة انتشار أكثر فعالية للجيش اللبناني في الجنوب، ولكن وفق أفواج عسكرية قتالية ومدروسة في شكل كامل وكافٍ، لكي تستطيع أن تقوم بمهماتها من دون أي إمكانية لتسرّب عناصر قتالية لـ«حزب الله»، وقادرة على منع إعادة بناء قوته العسكرية مجدداً.
وبعد أشهر من الجولات، قد تكون الإدارة الأميركية قد وصلت إلى المعادلة الصعبة التالية: لا تريد حرباً إسرائيلية مفتوحة في لبنان، لكنها أيضاً لا تريد أن تدفع إسرائيل إلى انسحاب لا ترى أنّه مضمون أمنياً، ولا تريد في المقابل أن تقدّم للبنان تنازلات قبل أن ترى تقدّماً في ملف سلاح «حزب الله». ولهذا ظهر نوع من «التجميد المتحكّم به». والدليل، أنّ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى قال في 8 أيلول، إنّ واشنطن مستعدة للتفاوض مع «حزب الله» لكن عبر الدولة اللبنانية، وهو ما يعني أنّ واشنطن ما زالت ترى الدولة اللبنانية قناة التفاوض الوحيدة، وليس أنّها تجاوزتها.
غالب الظن، أنّ المرحلة المقبلة قد تكون أخطر من ناحية الفراغ السياسي، وليس بالضرورة من ناحية قرار أميركي بالتخلّي عن لبنان. ولذلك قد تكون هنالك ثلاثة مسارات محتملة:
ـ الأول، إعادة تشغيل المفاوضات في تشرين الأول. وهذا يعني أنّ واشنطن تكون قد استخدمت فترة الجمود لإعادة ترتيب الشروط، وربما تبدأ الجولة المقبلة من موضوع أكثر تحديداً، أي منطقة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وأين ينتشر الجيش اللبناني، وما هي آلية التحقق. لكن أخطاء عدة حدثت ومجاناً، وأدّت إلى وضع العراقيل أمام حصول هذه الجولة التفاوضية، ولو أنّ آمال انعقادها ما زالت قائمة ولو بالحدّ الأدنى.
– المسار الثاني، استمرار حال «اللاحرب واللاتسوية». وهذا ربما يكون السيناريو الأقرب إلى الوضع الحالي. أي ضربات إسرائيلية محدودة، واستمرار الاحتلال في نقاط معينة، وضغط أميركي على بيروت و«حزب الله»، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً من دون اتفاق كبير.
ـ المسار الثالث، يتلخص بانتقال واشنطن إلى الضغط المباشر على لبنان. أي أنّ الرسالة تصبح عندها: لقد أعطيناكم إطاراً ومفاوضات، والآن المطلوب من الدولة اللبنانية أن تثبت قدرتها على تنفيذ الجزء الخاص بها. وهذا يعني ضغطاً أكبر على الحكومة والجيش في ملف السلاح، مقابل محاولة إبقاء الضغط الإسرائيلي تحت سقف معين.
ولكن ثمة نقطة لافتة جداً في خطاب رئيس الحكومة نواف سلام أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة. فلقد قال إنّ لبنان دخل المفاوضات برعاية الولايات المتحدة، لكنه شدّد على ضرورة تحويل الإطار الثلاثي إلى خطوات عملية بجدول زمني وآلية تحقق، وربط ذلك بالانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان وإعادة الإعمار. أي أنّ لبنان يحاول قلب المعادلة. فبدل أن يكون السؤال الأميركي فقط «ماذا سيفعل لبنان تجاه «حزب الله»؟ يريد أن يصبح السؤال أيضاً «ماذا ستفعل إسرائيل، ومتى تنسحب، ومن يضمن ذلك؟».
لذلك، هناك فارق كبير بين، «واشنطن تتبنّى لبنان»، وبين «واشنطن تدير الملف اللبناني ضمن ملف إقليمي أكبر». ومن البديهي الإعتقاد بأنّ واشنطن حالياً في الحالة الثانية. فلبنان لم يعد يبدو ملفاً مستقلاً يحتل الأولوية الأميركية، بل أصبح جزءاً من ترتيب أوسع يتعلق بإيران وإسرائيل وسلاح «حزب الله» وأمن الحدود الشمالية لإسرائيل. وبالتالي، فإنّ حل العقدة اللبنانية قد لا يأتي من حركة أميركية كبيرة في بيروت، بل من تطور أكبر في العلاقة الأميركية ـ الإيرانية أو في الحسابات الإسرائيلية. وهو ما يجعل شهر تشرين الأول مهمّاً جداً، ليس فقط لمعرفة موعد الجولة الجديدة، بل لمعرفة هل ستعود واشنطن إلى دور «الدافع» أم تكتفي بدور «الوسيط والمراقب»؟
من الواضح أنّ واشنطن خفّضت مستوى التركيز على لبنان، ليس فقط لدواعي الحملات الإنتخابية الداخلية الحامية، بل أيضاً كي تنتظر من الأطراف أن تكشف أوراقها في ظل التطورات مع إيران، قبل أن تقرّر كيف تدفع الجولة التالية. وهذا يفسّر ربما لماذا يبدو المشهد اللبناني في الأسابيع الأخيرة وكأنّه يتحرك في فراغ. وبالتالي، فإنّ واشنطن لم تنسحب، لكنها لم تعد تدفع بالسرعة نفسها، والإسرائيلي يتحرّك على الأرض أسرع من الديبلوماسية. وهذه الفترة قد تتطلّب من السلطة اللبنانية إعادة تقييم سريع لكل ما سبق، وتصحيح الأخطاء وسدّ الثغرات، قبل الدخول في المرحلة الأصعب، والمقصود هنا مرحلة ما بعد الإنتخابات، أكانت في الولايات المتحدة الأميركية أو في إسرائيل.
جوني منيّر-الجمهورية



