كيف تناول مسلسل “فوضى” حرب لبنان وغزة!

“فوضى”… يحذف غزة ولبنان من الذاكرة الدرامية

ملخص
يعمل الإقناع في “فوضى” عبر آلية أكثر دهاءً من الشعارات المباشرة، هي التماهي العاطفي. حين يخصص العمل ساعات من زمنه لتصوير مشاهد “السابع من أكتوبر” بتفصيل دموي متعمد، محذراً المشاهدين قبل الحلقة من قسوتها، فإنه يبني ذاكرة جماعية بديلة أكثر مما يوثق حدثاً، ذاكرة تبدأ فيها الحكاية من تلك اللحظة فحسب.

تخيل مشهداً افتتاحياً لا يمنحك فرصة لالتقاط أنفاسك. جنازة، وجوه ثكالى تملأ الكادر، وكاميرا تتمهل عند كل دمعة كأنها تريد أن تحفرها في ذاكرتك قبل أن تسمح لك بطرح أي سؤال.

هكذا تنطلق الحلقة الأولى من الموسم الخامس من “فوضى”، وهو المسلسل الإسرائيلي الذي تحول منذ انطلاقته عام 2015 إلى أحد أكثر الأعمال الدرامية إثارة للجدل عالمياً، لا بسبب حرفيته الإنتاجية فحسب، بل بسبب الوظيفة السياسية الدقيقة التي يؤديها تحت غطاء التشويق البوليسي.

هذا المشهد الافتتاحي بوابة العمل إلى مهمته الحقيقية، صياغة رواية متكاملة عن “السابع من أكتوبر”، رواية لا تترك فيها مساحة لسؤال واحد عما جرى قبل ذلك التاريخ أو بعده.

يتقن صناع العمل حرفتهم. التمثيل محكم، وبخاصة في أداء يعقوب زادا دانيال الذي يقدم شخصية إيلي بثقل يليق برجل فقد زوجته، والإيقاع السردي محسوب بدقة تشد المشاهد من حلقة إلى أخرى، والإنتاج ينتقل بسلاسة بين تل أبيب ومارسيليا من دون أن يفقد تماسكه البصري.

وصف دقيق لعمل تلفزيوني يعرف كيف يصنع تشويقاً حقيقياً، وهو بالضبط ما يجعله أداة فعالة، فالعمل الرديء لا يقنع أحداً بشيء، بينما العمل المتقن قادر على تمرير أخطر الرسائل من دون أن يشعر المشاهد أنه أمام دعاية.

البداية

خطورة الموسم الخامس لا تفهم بمعزل عن المسار الذي قطعه العمل منذ انطلاقته. أثار الجزء الأول حينها موجة انتقادات واسعة لأنه قدم الرواية الإسرائيلية حصراً، من دون أي تعددية في وجهات النظر، وهو ما حد من انتشاره.

ومع ذلك، واصل صناع العمل بناء الفكرة بصبر عبر ثلاثة أجزاء أخرى. تناول الجزءان الأول والثاني عمليات وحدة “المستعربين” السرية في الضفة الغربية، فيما انتقل الجزء الثالث إلى غزة. حتى تلك اللحظة، ظل المسلسل حبيس جغرافيا محلية، وصراع بين طرفين على أرض محددة.

أتت الانعطافة الحقيقية في الجزء الرابع، حين خرجت الحبكة من تل أبيب والضفة وجنين إلى بروكسل ولبنان وإيران. بدأ العمل هنا بناء خريطة تهديد إقليمية ودولية، يظهر فيها “حزب الله” للمرة الأولى بصورة فعالة، بينما تراجع حضور “حماس” و”الجهاد الإسلامي” إلى مشاهد محدودة.

هذا التوسع الجغرافي كان تمهيداً منطقياً لما وصل إليه الموسم الخامس، الذي ينقل الصراع كلياً إلى قلب أوروبا. كل جزء من الأجزاء الأربعة كان طبقة تبنى فوق سابقتها، حتى اكتمل المشروع بموسم يخاطب الجمهور الغربي مباشرة، بوصفه طرفاً مهدداً في الحدث لا مراقباً بعيداً منه.

في المقابل، تبدأ حبكة الموسم الأخير الذي تعرضه “نتفليكس” بتلقي عناصر من وحدة المستعربين التي تنفذ عمليات سرية في الأراضي الفلسطينية، معلومات عن وجود عناصر من حركة “حماس” في مدينة مارسيليا الفرنسية، مما يدفع الفريق إلى التوجه إلى فرنسا، في محاولة لإقناع المشاهد الغربي بعدم التعاطف مع الفلسطينيين.

إرث هرتسل

يستدعي تفسير هذا التصعيد المدروس، العودة إلى اللحظة التأسيسية للمشروع الصهيوني نفسه. مؤسس الصهيونية السياسية تيودور هرتسل في مؤتمر بازل عام 1897، لم يكن سياسياً بالمعنى التقليدي، بل كان صحافياً أدرك باكراً أن من يملك السردية يملك الرأي العام.

استثماره في قضية دريفوس، الضابط اليهودي الفرنسي الذي اتهم زوراً بالخيانة، كان استثماراً في حكاية مظلومية قابلة للتسويق عالمياً، أفضت إلى كتابه “الدولة اليهودية” عام 1896. هذا الوعي المبكر بأن الإعلام سلاح لا يقل فتكاً عن الجيش تحول لاحقاً إلى سياسة ممنهجة تقوم على شراء الصحف والمحطات، واستقطاب الإعلاميين ورصد موازنات ضخمة لإنتاج سينمائي يخدم الرواية، حتى بلغ الأمر امتلاك حصص في أكبر شركات الإنتاج بهوليوود.

“فوضى”، أحد أنضج تجليات هذا الإرث المعاصر. فالمسلسل لا يعرض على “نتفليكس” بوصفه مجرد ترفيه، بل يُعد امتداداً لمشروع إعلامي بدأه هرتسل قبل أكثر من قرن، يقوم على فكرة بسيطة وفعالة، من يسيطر على القصة التي تُروى يسيطر على من يعد ضحية ومن يعد جلاداً.

والموسم الخامس، بإنتاجه الفخم وتوزيعه العالمي، يطبق هذا المبدأ بحرفية، محولاً جهازاً استخباراتياً حقيقياً وحرباً حقيقية إلى محتوى ترفيهي قابل للاستهلاك، محتوى مشبع سياسياً حتى النخاع.

كيف تصنع الضحية؟

يعمل الإقناع في “فوضى” عبر آلية أكثر دهاءً من الشعارات المباشرة، هي التماهي العاطفي. حين يخصص العمل ساعات من زمنه لتصوير مشاهد السابع من أكتوبر بتفصيل دموي متعمد، محذراً المشاهدين قبل الحلقة من قسوتها، فإنه يبني ذاكرة جماعية بديلة أكثر مما يوثق حدثاً، ذاكرة تبدأ فيها الحكاية من تلك اللحظة فحسب.

المشاهد الذي يرى الأطفال والنساء يُذبحون على الشاشة لن يسأل بعدها عن الحصار المفروض على غزة منذ عام 2007، ولا عن عقود من الاحتلال، لأن العمل صادر منه إمكانية طرح السؤال أصلاً، عبر إغراقه في مشهدية الصدمة.

يضاف إلى ذلك بُعد ثانٍ لا يقل خطورة، تجريم كل مساءلة. حين يكتشف “الشاباك” أن المحقق الفرنسي الذي يلاحق الاغتيالات الإسرائيلية في مارسيليا فاسد ويعمل لمصلحة “حماس”، فإن الرسالة الضمنية واضحة، من يحاول تقييد إسرائيل مشبوه بالضرورة.

اندبندنت

مقالات ذات صلة