🟠«خياران» أمام ترامب: «بلطجي الشرق الأوسط» انتهى!

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، أنّ عليه اتخاذ قرار بشأن إيران: إبرام اتفاق مع طهران أو «إبادة الجمهورية الإسلامية». وجاء تهديده، في خضم دفاعه عن الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط، في وقت بدأ فيه حلفاء الولايات المتحدة يطرحون علناً تساؤلات حول ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال شريكاً موثوقاً به. كما احتفى ترامب، ثاني زعماء العالم الذين ألقوا كلماتهم في هذا التجمُّع، بعمليّته العسكرية في فنزويلا هذا العام، لكنّه احتفظ بأشدّ كلماته لهجةً لإيران، معلناً أنّ عهدها بوصفها «بلطجي الشرق الأوسط» قد انتهى.
وأوضح: «لديّ قرار كبير عليّ اتخاذه. هل سيتمّ التوصُّل إلى اتفاق مع إيران يتيح لها إعادة البناء وإنشاء دولة أعظم بكثير ممّا كانت عليه في السابق، وربما واحدة من أعظم الدول في الشرق الأوسط أو حتى العالم؟ أم أُبيد الجمهورية الإسلامية وأفعل ذلك بسرعة، من دون أن أمنحهم فرصة لقتل الناس وتدميرهم وتدمير الدول مرّة أخرى؟ هل أدفعهم إلى الجحيم من دون أي فرصة للبقاء على قيد الحياة، ومن دون أي أمل في العظمة مستقبلاً أو في أجيال قادمة؟».
وفي وقت سابق، افتتح أنطونيو غوتيريش، الذي كان يلقي كلمته الأخيرة أمام قادة العالم المجتمعين بصفته الأمين العام للأمم المتحدة، أعمال التجمُّع محذّراً من أنّ «خطوط التصدُّع في عالمنا تتسع». وستبحث جلسات الجمعية العامة، التي تمتد أياماً عدة، مجموعة واسعة من الموضوعات، من بينها تغيُّر المناخ، التهديدات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي، الحربان في أوكرانيا والشرق الأوسط، وإمكان التوصُّل إلى حل الدولتَين لإسرائيل والفلسطينيّين.
أقوى من أي وقت مضى
ورافق ترامب إلى مقر الأمم المتحدة كل من مايك والتز السفير لدى الأمم المتحدة، وزير الخارجية ماركو روبيو، وزير الخزانة سكوت بيسنت، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز. وبدأ الرئيس ترامب كلمته أمام الأمم المتحدة، معلناً: «يمكنني أن أبلغكم بكل فخر أنّ أميركا عادت، وأنّ بلادنا أقوى اليوم من أي وقت مضى». وبدأ ترامب خطابه، لا بالخوض مباشرة في السياسة الخارجية، بل بالترويج لسياساته الاقتصادية وانتقاد الإدارة السابقة. ثم انتقل إلى الاحتفاء بسياساته المتعلقة بالهجرة وبانخفاض مستوى الجريمة على مستوى الولايات المتحدة.
في خطابه قبل عام، تفاخر ترامب، بصورة غير دقيقة، بأنّه «أنهى 7 حروب»، مضيفاً: «الجميع يقولون إنني يجب أن أحصل على جائزة نوبل للسلام». ومنذ ذلك الحين، بدأ حرباً ضدّ إيران، أدّت إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي. ومع ذلك، كرّر قوله: «لقد صنعت السلام»، واصفاً القادة الموجودين في القاعة بأنّهم «قادة عظماء». وهذه لهجة أكثر إيجابية بكثير من خطابه العام الماضي، عندما قال إنّ «بلدانهم ذاهبة إلى الجحيم».
وفي تكرار لخطاب العام الماضي، تفاخر ترامب: «بينما تحدَّث الآخرون، تصرَّفتُ أنا». ثم انتقل إلى وصف إيران، بأنّها «الراعي الأول للإرهاب»، مصرّاً على أنّها كانت «بلطجي الشرق الأوسط، لكنّها لم تعُد كذلك»، وأنّ الجيش الأميركي «أباد» البرنامج النووي الإيراني في حزيران 2025، لكنّه انتقل إلى القول إنّ الإيرانيّين كانوا يبنون صواريخ يمكنها الوصول إلى أوروبا، ويستخدمونها درعاً لحماية الانطلاق نحو امتلاك سلاح نووي. ولم يوفّق بين ذلك وبين تفاخره بإبادة البرنامج النووي الإيراني.
التهديد بالإبادة
فأعلن تهديده: «لديّ قرار كبير عليّ اتخاذه. إمّا إبرام اتفاق مع إيران، أو إبادة الجمهورية الإسلامية وفعل ذلك بسرعة، من دون أن أمنحهم فرصة لقتل الناس وتدميرهم وتدمير الدول مرّة أخرى». وكانت لحظة لافتة: تهديد من على منبر الأمم المتحدة، أطلقه زعيم عالمي، بمحو دولة بأكملها. وكان من الصادم سماع رئيس الولايات المتحدة يُهدِّد علناً بإبادة دولة، وهو أمر يُعتبر جريمة حرب، من على منبر الأمم المتحدة.
وبعد التهديد بالإبادة، تراجع ترامب، داعياً أعضاء الأمم المتحدة إلى المشاركة في عزل إيران اقتصادياً. ووعد بأنّه إذا نجح ذلك، فإنّ أسعار النفط ستنهار.
وعكست تعليقات ترامب بشأن إبادة إيران، تهديدات أطلقها على وسائل التواصل الاجتماعي في وقت سابق من هذا العام، أعلن فيها أنّه قد يمحو حضارة إيران، وهي منشورات دفعت خبراء قانونيّين إلى إثارة مخاوف من أنّه كان يفكر في ما يرقى إلى جرائم حرب.
وكان من أبرز جوانب تهديد ترامب الصادم ضدّ إيران اعترافه بالسياق السياسي: «إنّهم ينتظرون ليروا كيف سأفعل في انتخابات التجديد النصفي»، مضيفاً أنّه يعتقد أنّ طهران ستبرم اتفاقاً بعد الانتخابات الأميركية.
وبينما كان ترامب يتحدّث عن إيران، أظهرت الكاميرات ممثلاً عن الحكومة الإيرانية بملامح صارمة. وقد يكون لتعليق ترامب بشأن انتخابات التجديد النصفي غرض سياسي أيضاً. فقد أشار، في جوهر الأمر، إلى أنّه ينبغي للناخبين ألّا يتفاجأوا باستمرار الحرب، وألّا يتراجعوا عن التصويت بسبب ذلك.
إنهاء الصراعات ومكسب غرينلاند
وأعلن ترامب، أنّ روسيا وأوكرانيا تتّجهان نحو تسوية للحرب: «لقد اكتفوا منها». ثم أطلق توقعاً مماثلاً بإنهاء الصراع مع إيران «بطريقة أو بأخرى». وشملت قائمة الصراعات التي ادّعى ترامب أنّه سوّاها «الحرب في غزة». وأضاف، محتفياً بنتيجة عمليته العسكرية في فنزويلا، «للفائز الغنائم»، متحدّثاً على بُعد بضعة أميال فقط من السجن الذي يُحتجز فيه الرئيس السابق، نيكولاس مادورو، الذي ألقت الولايات المتحدة القبض عليه في كانون الثاني. ومنذ ذلك الحين، وسعت واشنطن وصولها إلى احتياطيات النفط الفنزويلية وسيطرتها عليها.
وبينما وعد بسقوط النظام الكوبي، بدا أنّ الوفد الكوبي وقف وغادر قاعة الجمعية العامة، فأضاف ترامب: «الشيوعية لن تأتي أبداً إلى أميركا، لكنّ الحرّية ستأتي إلى كوبا. لن نسمح بوجود ملاذ للخصوم الأجانب لتهديد أميركا على عتبتنا».
وانتقل ترامب إلى غرينلاند، قائلاً إنّه سيبني هناك «قاعدتَين عسكريّتَين رئيسيّتَين». وكان بإمكانه فعل ذلك في أي وقت بموجب معاهدة عام 1951، لكنّه لم يوضّح سبب انتظار الولايات المتحدة حتى الآن. وفي مرحلة ما خلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة تمتلك أكثر من 12 قاعدة في الجزيرة.
ويحطّم تفاخر ترامب بأنّ «للفائز الغنائم» معياراً دولياً آخر. فعلى مدى أجيال، بذل القادة الأميركيّون جهوداً للتأكيد على أنّ التدخّلات الخارجية للولايات المتحدة لم تكن مدفوعة بمكاسب مادية، ولا سيما السيطرة على النفط الأجنبي. وحمَّل ترامب نفسه مسؤولية أزمة ميزانية الأمم المتحدة، قائلاً إنّه خفّض ميزانيتها بنحو 15%، وإنّ المنظمة اضطرّت نتيجة لذلك إلى تسريح 4,000 موظف. والولايات المتحدة هي أكبر مانح للأمم المتحدة، لكنّ تخفيضات ترامب في الميزانية طالت البرامج الإنسانية. كما انسحبت واشنطن من عدة وكالات تابعة للأمم المتحدة، من بينها منظمة الصحة العالمية، «يونسكو»، ووكالة التراث الثقافي.
واستشهد ترامب بزوجته، ميلانيا، لجهودها في لمّ شمل الأطفال الأوكرانيِّين المفقودين مع عائلاتهم. وقوبلت هذه الإشارة بالتصفيق من الجمعية العامة.
كما دعا جميع أعضاء المحكمة الجنائية الدولية إلى الاستقالة فوراً، واصفاً إياها بأنّها «مؤسسة مارقة».
وقد هاجمت إدارته المحكمة مراراً، وفرضت هذا العام عقوبات على رئيسها ومدّعيها العام و9 من قضاتها. ويقول منتقدو المحكمة إنّها تحاول ممارسة سلطة غير مشروعة على الدول ذات السيادة، بينما يقول مؤيّدوها إنّها رمز قوي للنظام الدولي القائم على القواعد، وهو نظام سعت إدارة ترامب إلى تقويضه. وفي وقت سابق من هذا العام، أقرّ ترامب خلال مقابلة أنّه لا يشعر بأنّه بحاجة إلى القانون الدولي، وإنّ القيد الوحيد على سلطته هو «أخلاقي الخاصة. عقلي الخاص. إنّه الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني».
بزشكيان أول رئيس في نيويورك في زمن الحرب
وفي ظل انخراط الولايات المتحدة وإيران في صراع ممتد، كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان متوجِّهاً إلى نيويورك لحضور الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأكّد محللون أنّها ستكون المرّة الأولى التي تطأ فيها أراضي الولايات المتحدة أقدام زعيم دولة تخوض حرباً مع واشنطن، لإلقاء كلمة أمام تجمُّع الأمم المتحدة. وقبيل مغادرته إيران، كان بزشكيان قد أشار إلى البلد المضيف له خلال الأيام القليلة المقبلة بوصفه «العدو»، في تصريحات اتسمت بنبرة قتالية ونقلتها وسائل الإعلام الرسمية.
وأضاف، في إشارة إلى الولايات المتحدة: «لا يمكنهم استخدام القوّة لإجبار الناس على الخضوع»، متّهماً إياها بانتهاك اتفاقات الهدنة مراراً، واستخدام جيشها لضرب المنازل والمستشفيات و«ارتكاب الفظائع» في إيران وخارجها.
ومن المقرَّر أن يلقي بزشكيان كلمته أمام تجمُّع الأمم المتحدة اليوم – بعد رئيس بوروندي إيفاريست ندايشيمي والرئيس الباراغواياني سانتياغو بينيا. وأوضح جيريمي سوري، المؤرّخ في جامعة تكساس في أوستن: «لم يسبق لزعيم دولة منخرطة بشكل نشط في أعمال عدائية عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة أن خاطب الأمم المتحدة». لكنّه أشار إلى أنّ زعماء آخرين مناهضين للولايات المتحدة (من بينهم ياسر عرفات من منظمة التحرير الفلسطينية والكوبي فيدل كاسترو) سبق أن تحدّثوا أمام التجمُّع.
وأضاف توماس غ. فايس، عالم السياسة في مركز الدراسات العليا التابع لجامعة مدينة نيويورك، والمتخصِّص في الأمم المتحدة، أنّ قادة الدول المعادية لواشنطن حضروا الجمعية العامة خلال لحظات من التوتر الجيوسياسي، ومن بينهم نيكيتا خروتشوف من الاتحاد السوفياتي عام 1960، «لكن هذه المرّات لم تكن خلال حروب نشطة ودائرة. لقد فوجئت، بصراحة، بالسماح للرئيس الإيراني بالدخول».
وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، من بين الذين مُنحوا تأشيرة دخول. وأعلن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنّه موجود في نيويورك لتعزيز الدعم على الساحة الدولية، على رغم من «حالة الحرب». وأضاف أنّ بزشكيان سيلتقي، إلى جانب اجتماعه بقادة عالميّين آخرين، بـ«مفكّرين وأعضاء في وسائل الإعلام وباحثين إيرانيّين وغير إيرانيّين» خلال فترة وجوده في نيويورك. وعادةً ما تفرض وزارة الخارجية الأميركية قيوداً على تحرُّكات الوفد الإيراني، وتحظّر على أعضائه السفر من دون إذن خارج منطقة محدودة من ميدتاون مانهاتن، حيث يقع مقر الأمم المتحدة.
فرناز فصيحي، مايكل كراولي، زولان كانو-يونغز – نيويورك تايمز



