🟠 خاص شدة قلم – الحصاد الصعب: العلم يولد من رحم النار في جنوب الصمود

على إيقاع الخوف والقلق في كل لبنان.. وليس فقط في مدن وقرى الجنوب.. انطلق الموسم الدراسي 26-27.. وفيما يعيش الطلاب حالة القلق من بعيد وعبر شاشات التلفزة.. فإنّ طلاب الجنوب يمارسونها كرغيف خبز يومي.. يعيشون الأمل رغم الألم.. يعيشون الصبر ويأملون الانتصار بالحرف قبل الانتصار بالرصاصة.. حالهم ليس كحال باقي اللبنانيين.. بل هم طُلاب علم رغم أنف العدو وجبروت إجرامه..
بعيداً عن دور “حزب الله” في ما وصل إليه طلاب الجنوب.. وبعيداً عن ثلاث سنوات من الحروب المستمرة وتداعياتها على تجهيل الجيل.. فإنّني أقف بإجلال أمام سقوط السقف وارتقاء شهداء لكن يبقى الكتاب حاضراً.. تتداعى المدارس تحت حمم الطائرات الصهيونية الإجرامية لكن الصف لا ينفضّ..

تفاصيل المشهد الجنوبي اليوم فقدت كل معايير الرفاهية التربوية.. أمام إصرار أسطوري على الحياة.. حيث يجلس التلاميذ فوق أرضية من تراب.. وحولهم جدران عارية لم تكتمل ألوانها.. مُحاطين بأنقاض قراهم ومنازلهم المدمّرة.
الاحتلال الذي أراد بآلته العسكرية الغاشمة.. وتدميره الممنهج للبنى التحتية والمؤسّسات التعليمية.. تجهيل هذا الجيل وتشريده.. يصطدم بعيون تفيض بالعلم.. وعزيمة لا تكسرها الغارات ولا يرهبها الخراب.
هذه الصفوف البدائية المنتزعة من قلب المعاناة.. والموت المُتربّص هي جبهة مقاومة حقيقية بالوعي والقلم.. حيث يدرك الصغار قبل الكبار.. أنّ المعرفة وحدها السلاح الأنقى والأبقى.. في مواجهة محاولات الإلغاء والتهجير..

الطلاب الأبطال الذين يفترشون الرمل.. ويواجهون البرد ونقص التجهيزات.. بصبر يفوق سنوات أعمارهم.. لا يبحثون عن مجرّد شهادة دراسية.. بل يثبتون للعالم أجمع أنّ الهوية والانتماء للأرض وجذورها.. لا يمكن أنْ تمحوها قذيفة أو تسحقها همجية..
وتكتمل هذه الملحمة الإنسانية الفريدة بمعلّمين صامدين قبلوا التحدّي.. وحملوا أمانة الرسالة وسط الركام.. ليكونوا “حُرّاس الحقيقة” وبناة العقول في زمن الحرب الشرسة.. هؤلاء المُربّون الذين يُطوِّعون المستحيل ويصنعون من الألم إرادة.. يلقنون العدو والتاريخ درساً بليغاً في كرامة الذات وعزّة النفس.. مؤكدين أنّ العلم في الجنوب اللبناني ليس مجرّد خيار تربوي.. بل هو قرار وجودي وعقيدة صمود راسخة.. تعلن أنّ الفجر سيخترق عتمة الليل مهما طال..

مصطفى شريف – مدير التحرير



