🟠هلوسات سعودية لحماية نواف واستئصال الحريري… وجوزاف عون يريد “جان عزيز” في الخارجية!

عون يريد عزيز في الخارجية وجعجع يريد وزارة خدماتية فاعلة
بري ليس راضياً عن فريقه ويزيد يغري باسيل بدخول جنّة الحكومة
عندما يخضع البلد بالكامل لوصاية خارجية، يصبح البحث في مستقبل مؤسساته رهن حسابات الدول الوصية، حتى عندما تأخذ هذه الدول في الاعتبار بعض حاجات العاملين معها في لبنان. أما في «التجربة السعودية»، فتبدو الأمور أكثر تعقيداً. فحكام الرياض لا يرون حاجة إلى مراعاة أحد في لبنان، وهم يفرضون ما يريدون منذ نحو عامين، وتحديداً منذ اغتيال الشهيد السيد حسن نصر الله، ذلك اليوم الذي احتفل فيه آل سعود، تماماً كما فعلت أميركا وإسرائيل!
منذ ذلك اليوم، تتولى السعودية إدارة كل التفاصيل اللبنانية. هي التي اختارت الرئيس جوزيف عون بعد اتفاق مع الأميركيين، وهي التي أخضعته لأول اختبار، والتزم أمامها بالكثير مما يقوم به اليوم. وقبل اختيار عون، كانت الرياض قد أبلغت القطريين أولاً، وبعض اللبنانيين ثانياً، بأن نجيب ميقاتي لن يبقى رئيساً للحكومة، وأن عليهم الاستعداد لوصول نواف سلام إلى السراي الكبير. وبعد إنجاز الإجراءات، بدا أن الجميع في لبنان بات ينشد رضا واحدة من أبرز ممالك القهر في العالم. وفي كل ما تلا انتخاب عون من خطوات، لم يبقَ في لبنان طرف لا يأخذ بالرأي السعودي. أما حزب الله، الخارج من حرب كبيرة، فلم يكن في وارد الصدام مع السعودية ولا مع سائر الأطراف، فقبل، على مضض، بطريقة انتخاب عون، وكيفية تشكيل الحكومة، وما تلا ذلك من تعيينات في المواقع الأمنية والعسكرية والمالية.
ما يعرفه السياسيون، وربما لا يعرفه الجمهور، أن السعودية التي اعتاد اللبنانيون النظر إليها بوصفها منبعاً للأموال -وليس، طبعاً، للأفكار- كانت قد عدّلت، قبل تسع سنوات، طريقة إنفاق المال السياسي في لبنان. فحصرت العطايا بمجموعة ضيقة من القوى والسياسيين، مع إنفاق محدود على وسائل إعلام وإعلاميين وزعماء أحياء في هيئة نواب، واكتفت بإطلاق وعود حول مشاريع تنمية واستثمار وغيرها. لكنها راحت تضع شرطاً تلو آخر، وصولاً إلى تراجع إنفاقها، بعد عام على انتخاب عون، إلى النصف، ثم إلى أقل من ذلك. وبدا هذا التراجع واضحاً في تذمّر قوى رئيسية، مثل «القوات اللبنانية»، من وقف التمويل السعودي، فيما بقي الشارع السني يعاني الأمرّين. فبعد حرمانه من زعامة آل الحريري ورعايتهم، خرجت إليه مجموعة من الهواة في العمل السياسي، ينفقون القليل عند عتبة الانتخابات فقط.
وجرى ذلك بالتزامن مع متغير إقليمي كبير تمثل في سقوط النظام السوري ووصول مجموعة إلى الحكم، سبق للسعودية أن أقامت معها علاقة، يوم كانت الرياض تموّل، بالتعاون مع قطر والكويت، الجماعات المسلحة التي قاتلت الرئيس السابق بشار الأسد. وعندما سعى الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، إلى نيل حظوة آل سعود، كان يريد من ذلك أن تساعده الرياض في تسيير أموره لدى الأميركيين من جهة، لكن الأهم بالنسبة إليه كان أن ترسل فرقها لضخ الاستثمارات.
بعد عامين، لم تقترب السعودية، بما تملكه من مال، من أي سوق، لا في لبنان ولا في سوريا. ومع ذلك، فإن أرفع مندوبيها، يزيد بن فرحان، يصل إلى بيروت وتسبقه الأوامر والتعليمات، من دون أن يجد من يقول له «لا» واحدة. وصار، هو نفسه، يتعلم من المسرح اللبناني فنون السياسة في بلاد لا يقودها أهلها. ومع ذلك، لم يجد نفسه مضطراً إلى الحديث عن دعم مالي للدولة أو القطاع الخاص، وظل يردد أن السعودية خبرت لبنان جيداً، وتعرف المشكلات التي تحول دون منحه الأموال على شكل هبات.
كذلك فرضت السعودية على قطر وقف كل علاقاتها التفاعلية مع القوى السياسية اللبنانية، ووقف إنفاقها المالي أيضاً، فيما عمّمت على أنصارها بعدم التفاعل مع أي دور للإمارات، وصولاً إلى الاستقبال البارد الذي لقيه وفد رجال الأعمال الإماراتيين الذين زاروا لبنان أخيراً، وما إن عادوا إلى أبو ظبي، حتى كالوا الشتائم لشخصيات ومؤسسات لا تجيد فعل شيء جيد، متسائلين: ما هذا المطار الذي نزلنا فيه، وما هذه الطرقات التي سلكناها، وأي خدمات فندقية يتغنى بها اللبنانيون، وأين التنظيم الدقيق للمؤتمر؟ وفوق ذلك، لا قوانين واضحة ولا مصارف عاملة ولا شركاء قادرين على ضمان أي استثمار.
ومع ذلك، لا يريد أحد أن يرد للسعودية طلباً. ولا يزال بن فرحان قادراً على إدارة جلسة للحكومة، أو التأثير في تصويت داخل المجلس النيابي، أو تمرير إجراءات في مطار بيروت، أو تسيير معاملة في المرفأ، برسالة نصية واحدة. وإذا ما تعرّض لأي نقد، يخرج جيش من «إعلاميي سوق الجمعة»، ممن يكتفون بحفنة صغيرة من الدولارات وفنجان قهوة مع سمسار نشط يعمل لدى بن فرحان، ولا يعرف كيف يتعامل مع أكثر من هاتف، فيما يقصده كل صاحب حاجة في السياسة والأمن والاقتصاد والتعليم… وشؤون الحج أيضاً!
لكن هاجس السعودية اليوم لم يعد مقتصراً على النفوذ الرئاسي في لبنان. والرياض، التي تتلقى الصفعة تلو الصفعة، تبدو ميّالة إلى أن تصبح طرفاً مباشراً في الحرب على إيران، وإلى توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، في حال تعهّدت الولايات المتحدة وإسرائيل وضمنتَا لها ليس إسقاط النظام في إيران فحسب، بل اجتياح صنعاء وشمال اليمن، والقضاء على حزب الله في لبنان!
وبدل أن تعطي الأحداث درساً لآل سعود، لعلّهم يتعظون مما جرى ويجري في المنطقة، تراهم يذهبون بعيداً في التمسك بالمواقف والسلوكيات والقوى والشخصيات نفسها، فقط لأنهم لا يعرفون غير هذه الطريقة في الإدارة والحكم. ولذلك، قررت السعودية اليوم أنه لا مجال لأي تعديل في تركيبة الحكم في لبنان. وأبلغت الرئيس عون بأنها تعرف ميله إلى تولية الرئيس ميقاتي رئاسة الحكومة، لكنها تريد أن يبقى سلام في منصبه. وقالت لعون، وفق هذا المنطق: أنت تتصرف أصلاً خارج ما ينص عليه الدستور، وطالما نحن نرضى بما تقوم به، فلن يعترض أحد عليك، لكن دع لنا سلام في السراي الكبير!
وما استدعى التدخل السعودي السريع، بحسب ما تردّد، أن هناك من أراد إجراء اختبار سياسي لواقع الحكومة، مع تحديد موعد لجلسة مناقشة الحكومة. إذ خشي السعوديون من مؤامرة تُحاك ضدهم في الليل، وبعد أن أصروا على عون ثم على الرئيس نبيه بري على أن إسقاط الحكومة ممنوع، حرّكوا ماكينتهم للتثبت من أن الكتل النيابية المحسوبة عليهم لن تخذلهم. حتى إن بن فرحان أرسل من يراقب النواب في الجلسة نفسها، واستنفر معه الجانب الأميركي أيضاً.
ومع ذلك، فإن حصول حكومة نواف سلام على 68 صوتاً فقط أعطى الإشارة الأكثر إثارة للقلق: ففي لحظة استثنائية، لا تتوافر فيها عناصر الضبط كاملة، يمكن لنواف سلام أن يسقط بأصوات تقل عن نصف عدد نواب المجلس، أو عن نصف الحاضرين في الجلسة.
في هذه الأثناء، خرجت إلى العلن تسريبات جزئية عن فكرة لمناقشة ملف الحكومة بطريقة مختلفة. سمع السعوديون، كما واشنطن، أن الحكومة ليست فاعلة على أي صعيد: فلا هي تجيد إدارة السير، ولا تنظيم عمل أصحاب مولدات الكهرباء، ولا تمكنت من استعادة قرش واحد من الأموال المنهوبة، ولا هي، أصلاً، فاعلة في ما خصّ تحرير الأرض من الاحتلال أو مساعدة المتضررين من العدوان. وفوق كل ذلك، لم تقدّم الحكومة صورة عن فريق متجانس، يتمتع بالحد الأدنى من الفاعلية والتماسك.
ولم يتدهور الأمر بسبب ارتفاع صوت حزب الله، الممثل في الحكومة، بقدر ما تدهور بسبب صوت آخرين من حلفاء السعودية نفسها، أي «القوات اللبنانية»، التي تشعر بأنها تعرّضت لأكبر عملية خداع. فقد أوكلت إليها وزارات مركزية، لكنها تشعر بأنها مهمّشة لمصلحة رئيس الجمهورية، الذي يريد أن يكون الزعيم المسيحي الأقوى، فيما بات دورها السياسي مقتصراً على مواقف اعتراضية تُسجّل على هامش محاضر جلسات الحكومة. أما بعض أقطاب الحكومة، فالتزموا الصمت، لا رضا بما يحصل، بل لأن شعوراً بأن تغيير الواقع القائم غير ممكن، وأنهم ليسوا في وارد منح الآخرين انتصاراً مجانياً باستقالتهم.
وخوفاً من أن يتحول الهمس حول تعديل وزاري واسع إلى مشروع لتغيير الحكومة، تدخلت السعودية بقوة. وبحسب ما يتردد، فإن الرياض، التي رعت سابقاً مشروع التمديد للمجلس النيابي لعامين، كانت قد وعدت بإجراء تعديل وزاري يحسّن طبيعة التمثيل السياسي داخل الحكومة. حتى إن أحد زوار الرياض قال إن تحسن العلاقة بين يزيد بن فرحان وجبران باسيل سيمهّد لدخول التيار الوطني الحر إلى الحكومة في أول تعديل وزاري.
لكن السعودية لا تريد أن يجري الأمر وفق توقيت الآخرين، ولا سيما أنها تخشى أنه في حال استقالة الحكومة، قد لا يتمكن الأوصياء من فرض حكومة جديدة في وقت سريع، وأن الشروط التي رافقت تشكيل حكومة سلام لم تعد متوافرة اليوم.
وبحسب من يسمعون الهمس، مهما خفت، فإن الحديث يدور حول مجموعة من الأفكار، مثل:
أولاً: تريد «القوات» تبديل وزيرين على الأقل. وكان جو عيسى الخوري وجو صدي قد قالا إنهما يريدان مغادرة الحكومة مع انتهاء ولاية المجلس النيابي. إلا أن سمير جعجع يشعر بأن عليه تغيير صدي، نتيجة الفشل الذي رافق عمله وزيراً للطاقة. كما ترى «القوات» أن وجودها في وزارة الخارجية بلا معنى، ما دام رئيس الجمهورية يصر على احتكار الملف الخارجي. وهي تحتاج، بحسب هذا الطرح، إلى تمثيل سياسي مباشر عبر صوت حزبي واضح، وأن تسند إليها وزارة لا تواجه صعوبات بنيوية في العمل.
ثانياً: يعتقد رئيس الجمهورية أن من المنطقي أن تُسند إليه وزارة الخارجية، وهو مستعد للتخلي عن وزارة الدفاع، خصوصاً أنه لا يريد لأحد أن يشاركه إدارة الملفات الخارجية. وهو يفكر في تعيين مستشاره جان عزيز وزيراً للخارجية، بدلاً من السفير يوسف رجي.
ثالثاً: يبدو أن الرئيس نبيه بري متحمس أيضاً لتغيير في الحقائب والأسماء. وكان لافتاً، في المدة الأخيرة، أن الغضب في عين التينة بدأ يشمل جميع الوزراء المحسوبين على حركة «أمل». حتى إن أحد نواب الحركة قال، في مجلس خاص، إنه عندما تشكلت الحكومة كان الجميع يقول إن لسلام وزيراً ونصف حصة حزب الله، لكن مع الوقت ظهر أن لنواف سلام ثلاثة وزراء، وليس لديه أي حصة من وزراء حزب الله، في إشارة إلى وزير المالية ياسين جابر، الذي يُعدّ جزءاً من صفقة عون وسلام، ومرشحاً لدى الأميركيين لخلافة بري في رئاسة المجلس، وإلى وزيرة البيئة تمارا الزين، من دون أن يعرف أحد الأسباب الفعلية لهذا الغضب المستجد عليها. وفي المقابل، لا يبدو أن حزب الله سيقف مكتوف اليدين إذا فُتح بازار التغيير الوزاري من جديد.
وسط كل هذه التسريبات، يعود يزيد بن فرحان ليضع الأمور في السياق المناسب لبلاده. فالرجل يخشى أموراً كثيرة، تبدأ بفتح باب النقاش، فيطير نواف سلام، ثم تأتي حكومة لا تناسب أفكاره وتطلعاته. لذلك كان عليه التحرك سريعاً. وآخر ما يُنسب إلى الرجل، الذي يتابع أخبار جبل كهبوب في جنوب غرب اليمن، أنه يعرض صفقة كبيرة تقضي بالتمديد للمجلس النيابي حتى عام 2030، مقابل تعديل وزاري يدخل التيار الوطني الحر إلى الحكومة، شرط أن يبقى سلام رئيساً لها حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة.
وثمة هدف آخر يريد يزيد تحقيقه، وقد لا يكون وارداً في جدول أعمال قوى لبنانية كثيرة. فالتمديد للمجلس النيابي يعني، عملياً، منع أي احتمال لعودة الرئيس سعد الحريري إلى العمل السياسي، خصوصاً أن الرياض باتت تخشى فعلياً أن يقبل الحريري التحدي وينزل إلى بيروت منخرطاً في العمل السياسي. وعندها، قد يهتز «البناء السني» الذي أقامه بن فرحان على شاطئ الرملة البيضاء!
ابراهيم الامين- الاخبار



