🟠 خاص – شدّة قلم – عسكرة عابرة للطوائف: الطفولة اللبنانية كوقود للمعارك

من الطبيعي جدّاً أنْ يلهوَ الأطفال “الصبيان”.. بالدمى البلاستيكية والمعدنية كالسيارات والجرّافات والرجال الآليين.. وقد يكون من الطبيعي أيضاً أنْ يتافهتوا على اللعب بالأسلحة “الوهمية” كالمسدسات والبنادق الحربية.. لكن ما ليس طبيعياً أبدأً أنْ توفّر لهم الأسواق.. ألعاباً تتماهى 100% مع أسلحة حقيقية.. لاسيما تلك التي تستعملها مختلف القوى الخارجة على الشرعيات حول العالم..

من هنا تأتي بشاعة المشهد في ما يجسّده الفيديو المرفق.. تخيل متجراً تفوح منه رائحة بودرة الأطفال.. وتصطف على رفوفه ثياب الرُضّع القطنية الوردية والبيضاء.. ثم تلتفتْ يميناً لتجد بائعاً يبتسم بملامح هادئة.. وهو يشرح مواصفات “صاروخ أرض – جو” مُموّه بالأخضر العسكري يُباع كألعاب للصغار.. ويعرض بقربه مقذوفاً تكتيكياً من نوع “B7” الخطير.. والشهير في المجتمع اللبناني بأنّه سلاح “الزعران” وعناصر الميليشيات..

المشهد ليس لقطة سينمائية ولا حتى ذكاءً اصطناعياً.. بل هو فيديو ترويجي حقيقي تناقلته منصّات التواصل الاجتماعي من قلب الضاحية الجنوبية لبيروت.. ليوثّق تحوّل البراءة المُفترض حمايتها إلى واجهة لتجارة الشحن العقائدي.. وتطبيع عقول الأطفال مع أدوات الموت والتدمير..

الأزمة هنا تتجاوز حدود التجارة.. لتلامس جريمة حقيقية تُرتكب بحق الطفولة الموجّهة.. حيث يُدفع بهم إلى عالم الحروب قسراً.. قبل أنْ يتعلّموا أبجديات القراءة والكتابة.. وحين تُصبح الراجمات بدائل عن الألعاب والقصص التعليمية.. تتبدّى الخطورة في الإيديولوجيا التي تغسل عقول الأطفال.. فيترعرعون على دُمى بعيدة كل البُعد عن المسدّسات البلاستيكية.. التي تُطلق رصاصاً إسفنجياً على شكل أسهم.. أو الرشاشات التي تُطلق الخرز الصفير أو المياه..

لذلك إنّ ربط خيال الطفل بمنظومات حربية تدميرية.. كـ”الراجمات والصواريخ التكتيكية.. يعزّز للأسف التطبيع المُبِكر في نفوسهم مع مظاهر الحروب.. ويختزل براءتهم في زوايا القتل والدم وشعارات ما أنزل الله بها من سلطان.. على وزن “هيهات منّات الذلّة”..

هذا التدمير الممنهج لوعي الصغار لم يقف عن حدود لعبة بلاستيكية يوثقها الفيديو فحسب.. بل اكتمل بموسيقى تصويرية “تعبويّة” تُعاد صياغتها لتسكن أذهانهم.. مثل الأنشودة المرفقة للفيديو “إرمي غضبك” لمنشد حزب الله “علي العطّار”.. وتعتبرها “البيئة الحاضنة” واهمة.. أيقونة أناشيد الجبروت والقوّة الاستكباريين.. التي يعتمده الحزب في الكثير من مناسباته..

أما الخطورة القصوى فتكمن في أنّ هذا السلوك ليس غريباً عن التركيبة اللبنانية المأزومة.. بل هو إعادة إنتاج وتدوير لنفس الأخطاء التاريخية.. التي قتلت الطفولة في زمن الحرب الأهلية.. حين كانت معسكرات “الكتائب” و”القوّات” وحركة “أمل” و”المرابطون” و”القوى الفلسطينية”.. وصولاً إلى الطامة الكبرى مع “حزب الله”.. تحوّل مُخيّمات الكشافة الصيفية لليافعين إلى حواضن.. لـ”عسكرة الفتية” وتلقينهم هتافات “الولاء الحزبي الأعمى”.. على حساب موت الفرح أمام صوت العويل.. وصمت الخوف أمام انفجارات البارود..

مصطفى شريف – مدير التحرير

مقالات ذات صلة