🟠 خاص – فيلم “القديسة فيرونيكا”: رسالة إيمان تبحث عن النور وسط تحديات الإنتاج
جريس لموقعنا: رغم "الميزانية صفر" مراحل التنفيذ رافقتها عناية الرب ورضاه

من “صرخة صامتة” هزّت أركان المعبد اليهودي، إلى ملامح طُبِعَتْ بالعرق والدم على وشاح صمد بوجه الزمن، يظل صوت القديسة فيرونيكا مدوياً في ذاكرة الأيام.. ورغم أنّه لا يُعرف الكثير عن تفاصيل سيرتها، إلا أنّ الرحمة والشجاعة العفوية اللتين تجسّدتا في عطفها على السيد المسيح، ومسح وجهه المُثقل بالآلام خلال عبوره على درب الجلجلة، بات هو كلمتها المرفوعة إلى السماء حتى يوم الدينونة.
تلك هي القديسة فيرونيكا المقدسيّة، المعروفة في الوجدان الكنسي بـ“قدّيسة الصور“، والتي كانت محور العرض الأوّل للفيلم السينمائي الجديد “القديسة فيرونيكا.. قصة حياة من النور“، في أمسية مزجت بين الفن والإيمان ورسالة المحبة الشاملة، احتضنتها صالة سينما “أديون” في منطقة جل الديب مساء السبت الماضي.

أداء نابع من القلب وفريق غمره النور
بإيمان عميق ومحبة صافية تنبع من الوجدان، جسّدت الإعلامية “الدكتورة” جوسلين جريس شخصية القديسة فيرونيكا، وإلى جانبها الإعلامية ناريمان علوش في شخصية “مريم المجدلية”، بمشاركة الإعلامية باسكال خاطر ونخبة من الزملاء الإعلاميين، الذين جمعتهم سابقاً مسيرة مهنية واحدة في تلفزيون “مريم TV“، ليُعيدوا صياغة تلك التجربة كمساحة نور متجدّدة في قلوبهم، من توقيع المخرج آرامو غوروديان، تحت إنتاج وإشراف الزميل جورج معلولي.
رغم تركيز الفيلم على اللحظة التاريخية المفصلية في حياة فيرونيكا، إلا أنّ نصّه -للأسف- غفل تماماً عن الغوص في تفاصيل سيرتها الشخصية، أو تقديم إضاءات تكشف ملامح حياتها كإنسانة قبل تلك اللحظة وبعدها؛ الأمر الذي وضع المشاهد – الذي جاء شغوفاً للتعرّف على أبعاد هذه الشخصية المقدّسة – أمام غياب للإجابات الوافية والقيمة المعرفية والتاريخية المضافة.

عمق التجربة الروحية
إلا أنّ القائمين على الفيلم حاولوا ملء هذه الفجوة، عبر الحديث عن عمق التجربة الروحية والإنسانية، مؤكدين أنّهم لم يتعاملوا مع الفيلم بوصفه مجرّد أدوار تمثيلية أو أداء عابر، بل باعتباره رسالة حيّة ونابضة أرادوا من خلالها نقل قيم المحبة، الرحمة، والتسامح المستمدة من تعاليم السيد المسيح، مُعربين عن طموحهم في أنْ تتخطّى رسالة هذا العمل حدود الجغرافيا وتصل إلى أوسع شريحة ممكنة من المشاهدين حول العالم.
وفي السياق ذاته، أشار فريق العمل إلى أنّ الفيلم تميّز بمشاركة وجوه وشخصيات تنتمي إلى مختلف الطوائف، في مشهدية حقيقية جسّدت روح التلاقي والانفتاح، وجعلت من الشريط السينمائي مساحة جامعة تلتقي حولها القيم الإنسانية الرفيعة العابرة للاختلافات والانتماءات الضيقة.
انقسام الآراء وعلامات الاستفهام
لكن مع انتهاء العرض، برز تباين كبير وجدل لافت في آراء الحاضرين، الذين راحوا يميّزون بحذر بين النوايا النورانية النبيلة وبين النتيجة الفنية الفلسفية التي عُرضت على الشاشة.
وفي هذا الإطار، تساءل البعض بموضوعية ونقد لافت: طالما أنّ صُنّاع العمل يعترفون سلفاً بأنّهم خاضوا المغامرة بـ”ميزانية صفر”، فلماذا أقدموا على هذه الخطوة، وتحمّلوا عناء إنتاج كهذا؟ لاسيما أنّ حفل الافتتاح حضره معالي وزير الإعلام المحامي بول مرقص، وحشد من أهل الفن، السياسة، الصحافة، رجال الدين والمؤمنين.

واعتبر أصحاب هذا الرأي أنّ الجمهور الذي تقاطر لمتابعة الفيلم بحب متدفّق وإيمان صادق، لم تصله الرسالة الروحية المرجوّة بالثقل والعمق الإخراجي المطلوبين؛ ورأوا أنّه كان الأجدر بالقائمين على العمل الاستعانة بدعم وتمويل خارجي، بدلاً من تقديم محاولة بدت خجولة جداً في نصّها الضعيف وإخراجها الذي افتقر إلى التماسك الدرامي.
وفي المقلب الآخر، انبرى كُثُر للدفاع عن الفيلم، مستندين إلى اعتباره محاولة وجدانية صادقة تهدف إلى إعادة المشاهد لجوهر الإيمان، وليدرك عبر تلك المشاهد المؤثّرة أنّه لا يوجد مَنْ يقف إلى جانبه في المحن والشدائد سوى ربه.

وأكد هؤلاء أنّ هذا الهدف السامي كان المحرّك الوحيد والدافع الأساسي لفريق العمل، رغم كل المتاعب والمشقات المادية والمعنوية التي تكبدوها من لحمهم الحي.
تحية للجهد والأمل الصامد
أمام هذا التباين “المشهداني والنقدي”، فإنّنا كموقع إعلامي نكنّ كل الاحترام والتقدير لكل جهد يُبذل في ظل هذه الظروف الوجودية الصعبة التي يمر بها بلدنا، ونرى أنّه يكفي فريق العمل شرف المحاولة الجادّة؛ ولذلك نختار بملء قناعتنا أنْ نشدّ على أيدي هؤلاء الإعلاميين، ونحيي فيهم بروح من الوفاء رسالة الأمل ونبض النور اللذين حاولوا بثهما في الفضاء العام.
وبطبيعة الحال، لا يمكن إغفال أنّه كان بالإمكان صناعة إنتاج فني أفضل حالاً، وأن يكون كل ما يُحيط بالعمل السينمائي أكثر محاكاة للواقع الفني الاحترافي الذي بلغته الدراما اللبنانية اليوم، لكننّا نصنّف الفيلم كخطوة أولى ومحاولة جديّة لإعادة إحياء الإيمان والأمل وسط الأزمات القاسية والصعوبات التي تثقل كاهل لبنان.

جوسلين جريس: حضور يشعّ إيماناً
أما الإعلامية الزميلة جوسلين جريس فقد تجلّت في هذا العمل بطبيعتها العفوية والصادقة، فاستطاعت أنْ تجعل كل مَنْ تابع العمل يؤمن بصدق مشاعرها؛ حتى كاد بعض المشاهدين من شدّة صدقها الروحي “يصدقون” انها القديسة فيرونيكا نفسها، وهي تعبر من مشهد إلى آخر.
يأتي هذا الحضور الروحي المؤثر ليتوّج مسيرة إنسانية وأكاديمية مميّزة؛ فجوسلين، التي حققت مؤخّراً إنجازاً علمياً رفيعاً يُضاف إلى سجل نجاحاتها المهنية بنيلها شهادة الدكتوراه في الإعلام بتقدير “جيد جداً” من كلية الإعلام في جامعة ديانا البريطانية، مع توصية من اللجنة الأكاديمية بنشر أطروحتها وتبادلها بين الجامعات، تأكيداً لجودة بحثها؛ هي ذاتها التي تنقلت في مسيرتها المتأنية والواثقة من عالم التصوير إلى فضاء الإعلام وصولاً إلى تجربة التمثيل الحالية.
خطوة بخطوة، تثبت جريس عصاميتها واشتغالها الدؤوب على تطوير نفسها من عرق جبينها وكفاحها الشخصي. ولأنّها إنسانة متصالحة مع ذاتها ومع الآخرين ولا تعرف الكراهية، فقد كانت خير مَنْ يؤدّي دور قديسة؛ وحين صرخت في أحد المشاهد مستغيثة بـ”يسوع”، خرج الصوت صادقاً من أعماق الروح، وهي التي لا تدّعي أبداً أنها ممثلة محترفة، مع الاعتراف بأنّ سواها ظهر في بعض مشاهده دون أي تعابير أو أحاسيس صادقة في الأداء.

تدبير إلهي وميزانية صفر
وعلى هامش العرض، كشفت “جريس” في حوار سريع خصّت به موقعنا، عن أنّ أبطال هذا الفيلم هم في الأصل إعلاميون، ولا تربطهم علاقة أساسية أو احترافية بعالم التمثيل، بل هم فريق إعلامي متناغم كانوا زملاء، وانطلقوا في مشروعهم هذا بعد نيل بركة “الأخ نور“، ليكون الفيلم بمثابة “كلمة نور” سارت على الأرض وتركت بصمة من نور.
ولفتت جريس بلمسة إيمانية إلى أنّهم لم يختاروا تجسيد حياة القديسة فيرونيكا بمحض إرادتهم وتخطيطهم البشري، بل هي التي اختارتهم وجمعتهم حولها، مؤكدة أنّ كل تفصيل في الفيلم، وكل خطوة صغيرة أو كبيرة رافقت مراحل تصويره، كانت بتدبير وعناية من الرب.

وختمت حديثها ورغم أنّ ميزانية العمل كانت “صفراً” من الناحية المادية، إلا أنّ يسوع كان المرشد الحقيقي لهم، فلم يهابوا أي عقبة أو يخشوا أي نقص، بل كانوا يردّدون مع كل خطوة وتحدٍ: “يا رب”، فكان الرب ييسر أمورهم ويذلل الصعاب أمامهم حتى أبصر الفيلم النور وخرج إلى الجمهور.
ومع إسدال الستار على العرض الأوّل، شهدت القاعة لفتة تكريمية مميّزة لفريق العمل، حيث وُزّعت شهادات التقدير على جميع المشاركين تثميناً للجهود الاستثنائية والتضحيات التي بذلوها لإخراج هذا الفيلم إلى الضوء.
لتُختتم الأمسية الطيبة بإثبات الحقيقة الروحية والرسالة الجوهرية التي انطلق منها هذا الإنتاج وعُمّد بها: وهي أنّ الرسالات الفنيّة الإيمانية، يجب أنْ تٌقدّر وتُرصد لها ميزانيات لإيصال الهدف المنشود منها، والمتمثّل بإيضاح عمق الإيمان، وحجم المحبة، والأثر الصادق الذي تتركه في نفوس الحاضرين، على أمل توافر إنتاجات مالية ضخمة لأعمال ترفع اسم السينما اللبنانية عالياً، وتُجسد الفكر الديني الصادق والأمين.

خاص Checklebanon



