🟠الخليجيون محاصرون: ما هي خياراتهم إثر العجز الأميركيّ عن ردع إيران!؟

لطالما اعتمدت دول الخليج العربية في أمنها على القواعد العسكرية الأميركية التي تستضيفها على أراضيها. لكن بعد 6 أشهر من الحرب، جعل القصف المتكرّر لتلك الدول بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، حدود الضمانات الأمنية الأميركية واضحة بصورة جلية. وكادت إيران وحلفاؤها أن يدمّروا بعض القواعد الأميركية، وأشعلوا النيران في فنادق فاخرة، وفي أحدث هجماتهم عطّلوا أحد أكثر مكوّنات البنية التحتية للطاقة أهمية في العالم، وهو خط أنابيب نفطي يمتد عبر المملكة العربية السعودية.

وقد وجد المسؤولون الخليجيون أنفسهم محاصرين، وهم يحاولون الآن تجميع وسائل مختلفة لتجنّب هجمات إيران وحلفائها، بما في ذلك الديبلوماسية المباشرة مع الجمهورية الإسلامية. لكن حتى هذا الخيار يواجه تحدّيات. فقد أُرجئ بصورة مفاجئة، مساء الأحد، اجتماع كان مقرّراً عقده يوم الاثنين بين إيران ودول الخليج العربية. وجاء التأجيل بعدما وصلت السعودية وإيران إلى طريق مسدود في مباحثاتهما بشأن مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لمصدّري الطاقة في الخليج، وفقاً لمسؤول خليجي رفيع المستوى، تحدّث شرط عدم الكشف عن هويّته لمناقشة ديبلوماسية حسّاسة. 

سدّ الثغرات

ويعتقد محلّلون، أنّ قادة المنطقة لا يملكون خياراً سوى البحث عن خيارات أمنية مختلفة، بعدما كشفت الحرب الأميركية – الإسرائيلية مع إيران مكامن ضعف دول الخليج العربية، ومنحت الجمهورية الإسلامية مزيداً من الجرأة.

ويقرّ بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ في جامعة الكويت: «نحن عالقون في هذا الوضع الذي نحاول فيه بناء شيء جديد، مع الإبقاء على بعض ما هو قديم. نحتاج إلى التخلّص من متلازمة الحامي الخارجي هذه». فعلى سبيل المثال، تستضيف دولة البحرين قاعدة بحرية أميركية رئيسية منذ عقود، على أمل أن تحميها من إيران. لكنّ القاعدة، كما حدث في دول خليجية أخرى، تحوَّلت بدلاً من ذلك إلى هدف.

وقد دُمّرت القاعدة تقريباً في شباط، في اليوم الأول من الهجمات الانتقامية الإيرانية على الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل. وأُجلي معظم البحارة المتمركزين فيها إلى فلوريدا، ولم يبقَ سوى طاقم محدود، وفقاً لمسؤول عسكري أميركي تحدّث شرط عدم الكشف عن هويّته لمناقشة مسائل عملياتية. 

وأوضح الأدميرال داريل كاودل، رئيس العمليات البحرية الأميركية، في اجتماع حديث مع السكان، أنّ بعض البحارة في البحرين أُجلوا بسرعة كبيرة، إلى درجة أنّ البحرية الأميركية لا تزال تحاول جمع شملهم بممتلكاتهم. وأضاف، أنّه ليس واضحاً متى سيعودون.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، تكبّدت الحرب تكاليف باهظة. فالإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران يمثل فشلاً استراتيجياً كبيراً وانتكاسة اقتصادية لمصدّري الطاقة في الخليج. كما أنّ عجز القوات الأميركية عن صدّ الهجمات الإيرانية يمثل فشلاً استراتيجياً آخر، يمكن أن تكون له تداعيات كبيرة على تلك الدول، وعلى قدرة واشنطن على استعراض قوّتها.

ومع ذلك، لا تملك البحرين وسائر دول الخليج، بما فيها السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت، بديلاً واضحاً ووحيداً عن الولايات المتحدة بوصفها ضامنة لأمنها. فجيوش هذه الدول أصغر وأضعف من الجيش الإيراني، على رغم من إنفاقها مئات مليارات الدولارات على الأسلحة المتطوّرة خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك مقاتلات F-15 الأميركية وأنظمة الدفاع الصاروخي «باتريوت».

ولم تتدخّل الصين وروسيا للدفاع عن دول الخليج، على رغم من علاقاتهما الوثيقة مع العديد منها.

الإعتماد على الذات

ويدعو كثير من المسؤولين الخليجيين إلى قدر أكبر من الاعتماد الإقليمي على الذات في مجال الدفاع. لكنّ الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن الإقليمي – مثل اتفاق دفاعي جديد بين السعودية وباكستان وتركيا – لم تُختبر بعد. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أي من هذه الدول ستكون مستعدة وقادرة على تقديم المساعدة لبعضها البعض.

وأوضحت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، أنّ الخيار الأكثر واقعية أمام دول الخليج هو بناء شراكات دفاعية من شأنها أن «تكمّل، لا أن تحلّ محلّ، المظلة الأمنية الأميركية».

ويرى محللون ومسؤولون خليجيّون، أنّه لولا المساعدة الأميركية والأسلحة الأميركية، مثل أنظمة الدفاع الجوي، لكانت الأضرار التي لحقت بدول الخليج أسوأ بكثير. فقد قُتل عشرات الأشخاص في الهجمات الإيرانية، بدلاً من مئات أو آلاف. وأُلغيت أو أُرجئت رحلات جوية كانت تقلّ سياحاً ورجال أعمال، لكنّها بدأت تُستأنف الآن.

ومع ذلك، أحدثت الحملة الإيرانية فوضى عارمة في اقتصادات دول الخليج الغنية بالطاقة، وشوَّهت صورتها كملاذات آمنة في منطقة مضطربة.

وأوضح كريستيان ألكسندر، الباحث في «معهد ربدان للأمن والدفاع»، وهو مؤسسة بحثية مرتبطة بالحكومة في الإمارات العربية المتحدة، أنّ الحرب أثبتت أنّ أنظمة الدفاع المتطوّرة في الخليج ليست «محكمة الإغلاق»، وأنّ إيران قادرة على «فرض تكاليف كبيرة» على الدول، باستخدام أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة الرخيصة نسبياً.

وأضاف ألكسندر، أنّ الولايات المتحدة، في مواجهة الهجمات المضادة الشرسة من إيران، «أعطت الأولوية لحماية أفرادها والدفاع عن إسرائيل. ولم تتطابق هذه الأولويات دائماً مع احتياجات الخليج لحماية المطارات والموانئ ومحطات تحلية المياه».

نقص صواريخ الاعتراض

كما شكّل النقص العالمي في صواريخ الاعتراض الأميركية تحدّياً لدول الخليج العربية خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وقد حاولت هذه الدول سدّ الفجوة من خلال اللجوء إلى أوكرانيا ودول أوروبية أخرى. لكن حتى تعزيز الدفاعات الجوية في مواجهة الطائرات المسيّرة الإيرانية المنخفضة التكلفة نسبياً لا يمكنه توفير حماية كاملة.

وأعلنت آنا كيلي، المتحدّثة باسم البيت الأبيض، أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب «على تواصل دائم» مع الشركاء الإقليميّين، وأنّ الولايات المتحدة «تحافظ على روابط أقوى مع هذه الدول أكثر من أي وقت مضى». ورفضت فكرة أنّ الحماية العسكرية الأميركية لدول الخليج كانت غير كافية، مضيفة أنّ المحللين الذين يؤكّدون ذلك «ليسوا مطّلعين على المحادثات الديبلوماسية الحساسة، ولا يملكون أي فكرة عمّا يتحدّثون عنه».

إلغاء المحادثات

وفي إطار استكشاف سبل أخرى لتحسين أمنها، كان من المقرّر أن يلتقي مسؤولون من دول الخليج العربية بمسؤولين إيرانيّين في سلطنة عُمان يوم الاثنين. وكان على جدول الأعمال اقتراح إيراني – عُماني بشأن عمليات الشحن في مضيق هرمز. وقد خنقت إيران جزءاً كبيراً من حركة الملاحة في المضيق، فيما تهدّد بفرض نظام رسوم أو بدل مالي على السفن.

وأُلغيت المحادثات، بعدما اقترحت السعودية تعديلات، من بينها تعديل يرفض تأكيداً إيرانياً بأنّ المضيق ليس ممراً مائياً دولياً، وفقاً للمسؤول الخليجي الرفيع المستوى. وأضاف المسؤول، أنّ إيران رفضت بعض التعديلات السعودية وطلبت مزيداً من الوقت لمراجعة تعديلات أخرى.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، يوم الاثنين، أنّ الاجتماع كان سيشكّل «فرصة» لـ»بحث إقامة منطقة آمنة خالية من تدخّل أطراف أخرى». وأكّد أنّ السعودية طلبت التأجيل. ولم يُعلَن عن موعد جديد، لكنّ محللين يعتقدون أنّ مثل هذه الجهود لمعالجة الخلافات من خلال الحوار من المرجح أن تستمر.

وفي مقال نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية في تموز، دعا وزير الخارجية العُماني إلى ترتيب جديد متعدّد الأطراف، يجمع دول الخليج العربية مع إيران والعراق لتقاسم مسؤولية أمن المنطقة. وكتب الوزير بدر البوسعيدي، أنّ تحقيق ذلك سيتطلّب «فحصاً واضحاً للعلاقات مع الشركاء الرئيسيّين مثل الولايات المتحدة»، وإعادة موازنة تحالفات المنطقة.

والواقع، أنّ دولاً خليجية عدة كانت قد سعت، قبل سنوات من اندلاع الحرب، إلى التقارب مع إيران، أملاً في أن يؤدّي تخفيف التوترات إلى حمايتها. وقد عرقلت الحرب هذه الجهود في البداية. لكن بعد أشهر – وفي ظل غياب خيار أفضل – عادت الإمارات والسعودية وقطر إلى الديبلوماسية، بهدف إعادة بناء الثقة تدريجياً مع إيران، وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة التي تربط مصائرها.

وفي مؤتمر عُقد في مطلع هذا الشهر، أقرّ أنور قرقاش، المسؤول الإماراتي الرفيع، بأنّ النهج الديبلوماسي بات أمراً حتمياً، بغضّ النظر عمّا حدث، مضيفاً: «تبقى إيران جارتنا، وفي مرحلة ما سيتعيَّن علينا أن نجد طريقة لاستعادة ما يمكن استعادته. الجغرافيا لا تترك لنا بديلاً عن الانخراط».

فيفيان نيريم – نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة