🟠ما بعد علي الطاهر…العدو يوسّع خريطة «المنطقة الأمنية»: إلى «المنصوري» درّ!

في 17 أيلول، تستضيف باريس الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، بمشاركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس اللبناني جوزيف عون والعاهل الأردني عبد الله الثاني، إلى جانب ممثلين عسكريين عن الولايات المتحدة ودول عربية وأوروبية وخليجية والأمم المتحدة. وبعده، تلتقي السفيرة اللبنانية في واشنطن نظيرها الإسرائيلي في وزارة الخارجية الأميركية، في موعد يأتي بديلاً عن جولة التفاوض الثامنة التي أُرجئت من أيلول إلى تشرين الأول.
موعدان دبلوماسيان بارزان في أسبوع لبناني مزدحم، لكنهما يجريان على وقع حقيقة ميدانية أكثر حضوراً: إسرائيل لا تنتظر نتائج المؤتمرات ولا استئناف المفاوضات لتحديد ما تريده في الجنوب، بل تواصل فرض وقائعها بالنار. فبينما تُبحث في باريس احتياجات الجيش اللبناني وقدرته على الانتشار وبسط سلطة الدولة، ويُعاد في واشنطن التأكيد على اتفاق الإطار بوصفه مساراً للتفاوض، تواصل إسرائيل القصف والاستهداف والعمليات البرية وفق خريطة أمنية ترسمها هي.
ولم يغيّر تدمير مرتفعات علي الطاهر هذا المسار، بل عزّزه. فالعملية الإسرائيلية التي استهدفت شبكة الأنفاق في المرتفع لم تتبعها تهدئة، بل استُكملت باستهداف محيط النبطية وبعمليات عسكرية متواصلة في الجنوب، في رسالة مفادها أن تدمير بنية عسكرية محددة لا يمثل نهاية المهمة الإسرائيلية، بل يمثل جزءاً من مسار أوسع يهدف إلى تثبيت منطقة أمنية ومنع إعادة تشكل قدرات حزب الله داخلها أو في محيطها.
وبذلك تتسع الفجوة بين ما يُبحث على الطاولات وما يترسخ على الأرض. فمؤتمر باريس لم يتحول بعد إلى دعم فعلي يغيّر معادلات الميدان، والاجتماع الأميركي المرتقب لا يوقف العمليات الإسرائيلية ولا يلزم تل أبيب بحدود تفاوضية واضحة، فيما يبقى اتفاق الإطار عاجزاً عن منع إسرائيل من توسيع هامش تحركها جنوباً. ومع اقتراب انتهاء مهمة «اليونيفيل» في نهاية العام، تتراكم الوقائع التي تُفرض ميدانياً قبل أن تجد طريقها إلى أي تسوية سياسية.
والأكثر دلالة أن ملامح المرحلة التالية تظهر في التقارير الإسرائيلية نفسها. فبعد إعلان تدمير شبكة أنفاق علي الطاهر، انتقل التركيز إلى المنصوري، التي تصفها تقارير عبرية بأنها موقع يستوجب مواصلة العمل العسكري لمنع حزب الله من إعادة تثبيت نشاطه فيها. وتتحدث هذه التقارير عن قصف متكرر وعمليات هندسية وتدمير مبانٍ ومنشآت، في ما يبدو امتداداً للعملية التي بدأت في علي الطاهر. وعليه، فإن «ما بعد علي الطاهر»، وفق القراءة الإسرائيلية، يعني عملياً استمرار الانتقال من هدف إلى آخر ومن موقع إلى آخر، لتكريس واقع أمني جديد في جنوب لبنان.
وبحسب تقرير للصحافي آفي أشكنازي في صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، كثّف الجيش الإسرائيلي نشاطه في محيط بلدة المنصوري، الواقعة، وفق الرواية الإسرائيلية، داخل ما يسمى «الخط الأصفر» في القطاع الغربي من جنوب لبنان. وأشار إلى أن المنصوري تُعدّ تقريباً المنطقة العمرانية الكبيرة الوحيدة بين مجدل زون ومدينة صور، فيما يقول الجيش الإسرائيلي إن البلدة تقع داخل «الخط الأصفر» الذي حددته إسرائيل، لكنه لم يستكمل حتى الآن ما يصفه بـ«تطهيرها».
وبحسب التقرير، فإن موقع المنصوري بوصفها البلدة الواقعة في أقصى الشمال ضمن المنطقة التي تقول إسرائيل إنها تسيطر عليها أمنياً، دفع إلى الاعتقاد بأن حزب الله سيحاول الدخول إليها مجدداً. ويقدّر الجيش الإسرائيلي أن الحزب قد يحاول تنفيذ عمليات منها ضد قواته في مجدل زون وفي القطاع الغربي من المنطقة التي تطلق عليها إسرائيل اسم «الحزام الأمني» في جنوب لبنان.
وكشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ملامح هذه المرحلة، حين هدّد حزب الله، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل عملياتها العسكرية في لبنان وتدمير ما وصفه بـ«البنى التحتية في المنطقة الأمنية». وقال إن «السياسة الإسرائيلية واضحة»، وإن قواته ستواصل العمل لإزالة ما تعتبره تهديدات لأمن إسرائيل، محذراً حزب الله من شن أي هجوم جديد، ومؤكداً: «إذا لم تكونوا قد استوعبتم الدرس حتى الآن، وقررتم مهاجمتنا مجدداً، فستتلقون ضربات أشد بكثير».
وفي موازاة ذلك، ربط الإعلام الإسرائيلي بين العملية العسكرية في علي الطاهر والمسار التفاوضي مع لبنان. وذكرت وكالة «شبكة أخبار القدس» أن ضابطاً سابقاً في الجيش الإسرائيلي رأى في تدمير شبكة القيادة التابعة لحزب الله تحت الأرض في تلة علي الطاهر «ورقة ضغط جديدة» في المفاوضات مع لبنان. ونقلت الوكالة عن العقيد في الاحتياط موشيه إيلاد أن «الاختبار الأصعب يقع على عاتق الجيش اللبناني»، باعتبار أن الترتيبات الدولية تفترض أن يحل محل إسرائيل في الأراضي التي سيتم إخلاؤها. وأضاف أن الجيش اللبناني لا يحتاج فقط إلى الوصول فعلياً إلى منطقة النبطية، بل يفترض أن يكون قادراً على منع حزب الله من إعادة بناء بنيته التحتية تحت الأرض، ومخازن الأسلحة، ونقاط المراقبة، ومنظومات الأسلحة المضادة للدبابات ومراكز القيادة. وبحسب إيلاد، فإن «هناك فرقاً كبيراً بين الوجود والسيطرة». وقال إن عدم قدرة بيروت على إثبات قدرتها على فرض هذه السيطرة قد يدفع إسرائيل إلى الاحتفاظ بالمرتفع لأجل غير مسمى، بدلاً من المخاطرة بإعادة بناء البنية التحتية. وأضاف: «أنا لا أنظر إلى واقعة علي الطاهر باعتبارها مجرد عملية تدمير نفق، بل أراها حدثاً ينطوي على تغيير جغرافي – عملياتي».
الاخبار
