🟠 جلسة البرلمان وانفلات الغرائز: تسويات أم محاكمة سياسيّة لـ”الحزب”؟

جلسة البرلمان: تسويات أم محاكمة سياسيّة لـ”الحزب”؟

 

هل تتحوّل جلسة البرلمان لمناقشة الأوضاع العامّة في 15 و16 أيلول إلى “مختبر” لقدرة الفرقاء اللبنانيّين على اجتراح التسويات بينهم أم تكون شاهداً على عجزهم؟ واقع الأمور يرجّح أن يشهد المسرح النيابيّ مساءلة لـ “الحزب” لتوريطه البلد في الحرب وتبعيّته الكاملة لإيران. إذا كان البعض فقد الأمل بإمكان وضع حدّ للتغوّل الإسرائيليّ من قبل الولايات المتّحدة الأميركيّة، فهل من المحتمل أن يستفيد “الحزب” من الجلسة ليوحي باستعداده لتسليف السلطة اللبنانيّة بما يسمّيه في سرديّته “أوراق القوّة” للتفاوض على وقف التصعيد؟

في الردّ على استغراب كُثر الدعوة التي وجّهها رئيس البرلمان نبيه برّي لعقد جلسة مناقشة عامّة لأوضاع البلاد وسياسة الحكومة، تقدّم أوساطه جواباً بسيطاً: في الجلسة التشريعيّة الأخيرة أثار عدد من نوّاب الأكثريّة المعارضة لـ”الحزب” ودور إيران في لبنان مجدّداً عدم مناقشة نوّاب الأمّة لما تمرّ به البلاد من حروب ومآسٍ منذ إقحام لبنان في حرب الإسناد الثانية، في الثاني من آذار الماضي.

استحقاق البرلمان: الأكثريّة مع السّلطة

النظام الداخليّ للبرلمان ينصّ على الدعوة إلى جلسة كهذه بعد كلّ ثلاث جلسات تشريعيّة، بينما كانت الجلسة الرابعة لإقرار القوانين من دون الدعوة إلى مناقشة عامّة. قبل وبعد تلك الجلسة كان بعض خصوم “الثنائيّ الشيعيّ” عادوا إلى اتّهام برّي بالتحكّم بدور البرلمان لمصلحة تحالفه مع “الحزب”، لكنّه فاجأ الجميع بالدعوة. وأعضاء هيئة مكتب البرلمان لم يكونوا على علم بها. لكنّ رئيس الحكومة نوّاف سلام أُبلغ بها فقط قبل أسبوع فلم يكن أمام الأخير سوى الترحيب.

ينفي المحيطون ببرّي أن يكون عمل على ترتيب مسبق أو لاحق لـ”دوزنة” الخطاب السياسيّ للأكثريّة المعارضة للدور الإيرانيّ ولاستمرار “الحزب” في إنكار الهزائم التي تعرّض لها ومعه البلد برمّته، أو لخطاب قيادته الذي يبلغ حدّ تخوين رئيسَي الجمهوريّة العماد جوزف عون والحكومة نوّاف سلام. كتل الأكثريّة النيابيّة والحكوميّة تدافع عن خياراتهما في شكل يوميّ على الرغم من ملاحظات بعضها على أداء التفاوض مع إسرائيل. وبعض النوّاب الفاعلون يستبعدون أن يذهب “الحزب” إلى طرح الثقة بالحكومة لأنّها تتمتّع بأكثريّة نيابيّة وازنة.

هل تنضبط الغرائز؟

المحيطون برئيس البرلمان لا يخشون من انفلات الغرائز خلال الجلسة، ويشيرون إلى أنّ الجهد الذي يمكن أن يبذله معاونوه يقتصر على الحدّ من كثرة المتكلّمين باسم كتلة نيابيّة واحدة فقط، بعدما سارع النوّاب إلى تسجيل أسمائهم من أجل الإدلاء بدلوهم في الجلسة. ويقول المحيطون ببرّي إنّ ما سيقال تحت قبّة البرلمان يُصرّح به أصحابه من كلّ الجهات خارجه، وبالتالي لن يضيف ذلك شيئاً إلى انقسام المواقف.

لكنّ الجلسة تنعقد بعد انسحاب “الحزب” من عليّ الطاهر ورفضه التجاوب مع مطلب الرئيس عون تسليمها للجيش اللبنانيّ من أجل تفادي ما حصل. كما أنّ العقد النيابيّ يلتئم في ظلّ تصعيد إسرائيليّ وحشيّ في المنطقة الأمنيّة الصفراء التي رسمها الجيش الإسرائيليّ الذي يواصل استهداف المدنيّين بلا أيّ رحمة.

الجيش في النّبطيّة والحزب يخفي سلاحه..

يترافق انعقاد الجلسة مع استكشاف مدى تأثيرها في مجرياتها:

المخاوف من أن يمهّد استمرار التغوّل الإسرائيليّ جنوباً لنقل المعركة إلى احتلال مدينة النبطيّة دفعت الرئيس عون إلى إجراء اتّصالات بعيدة من الأضواء مع مسؤولين أميركيّين في واشنطن يطالب فيها بوضع حدّ لانفلات الآلة العسكريّة للدولة العبريّة.

اقترن ذلك مع معطيات لدى أوساط الرئاسة اللبنانيّة بأنّ انتشار الجيش في عاصمة جبل عامل، التي تلقّت نصيباً مأساويّاً وكارثيّاً من التدمير، لقي تعاوناً من قبل “الحزب”. لكنّه تعاون يقتصر على عدم الظهور المسلّح، ولا يعني إخلاء مواقعه فيها، ما دامت الحرب مستمرّة.

الإصرار الرئاسيّ والحكوميّ على إظهار وجود الجيش والدولة في المدينة هو الحجّة اللبنانيّة في التواصل مع واشنطن، التي تساعد دول عربيّة مؤثّرة لدى إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على حملها على ضبط الاندفاعة العسكريّة الإسرائيليّة. وبرّي يتوافق مع عون وسلام على تأكّد انتشار الجيش في المدينة، التي أكّد وجوده أساساً فيها ما دام الجيش الإسرائيليّ لا يوجد فيها.

بيانا “الحزب” والسّفارة… ونداء النّبطيّة – 2

سبق الدعوة إلى الجلسة صدور إعلان النبطيّة-2 الذي وضعه السيّد مصطفى فحص والذي دعا بتوقيع أربعمئة شخصيّة إلى انتشار الجيش دون قوى الأمر الواقع في المدينة، وذلك منعاً لاحتكاكات واشتباكات كانت قد حصلت بين محازبي حركة “أمل” ومقاتلي “الحزب” في بلدتَي عربصاليم والنميريّة. وهما تقعان شمال نهر الليطاني. محازبو “أمل” رفضوا نقل مقاتلي “الحزب” أسلحة وذخائر إلى بعض منازل القريتين، بعدما دمّر الجيش الإسرائيليّ منازل لمدنيّين فيهما لأنّ “الحزب” استغلّ نزوح أصحابها لاستخدامها لأغراض قتاليّة.

لكنّ المبارزة الإعلاميّة بين الموقف الأميركيّ والسرديّات الموالية لإيران دفعت سفارة واشنطن في بيروت إلى الإعلان أمس أنّ الشعب اللبنانيّ واضح في تفضيله مؤسّسات الدولة على سلاح “الحزب”. وقال البيان إنّ جنوب لبنان “لا يخصّ لاعبين إقليميّين والميليشيات. والولايات المتّحدة ترحّب بمواقف هذه المجموعات التي تساند تمسّك حكومة لبنان بالسيادة” المدعّمة بالجيش اللبنانيّ.

“الحزب” ما يزال على رفضه الاستجابة للطلب الأميركيّ أن يصدر عنه أيّ شيء ولو بياناً رسميّاً يبدي الاستعداد لتسليم السلاح للدولة اللبنانيّة. ويقدّم الأميركيّون هذا المطلب على أنّه يساعد واشنطن في التأثير على تل أبيب لخفض تصعيدها لمصلحة مفاوضات روما من أجل التوصّل لحلول على قاعدة إعلان الرئيس عون أنّ لبنان يريد إنهاء حالة العداء مع الدولة العبريّة. وهو مطلب كرّره السفير ميشال عيسى في تصريحاته بعد زيارته اللافتة لنائب رئيس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى الشيخ عليّ الخطيب قبل ثلاثة أيّام.

“الحزب” أصدر بياناً يتبرّأ ممّا يدلي به “العديد من الشخصيّات والأصدقاء على وسائل الإعلام ووسائل التواصل من تصريحات ومعلومات ومعطيات… كما لو أنّها صادرة عن مصادر رسميّة لـ”الحزب” أو للمقاومة”. وحذّر البيان “الرأي العامّ من اعتبار تلك المعلومات كأنّها رسميّة”، مؤكّداً أنّ مواقفه تنحصر بما يقوله الأمين العامّ والبيانات الرسميّة.

تبرّؤ “الحزب” هذا جاء بعدما اتّبع من يظهرون على الشاشات من مناصريه، بتوجيه منه، نبرة فائقة التوتّر حيال عبثيّة الحرب، بظلّ الاختلال الفاضح بميزان القوى. هذا التوتّر يستند إلى أقوال أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم عن “خدمة السلطة لإسرائيل” وعن الدعوة إلى إسقاط خيار التفاوض معها. فهل أصحاب العقول الباردة في “الحزب” اعتبروا أنّ معلّقين ذهبوا بعيداً في ربط وضعه القتاليّ بإيران، ما يعزّز حجّة مناوئيه؟

وليد شقير- اساس

مقالات ذات صلة