🔶ماذا يريد نتنياهو: استدراج إيران …أم استعادة حرية الحركة في لبنان؟

ماذا يحتاج بنيامين نتنياهو في معركته الانتخابية؟ وهل يرتبط فوزه أو خسارته ببرنامجه الحربي وحده؟ ثمة ما يدفع إلى الاعتقاد بذلك، ولا سيما بعدما خرجت، للمرة الأولى في إسرائيل، تصريحات، أبرزها ما قاله رئيس الوزراء الأسبق إيهودا باراك، عن استعداد نتنياهو لـ«تخريب الدنيا» كي لا يسقط، بما في ذلك تأجيل الانتخابات نفسها. وهو أمر لا يحدث إلا في واحدة من حالتين: إمّا ملامح حرب أهلية على خلفية الانتخابات، وهو احتمال مُستبعد، أو دخول البلاد في حالة طوارئ بفعل حرب خارجية، وهو الاحتمال الأكثر قابلية للتحقّق.
وقد سبق للكيان أن اختبر سيناريو مماثلاً. ففي عام 1973، كان قد حُدّد موعد انتخابات الكنيست في 30 تشرين الأول/أكتوبر، قبل أن تندلع حرب 6 تشرين الأول، ويُستدعى مئات الآلاف من جنود الاحتياط إلى الخدمة. عندها اضطر الكنيست إلى سنّ قانون خاص يقضي بتأجيل الانتخابات لمدة شهرين، فأُجريت في 31 كانون الأول من العام نفسه.
في حالة نتنياهو اليوم، تبدو الصورة أقرب إلى عدم فوزه بولاية جديدة. لكنّ الرجل الذي يخوض أوسع معاركه السياسية، يعيش في الوقت نفسه تحت ضغط فشل خطة إسقاط النظام الإيراني. وهو يواجه، كما تواجه أجهزته الأمنية، استحقاق هذا الفشل، حتى وإن كانت إسرائيل تسمّيه «إخفاقاً». وفي هذا السياق، بدأت القيادة الجديدة للأجهزة الأمنية، وفي مقدّمتها «الموساد»، برنامج عمل جديداً، كانت أولى خطواته عملية تغيير شملت إقالة المسؤولين عن الملف الإيراني، وإبعاد عدد من الخبراء عن غرف التقييم والتخطيط. إلا أن الهدف الأساسي لهذا البرنامج يتمثّل في إعداد خطة بديلة، تكون قابلة للتفعيل في أسرع وقت ممكن.
وفي هذا السياق، أمكن جمع مؤشرات واقعية إلى برنامج عمل حكومة العدو، بما يسمح برسم مجموعة من الأهداف التي تبدو حاضرة في حساباتها:
الأول: استعادة زخم الإنجازات والانتصارات التي تعتبر إسرائيل أنها حقّقتها منذ السابع من أكتوبر، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا أو حتى في إيران. وهو ما يدفع باتجاه الحفاظ على منسوب مرتفع من التصعيد.
الثاني: الرد على الانتقادات القاسية التي تطاول نتنياهو ولا سيما من الولايات المتحدة، مع تحميله مسؤولية الفشل، وتضرّر صورة الاستخبارات الإسرائيلية في العالم، بعدما تباهت بقدراتها في الجولات الأولى في لبنان وإيران نفسها. وبالتالي، تجد إسرائيل نفسها مُلزمة بتحقيق إنجاز يعيد ثقة الغرب، وخصوصاً أميركا، بها.
الثالث: الانتقام من القيادة الإيرانية التي صمدت وخرّبت مشروعه، والدفع نحو عمليات تخريب واسعة تستهدف البنى التحتية للدولة، وليس النظام فقط، لتحميل الشعب الإيراني تبعات موقفه الداعم لحكومته، ودفعه إلى تحمّل كلفة المواجهة.
الرابع: يحتاج نتنياهو إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه «القائد القوي» الذي لا تزال إسرائيل بحاجة إليه لتعزيز موقعها ونفوذها.
كيف السبيل إلى ذلك؟
منذ الإعلان عن مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، شعر نتنياهو بأنه بات مُقيّداً. فقد ضيّقت الإدارة الأميركية هامش المناورة أمامه، وبات جيش العدو مضطراً إلى الحصول على موافقة مُسبقة على أي عمل يمكن أن تكون له صلة بالملف الإيراني، بما في ذلك تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في لبنان.
وبعيداً عن سجال تُفَّه «اتفاق الإطار» في لبنان، يدرك نتنياهو أن مذكّرة التفاهم الأميركية – الإيرانية أرست قواعد جديدة للاشتباك في لبنان. فهي قيّدت قدرة إسرائيل على العمل المتفلّت في مختلف الأراضي اللبنانية وضد أنواع متعددة من الأهداف، لكنها في المقابل لم تمنعها من تنفيذ عمليات تعتبرها ضرورية، ولا يمكن تصنيفها، من وجهة نظر واشنطن، باعتبارها خرقاً لقواعد العمل الجديدة.
وعليه، انحصر جهد العدو بعد وقف إطلاق النار، الهشّ، في توسيع عمليات التدمير والتجريف، فيما كُلّفت القيادة الشمالية بمهمة أمنية تقوم على أوسع عملية جمع استخباري ممكنة، بهدف بناء بنك أهداف جديد يتعلق بحزب الله وعناصره وكوادره. وفي موازاة ذلك، انصبّ جهد آخر على تعميق «الخط الدفاعي» من خلال عمليات مدروسة ومحسوبة.
وجاءت العملية المُعقّدة والطويلة في «علي الطاهر» ضمن هذا البرنامج من العمل. فقد أبلغت إسرائيل الأميركيين مُسبقاً بأنها تعتزم تنفيذ العملية من دون إشعال الجبهة كاملة، الأمر الذي جعل الولايات المتحدة لا تعارض الخطة الأمنية – العسكرية التي نفّذها العدو في «علي الطاهر»، ما دامت العملية لن تفضي إلى استفزاز يمكن أن يدفع إيران إلى توسيع الحرب من جديد.
وفي الوقت نفسه، ذهبت إسرائيل إلى مفاوضات مع لبنان، بهدف إرضاء الجانب الأميركي، ولا سيما التيار الذي يقوده ماركو روبيو، الذي يدفع باتجاه فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.
وعملياً، لم يكن في لبنان عاقل يتوقع تنازلات إسرائيلية جدّية، وكل ما طلبه الرئيس جوزيف عون لم يتجاوز عمليات تجميلية تتيح تبرير استمرار المفاوضات. ذلك أن إسرائيل لا تريد، في نهاية المطاف، سوى أمر واحد: الوصول إلى صدام بين الجيش اللبناني والمقاومة. ولأنها تدرك أن الجيش ليس في وارد خوض مثل هذه المعركة، وأنه غير مُهيّأ، عسكرياً وعملياً، لمواجهة من هذا النوع، اعتمدت تل أبيب سياسة رفع سقف المطالب، مستفيدةً من أن واشنطن ليست في وارد ممارسة ضغط فعلي عليها. ففي البيت الأبيض من يقول، صراحة أو ضمناً، «لن نكون ملكيين أكثر من الملك»، في إشارة إلى سلوك عون وفريقه المفاوض، الذي يبدو أكثر اهتماماً باستئصال المقاومة من اهتمامه بإنهاء الاحتلال.
تعثّر في إيران… تحسّن في إسرائيل
في إسرائيل، كان هناك رأي قوي بأن مذكّرة التفاهم الموقّعة مع إيران لا تصبّ في مصلحة الولايات المتحدة. وتولّدت لدى قيادة العدو، (كما لدى أطراف أخرى، بينها إيران نفسها)، قناعة بأن هذه المذكّرة لن تعيش طويلاً. لكنّ إسرائيل لا تريد إفشالها تمهيداً للتوصل إلى اتفاق آخر، بل تسعى إلى تعطيلها وإعادة فتح النقاش حول كيفية استئناف الحرب الواسعة بهدف إسقاط النظام في إيران. غير أن هذه المهمة لا تبدو أنها لاقت رواجاً لدى الأطراف الأخرى.
فالإدارة الأميركية نفسها لا تبدو موافقة عليها، فيما أعلنت دول الخليج العربية خشيتها من أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى فتح أبواب الجحيم على مصالحها كافة. وفي المقابل، كانت جبهة أخرى آخذة في التشكّل، تضم الرافضين للتغوّل الإسرائيلي، وتجمع أطرافاً متباينة تمتد من الصين شرقاً إلى مصر غرباً، مروراً بباكستان وتركيا والسعودية والعراق ودول أخرى. وتملك هذه الجبهة علاقات قوية مع الإدارة الأميركية الحالية، وقد لعبت، ولا تزال تلعب، دور الكابح للأفكار التي تطرأ أحياناً في البيت الأبيض حول ضرورة القيام بعمل عسكري كبير ضد إيران. واستفادت هذه الدول من النقاش الداخلي المتزايد داخل الإدارة الأميركية، ومن ارتفاع منسوب الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل، للحد من الاندفاع نحو مواجهة جديدة.
لكن مع بدء التعثّر في مسار التفاهم الأميركي – الإيراني، عادت إسرائيل إلى البحث في كيفية النفاذ مجدّداً إلى طاولة القرار، انطلاقاً من رغبتها في أن تكون شريكاً في أي حرب جديدة ضد إيران. وهي ترى نفسها اليوم أكثر استعداداً مما كانت عليه سابقاً، وتقول إنها صحّحت أخطاء المرحلة الماضية، فيما تروّج الأوساط العسكرية والأمنية الإسرائيلية بأن الفرصة عادت لتوجيه ضربة قاضية إلى إيران.
في المقابل، وبمعزل عن شكل إدارة الولايات المتحدة لحالة التوتر الراهنة، سلكت إيران نفسها مساراً يقوم على تحييد إسرائيل عن المواجهة الحالية. وتركّز طهران على المواجهة المباشرة مع الأميركيين، بهدف الضغط باتجاه عودة واشنطن إلى مذكّرة التفاهم، والعمل في الوقت نفسه على تقليص مستوى الحضور العسكري الأميركي في المنطقة. لكنّ نتنياهو يحاول قلب هذه المعادلة، عبر جرّ إيران إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل، في ظل التوتر المرتفع أصلاً مع الولايات المتحدة، بما يتيح الانتقال إلى حملة جديدة تقودها واشنطن وتل أبيب معاً ضد إيران.
وتحتاج إسرائيل، في هذا السيناريو، إلى مساعدة أميركية، ولو جزئية، في مجال الدفاعات الجوية، وإلى مساهمة أميركية واضحة في فتح مخازن الذخيرة الثقيلة التي تحتاج إليها أي حرب واسعة. أمّا في الجانب الاستخباراتي، فتزعم إسرائيل أنها لا تحتاج إلى دعم أميركي، وهو ادّعاء يرفضه الأميركيون، ولا سيما داخل المجمع الاستخباراتي، الذي يؤكد أن العمليات الناجحة التي نفّذتها إسرائيل لم تكن لتتحقق لولا الدعم الاستخباراتي الأميركي.
اليوم، لا يملك نتنياهو ما يبرّر له شنّ عمل عسكري مباشر ضد إيران. لكن ذلك لا يعني أنه تخلّى عن فكرة استدراجها إلى مواجهة جديدة، بل قد يكون بدأ يبحث عن طريق آخر للوصول إلى الهدف نفسه. وربما يعتقد أنه وجد ضالّته في لبنان. فالتصعيد ضد المقاومة في لبنان، والعودة بالأمور إلى مستوى القصف المفتوح في مختلف المناطق اللبنانية، قد يهدفان إلى استدراج ردّ من المقاومة. وعندها، يمكن لإسرائيل توسيع دائرة القصف والتصعيد، ما يجعل إيران مُلزَمة بالدخول إلى الحرب، وعندها يتحقق مراده.
ماذا عن استعادة حرية الحركة؟
في سياق النقاش حول هذا المسار، يعود إلى الواجهة سؤال أساسي حول طبيعة ما يجري في الجنوب الآن. فنتنياهو، الذي تلقّى من ترامب توجيهاً بعدم القيام بعمل عسكري واسع بهدف احتلال «علي الطاهر» أو نقاط أخرى، ظل يتحرك، حتى الآن، تحت سقف هذه الضوابط. وعندما حاول الأميركيون إقناع حزب الله بتسليم هذه المواقع إلى الجيش اللبناني، لم يكن الحزب في وارد الموافقة أصلاً. لكنّ الأهم أن الرئيس جوزيف عون نفسه، الذي سبق أن قال للأميركيين إن الجيش لن يدخل في مواجهة مع الحزب، قال لهم أيضاً، بحسب ما نُقل، ما معناه: لماذا تمارسون الضغط علينا؟ دعوا إسرائيل تنجز المهمة، وبعدها «لكل حادث حديث».
من هنا، فإن النقاش حول أبعاد ما تقوم به إسرائيل في الجنوب يحتاج، في أحد جوانبه، إلى تدقيق حول ما إذا كان فعل العدو يجري ابتداءً، فيبادر إلى عمليات قصف واغتيال خارج المنطقة الأمنية، أو أنه يفعل ذلك رداً على عمل ما تقوم به المقاومة؟
في هذه النقطة الأساسية، ترى إسرائيل، بحكومتها وجيشها، أن مذكّرة التفاهم الأميركية- الإيرانية سلبتها ميزة كانت تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة، هي تحديداً «حرية الحركة». وبموجب القواعد الجديدة، بات العدو ممنوعاً من استهداف مواقع أمنية أو سياسية أو عسكرية في مناطق بعيدة عن المنطقة المحتلة، فيما ظل متمسكاً بما يعتبره «الحق في الرد على التهديدات القائمة».
وفي خضمّ هذا النقاش، تبرز وجهة نظر مفادها أن نتنياهو لن يكون قادراً، في الظروف الحالية، على القيام بعمل كبير يطيح بالانتخابات. ولذلك، فإن ما قد يسعى إلى انتزاعه كـ«مكسب دائم» و«حق مفتوح»، هو أن تكون لإسرائيل حرية التحرك ضد كل ما تصنّفه تهديداً لأمنها.
نتنياهو ليس مبتدئاً في السياسة ويعرف تماماً حقيقة الموقف الأميركي، ولدى جيشه وأجهزته الأمنية من المعطيات ما يتيح لهم تقدير ما تريده إيران أو حزب الله في هذه الفترة. وبالتالي، وإذا كان نتنياهو قد لا ينجح في إقناع الولايات المتحدة مجدّداً بحرب واسعة ضد إيران، فقد يكون أحد أهداف العمليات التي تنفّذها قوات الاحتلال الآن هو فرض سياق جديد يقوم على قاعدة «الحق في إزالة التهديدات»، ما يقود ببساطة الى خلاصة تفيد، بأنه بعد ما حصل في «علي الطاهر»، وتوسيع دائرة التدمير في المنطقة المحتلة، فإن هدف العدو الآن، هو استعادة حرية الحركة كما كانت عليه قبل 2 آذار الماضي.
غموض إيران والمقاومة
لا جدال في أن أحداً من أطراف الجبهة المقابلة لإسرائيل لا يريد بقاء نتنياهو في الحكم. فالأطراف المنخرطة في المواجهة، من حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، إلى حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والمقاومة العراقية، وصولاً إلى إيران، لا تجد مصلحة في استمرار نتنياهو في السلطة، بمعزل عمّن يمكن أن يخلفه.
مع ذلك، فإن الأمر مرتبط بنتنياهو نفسه، الذي يمثّل رؤية مستقلة عن الآخرين، وعلى العالم أن يقرّ بأن للرجل «رؤيته» الخاصة التي تشكّلت لديه منذ صغره، وهو يشرحها في أكثر من مناسبة وأكثر من كتاب. وبالتالي فإن أي تغيير على مستوى القيادة في إسرائيل له أثره على أمور كثيرة، قد يكون الأبرز فيها، السؤال الذي لم تكن إسرائيل مستعدّة للإجابة عليه بعد: هل بات علينا وقف الموجة الحالية من الهجوم على أعدائنا، أم نواصل الحرب مهما كانت كلفتها داخلياً وخارجياً؟
قد يفكر البعض بأن وضوح هذه المعادلة يعني حكماً أن الطرف الآخر لن ينجرّ إليها؛ فإذا كانت إسرائيل تريد استدراج إيران، فهذا يفترض أن تستوعب إيران، ومعها حزب الله، التصعيد الجديد وألّا يردّا عليه، حتى لا يحقّقا لنتنياهو ما يريد. لكن الأمور لا تُقاس بهذه البساطة. فالحسابات الإيرانية في مرحلة ما بعد إفشال مذكّرة التفاهم مع الولايات المتحدة لم تعد مُطابِقة لما كانت عليه قبل ذلك التاريخ، كما أن النظرة إلى الدور الإسرائيلي في ما جرى لم تعد تُدار وفق قواعد المرحلة السابقة. فكل ما كان يرتبط بفكرة «الصبر الاستراتيجي» قد تغيّر، وانتهى إلى غير رجعة. أمّا ما الذي تقدر عليه إيران والمقاومة، فهو نقاش آخر!
ابراهيم الامين- الاخبار



