🟠هيكل يرفض تقديم التنازلات وتوسيع «المناطق التجريبية» بلا مقابل إسرائيلي!

هيكل يرفض توسيع «المناطق التجريبية» بلا مقابل إسرائيلي: عون يربط الانسحاب بسلاح الحزب
يعيش لبنان حالاً من الـ«ستاتيكو» السياسي والأمني، تبدو معها معظم الحركة الداخلية والخارجية عاجزة عن إحداث التحول المنتظر. فالمسارات المفتوحة حول الجنوب، والاتصالات اللبنانية مع العواصم الغربية والعربية، والبحث في مستقبل انتشار الجيش، كلها تتحرك ضمن هامش ضيق لا يسمح، حتى الآن، بالانتقال إلى تسوية فعلية. ومن هنا، تبقى العين معلّقة على التطورات بين إيران والولايات المتحدة، باعتبار أن أي تبدل في هذا المسار، سواء باتجاه تفاهم أو تصعيد، يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات الإقليمية ويفتح الباب أمام تغيير قواعد اللعبة في لبنان أيضاً.
وفي انتظار اتضاح وجهة المسار الإيراني – الأميركي، يبدو أن الجنوب هو الساحة التي تتراكم فيها الوقائع أسرع من قدرة السياسة على مواكبتها. إسرائيل تواصل عملياتها العسكرية والتدميرية، فيما تحاول السلطة اللبنانية واهمةً تثبيت مسار موازٍ يقوم على انسحاب إسرائيلي، وانتشار الجيش، وترتيبات أمنية جديدة يفترض أن تحظى برعاية وضمانات أميركية.
وفي هذا السياق، تفيد أوساط سياسية أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل أبلغ من يعنيهم الأمر بأنه لن يمضي في توسيع انتشار الجيش ضمن «المناطق التجريبية» ما لم تقدّم إسرائيل في المقابل شيئاً واضحاً، حتى لا يتحول الانتشار اللبناني إلى التزام أحادي الجانب، فيما تواصل إسرائيل الاحتفاظ بمواقعها وتنفيذ عملياتها العسكرية. وبمعنى آخر، فإن الجيش لا يريد الدخول في اختبار أمني لا يملك فيه سوى تقديم التنازلات، فيما تبقى إسرائيل قادرة على فرض وقائع ميدانية جديدة. ومن هنا يمكن فهم جانب من كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري عن «المناطق التجريبية»، إذ إن جوهر المسألة لا يتعلق بمجرد انتشار الجيش، بل بما إذا كانت هذه المناطق ستشكّل فعلاً المرحلة الأولى من انسحاب إسرائيلي تدريجي، أم ستتحول إلى ترتيبات تكرّس وجوداً إسرائيلياً جديداً تحت عنوان اختبار قدرة الجيش اللبناني.
وفي السياق نفسه، تروّج أوساط رئيس الجمهورية جوزف عون أنه ينتظر من الأميركيين مقترحاً جديداً يتجاوز الصيغ السابقة، وأنه تبلّغ من الأميركيين أنهم في صدد إجراء اتصالات مع الإسرائيليين بشأن برنامج يمكن أن يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل. ووفق هذه المعطيات، فإن ما ينتظره عون ليس تعهداً عاماً بالانسحاب، بل ينتظر تصوراً متكاملاً يحدد المراحل والآليات والجهات التي يمكن أن تضطلع بالأدوار المطلوبة في الجنوب، خصوصاً أن واشنطن متمسكة بإنهاء مهمة قوات الـ«يونيفل» آخر هذا العام، ولا تزال ترفض أفكاراً فرنسية بإبقاء قوة مراقبين في الجنوب.
وتشير الأوساط إلى أن الأميركيين وعدوا رئيس الجمهورية بتقديم برنامج ووضع آلية للتحقق، وتحديد الجهات التي يمكن أن تؤدي دوراً في الجنوب. وهذه النقطة تبدو مركزية في الحسابات اللبنانية، لأن المطلوب من واشنطن، وفق هذه المقاربة، لا يقتصر على الضغط على إسرائيل للانسحاب، بل يشمل توفير مظلة سياسية وأمنية تمنع انهيار أي تفاهم عند أول احتكاك ميداني. فالسؤال بالنسبة إلى لبنان هو: من يراقب؟ ومن يضمن؟ ومن يحدد وقوع الخرق؟ ومن يملك القدرة على إلزام الطرف المخالف بالعودة إلى الترتيبات المتفق عليها؟
والأكثر حساسية أن عون، وفق ما يروّج في أروقته، يربط هذه الضمانات بملف يتجاوز الجنوب بكثير. فالمعطيات المتداولة تفيد بأنه، في حال قدّم الأميركيون ضمانات جدية وواضحة بشأن الانسحاب وآلية التحقق والترتيبات الأمنية، فهو مستعد لوضع سلاح حزب الله على الطاولة على مستوى لبنان كله.
وفي هذا الإطار، عرض الأميركيون على لبنان، بحسب المعطيات، استئناف المفاوضات في روما بعد نحو أسبوعين، على أن يضم الوفد اللبناني ممثلين سياسيين وعسكريين. وإذا ما تم تثبيت هذا الموعد، فسيكون ذلك أول اختبار عملي للمسار الذي يتحدث عنه عون، ولا سيما لجهة البحث في مراحل الانسحاب وآليات تنفيذه والتحقق منه، بدلاً من الاكتفاء بالتعهدات العامة. وإلى ذلك، أفادت مصادر «الشرق بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو سيلتقي رئيس الحكومة نواف سلام في واشنطن في 28 أيلول الجاري.
وفي موازاة التحرك على الخط اللبناني، التقى رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو مساء أمس السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، اللذين يقودان المحادثات بين إسرائيل ولبنان، بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت واشنطن تملك فعلاً صيغة جديدة قابلة للتطبيق، أم أن المفاوضات ستعود إلى الدوران ضمن الشروط الإسرائيلية نفسها.
في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل تنتظر اكتمال الصورة السياسية. فالعمليات العسكرية والهدم والتجريف في عدد من المناطق الجنوبية مستمرة، بما يجعل كل يوم إضافي من دون اتفاق قابلاً لإنتاج واقع جديد.
وهنا تبرز المفارقة: بينما يُطلب من الجيش اللبناني إثبات قدرته على تولي الأمن تمهيداً للانسحاب، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية وتحتفظ بمواقعها، بما يجعل مهمة الجيش أكثر تعقيداً. وفي هذه المعادلة، يصبح موقف هيكل من توسيع الانتشار أكثر من تفصيل عسكري؛ إذ يمكن أن يشكل مؤشراً إلى حدود استعداد المؤسسة العسكرية للدخول في ترتيبات لا ترى أن شروطها السياسية والميدانية قد اكتملت.
الاخبار


