🟠لغز الـ 50 صوتاً: انتخابات العائلات البيروتية أمام القضاء!

لم تنتهِ انتخابات «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية» عند إعلان النتائج وانتخاب هيئة إدارية جديدة من 18 عضواً. فبعد انتهاء الاقتراع، انتقل الخلاف إلى القضاء، مع تقدّم المرشح المحامي عبد اللطيف محمد جنون بطعن يتناول عملية الفرز واحتساب الأصوات، إضافة إلى محضر الانتخابات وطريقة إعداده وتوقيعه. وشارك في الانتخابات 238 مقترعاً من أصل 273، بعد أسابيع من الاتصالات ومحاولات التوافق بين العائلات والشخصيات والقوى السياسية المحيطة بالاتحاد، قبل أن تسقط التسويات وتتحول المنافسة إلى انتخابات مفتوحة.
تطورات قضائية جديدة: طلب على عريضة
وفق مصادر مطّلعة، قُدّم أمس الاثنين طلب جديد على عريضة، إلا أنّ الهدف منه لا يتصل بالطعن الأساسي في انتخابات الاتحاد، بل يُعدّ مساراً منفصلاً عنها. وأوضحت المصادر أنّ الطلب المقدّم كان يهدف إلى وقف انعقاد الجلسة التي كانت مقررة عصر أمس الاثنين لانتخاب رئيس الاتحاد ونائبه وأمين السر والمحاسب ومفوّض الاتحاد لدى الحكومة، باعتبار أنّ هذه الانتخابات يفترض أن تُبنى على نتائج انتخابية لا تزال، وفق الجهة المقدّمة للطلب، غير ثابتة وغير نهائية، وتحيط بها شبهات حول مدى مصداقيتها.
إلا أنّ الجلسة انعقدت رغم تقديم الطلب القضائي، وأُجريت انتخابات المناصب الإدارية في الهيئة الجديدة، لتنتهي العملية إلى توزيع المناصب على أسماء من لائحتي «عائلات بيروت المستقلة» و«قوتنا في الاتحاد». ووفق المعلومات التي حصلت عليها «المدن»، جاءت النتيجة على الشكل الآتي:
*وليد كبي رئيساً للاتحاد، عن لائحة «عائلات بيروت المستقلة».
*ندى يموت نائبة للرئيس، عن لائحة «قوتنا في الاتحاد».
*زياد دندن أميناً للسر، عن لائحة «عائلات بيروت المستقلة».
*باسم نعماني أميناً للصندوق، عن لائحة «عائلات بيروت المستقلة».
*جميل الحوت محاسباً، عن لائحة «عائلات بيروت المستقلة».
*رامي عيتاني مفوضاً لدى الحكومة، عن لائحة «قوتنا في الاتحاد».
وبذلك، لم يحُل الطلب المقدّم على عريضة دون انعقاد الجلسة وانتخاب المناصب، فيما يبقى الطعن الأساسي المتصل بنتائج الانتخابات قائماً أمام القضاء. ووفق المصادر، فإنّ المرجع القضائي المتخصّص للنظر في هذا الطلب هو محكمة الأساس، إلا أنّ اللجوء إليها يستوجب مخاصمة جميع المدعى عليهم وتبليغهم، وعددهم 18 شخصاً؛ أي الأعضاء الذين أُعلنت نتائج انتخابهم.
وتشير المصادر إلى أنَّ ضيق المهلة الزمنية، في ظل تحديد موعد جلسة انتخاب الهيئة الجديدة يوم الاثنين في 31 آب 2026 عند الساعة الخامسة بعد الظهر، دفع إلى اللجوء إلى قضاء العجلة، بهدف استصدار قرار سريع يحول دون انعقاد الجلسة إلى حين حسم المسألة أمام المرجع القضائي المختص. وتلفت المصادر إلى أنّ الطلب لم يُرفض من حيث مضمونه، ولم يُشكّك القضاء في أساسه أو يتعرّض له بالطعن، إنما جرى إبلاغ مقدّميه بأنّ النظر فيه لا يدخل ضمن اختصاص قضاء العجلة، وأنّ المرجع الصالح للنظر به هو محكمة الأساس.
50 صوتاً في صلب الطعن
يشرح جنون لـِ «المدن» أنَّ عملية الفرز جرت عبر مجموعات من الأصوات، بحيث ضمّت المجموعة الأولى ثمانية أصوات، فيما كانت المجموعات اللاحقة تضم عشرة أصوات. ويشير إلى أنه عند بلوغ عملية العدّ 88 صوتاً، كان يفترض أن يرتفع الرقم إلى 108، إلا أن العدد «قفز» إلى 138، وهذا ما يعني، وفق روايته، وجود فارق يبلغ ما يعادل 50 صوتاً من مسار الاحتساب. ولا يتوقف الاعتراض، وفق جنون، عند الفارق في الأرقام، إذ يشير أيضاً إلى تباين في عدّ الأصوات بين المندوبين، وإلى الآلية التي اتُّبعت في احتساب الأصوات، معتبراً أنَّ ما جرى يستدعي تدقيقاً قضائياً في كامل عملية الفرز والنتائج المعلنة.
أما الشق الثاني من الاعتراض، فيتصل بالمستندات ومحضر الانتخابات. ويقول جنون إنه، بعد استحصاله على قرار قضائي بالتحفظ على أخذ نسخ من المستندات المتعلقة بالعملية الانتخابية، توجه برفقة كاتب المحكمة إلى مقر الاتحاد في مار الياس. إلا أن كاتب المحكمة تبلّغ أن أعضاء الاتحاد لا يستطيعون الحضور إلى المركز باعتبار أن اليوم كان يوم أحد، قبل أن يتفاجأ جنون بوجود أشخاص داخل مقر الاتحاد. ووفق رواية جنون، جرى لاحقاً رفض فتح مقر الاتحاد أمام كاتب المحكمة نهار الأحد، وهذا ما دفع الأخير إلى التواصل مع القاضية اوجينا عبدو نصير. وتشير الرواية إلى أن نصير أشارت إلى إمكانية الاستعانة بالقوة العامة لفتح المقر، أي كسر الباب، إلا أن جنون رفض اللجوء إلى هذا الخيار.
وفي المقابل، طرح جنون أمام القاضية خيار ختم مقر الاتحاد بالشمع الأحمر في حال استمرار رفض الأطراف المعنية الحضور إلى المكان، فأبدت القاضية موافقتها على هذا الطرح. وعندما أبلغ كاتب المحكمة الأشخاص المعنيين بإمكانية اتخاذ خطوة التشميع، حضروا إلى مقر الاتحاد. ويضيف جنون بأن الحاضرين عندها باشروا إعداد محضر الانتخابات، بمشاركة رئيس لجنة الإشراف المهندس بسام برغوت وعضو اللجنة رامز بيضون، فيما امتنعت العضوة الثالثة في اللجنة لينا دوغان عن توقيعه، وأبلغت، وفق المصادر، أنها ستترك للقضاء مهمة الفصل في المسألة.
تطبيق مخزومي في قلب الفرز
داخل مركز الاتحاد في مار الياس، تروي مصادر كانت تتابع عملية الفرز أنَّ رئيس لجنة الإشراف، المهندس بسام برغوت، كان يقرأ النتائج بالاستناد إلى تطبيق انتخابي تابع للنائب فؤاد مخزومي. وأثار استخدام التطبيق، وفق المصادر، تساؤلات لدى بعض الحاضرين، خصوصاً مع الإشارة إلى أن النظام الانتخابي الإلكتروني المستخدم بلغت كلفته أكثر من 300 ألف دولار.
وتتمثل النقطة التي أثارت الاستفسارات في طبيعة الدور الذي أدّاه التطبيق خلال عملية الفرز، وما إذا كان استخدامه اقتصر على عرض النتائج التي يجري احتسابها يدوياً، أو شمل احتساب الأصوات وتثبيت الأرقام النهائية. وهي تفاصيل تبقى مرتبطة بالآلية التقنية المعتمدة في الانتخابات وبالمستندات التي توثّق مراحل الفرز وإعلان النتائج.
من التوافق إلى المنافسة
قبل الوصول إلى الصندوق، كانت الاتصالات تدور في اتجاه مختلف. إذ كشفت مصادر من داخل الاتحاد عن مفاوضات جرت بين رئيس الاتحاد السابق محمد عفيف يموت والنائب فؤاد مخزومي بهدف التوصل إلى صيغة توافقية للهيئة الإدارية. وتنقل المصادر أن إحدى الصيغ التي طُرحت قامت على توزيع المقاعد الـ18 بين ثلاثة أطراف:
ستة مقاعد للعائلات.
ستة لمقربين من مخزومي.
ستة لشخصيات محسوبة على تيار المستقبل أو مقربة منه.
كما جرى التداول باسم عبد الله شاهين لتولي رئاسة الاتحاد، ضمن صيغة تراعي مبدأ المداورة بين العائلات. إلا أن التفاهم لم يكتمل. وبين الأسباب التي أفضت إلى سقوط التسوية، وفق المصادر، رفض شاهين خوض الانتخابات، بالتزامن مع طرح تولي أمانة سر الاتحاد من جانب فريق مخزومي، ما دفع الأطراف إلى الانتقال من التوافق إلى المنافسة المفتوحة.
السياسة والخدمات
لم تخلُ أجواء الانتخابات، وفق مصادر من داخل الاتحاد، من حضور سياسي وخدماتي. وتدّعي هذه المصادر أن مخزومي تواصل مع عدد من العائلات عبر مساعدات وخدمات عينية وأدوية. كما تورد المصادر رواية عن محاولات للتأثير في تركيبة المنافسة، تصب في مصلحة مخزومي، عبر السعي إلى إسقاط لائحة «قوتنا في الاتحاد»، ورئيسها محيي الدين كشلي، فضلاً عن ما وصفته المصادر بدعم غير مباشر لتيار المستقبل وبهية الحريري، على وجه الخصوص، للائحة الأخير.
في المقابل، تنفي مصادر تيار المستقبل لـِ «المدن» أي تدخل مباشر للتيار في الانتخابات، وتؤكد أن ما جرى تداوله عن محاولات للتأثير في خيارات العائلات لا يعكس موقف التيار أو دوره في الاستحقاق. وتشدد المصادر على أن التيار ترك للعائلات حرية اختيار مرشحيها، ولم يطلب من أي منها التصويت لمرشح محدد أو ممارسة ضغط لاختيار اسم على حساب آخر. كما ترفض المصادر الربط بين حضور شخصيات قريبة من التيار في المشهد الانتخابي ووجود قرار سياسي بالتدخل في تشكيل الهيئة الإدارية، معتبرة أن المنافسة داخل الاتحاد بقيت شأناً انتخابياً يخص العائلات والمرشحين أنفسهم.
وهكذا، أُنجزت الانتخابات الإدارية داخل «اتحاد جمعيات العائلات البيروتية»، وانتُخبت المناصب الأساسية في الهيئة الجديدة، رغم الطلب القضائي الذي سعى إلى وقف انعقاد الجلسة. لكن اكتمال التركيبة الإدارية لا يعني انتهاء النزاع، إذ يبقى الطعن المتصل بعملية الفرز واحتساب الأصوات ومحضر الانتخابات قائماً أمام القضاء. وبين هيئة باشرت تكوينها الإداري ونتائج لا تزال موضع اعتراض، ينتقل الملف من معركة الصندوق إلى مسار قضائي قد يحدد لاحقاً مدى ثبات هذه النتائج وما يترتب عليها.

مالك دغمان- المدن



