🟠حضور أممي بديل: واشنطن ترفض مُسبقاً مُقترحات جلسة مجلس الأمن!

شكّلت زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى إيطاليا الأسبوع الماضي محطة جديدة في مسار إخضاع لبنان لما تريده سلطة الوصاية الأميركية – السعودية، وتالياً الإسرائيلية، من الحكم في بيروت. وإذا كان عون يتذرّع بأن الدستور يمنحه حق التفاوض بالتنسيق مع رئيس الحكومة، فإن نواف سلام لا يبدو في موقع من ينتظر أن يبادره عون إلى التشاور، مكتفياً بالقول إنه على علم بما يقوم به رئيس الجمهورية وإنه موافق عليه، ما يجعله يرفض أي محاولة من أي وزير لطرح هذه الملفات ومناقشتها داخل مجلس الوزراء.
أمّا عون، فلا يبدو مهتماً أساساً بمواقف القوى المحلية، بما فيها سلام نفسه وسائر أعضاء الحكومة. وجوابه الدائم، كلما سُئل عن حجم التنسيق السياسي الذي يجريه، أنه «على تشاور وتنسيق وتوافق مع الرئيس نبيه بري». وسبق لعون أن رفض طرح «اتفاق الإطار» على مجلس الوزراء، ثم قدّم تفسيراً دستورياً مفاده أن الاتفاق لا يحتاج إلى موافقة الحكومة ولا مجلس النواب، وهو ما أعلنه أيضاً أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن عون يعرف، في المقابل، أن هذه الاستراتيجية تهدف عملياً الى فرض وقائع كبيرة على الأرض من دون توفير غطاء دستوري فعلي لها. وهو ما يعيد المسؤولية إلى القوى المشاركة في الحكومة والشخصيات الوزارية الأساسية فيها، التي تحوّلت إلى شاهد زور على مسار تعرف أنه يتناول ملفات جوهرية تتصل بمصير البلاد، من دون أن تمارس دورها في مناقشتها أو اتخاذ القرار بشأنها.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة عون إلى روما لبحث مشروع اتفاقية أمنية لبنانية – إيطالية، تتيح للبنان استقبال قوات إيطالية، أو قوات أوروبية بقيادة إيطالية، للاضطلاع بدور يُقال إنه «يساعد على تنفيذ اتفاق الإطار» مع إسرائيل. والمقصود عملياً أن تتولى هذه القوات جزءاً من «آلية التحقّق» التي تطالب بها إسرائيل، للتثبت من تنفيذ السلطات اللبنانية ما يُطلب منها، ولا سيما إنهاء أي وجود عسكري أو سياسي لحزب الله في المناطق الجنوبية.
وبينما لا يزال الجانب الإيطالي متردّداً في إعلان موقفه النهائي، تتركّز الأسئلة التي تطرحها روما على طبيعة المهمة المُقترحة وما المقصود تحديداً بـ«التحقّق»، وآلية التنسيق مع الجيش اللبناني، فضلاً عن الضمانات لحماية أفراد القوة الإيطالية. وتحاول روما، عبر قنوات غير رسمية، التواصل مع حزب الله لسماع موقفه من الطرح، إلا أن المصادر تؤكد أن الحزب لم يُبدِ حتى الآن أي موقف من هذه المناقشات. وتلفت إلى أن الحزب يدرك أن الهدف الفعلي من هذه المناورات هو دفع السلطات اللبنانية إلى الطلب من قيادة الجيش الدخول في تنسيق مباشر مع جيش الاحتلال.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى روما، بعد زيارة عون، لتفتح مستوى جديداً وأكثر تفصيلاً من النقاش حول مستقبل التعاون العسكري بين بيروت وروما. فجوهر الخلاف يدور حول مفهوم «التحقّق» نفسه، إذ يتعامل الجيش اللبناني مع الملف من منطلق واضح: أي ترتيبات جديدة يجب ألّا تنشئ سلطة فوق المؤسسة العسكرية، أو جهة خارجية تتولى تقييم أدائها ومراقبة تنفيذها وكأنها صاحبة القرار الميداني.
ومن هنا، يواجه الطرح المتعلّق بإسناد عمليات التحقّق إلى شركات أمنية رفضاً لبنانياً حاسماً، ولا سيما من المؤسسة العسكرية. فالمسألة ليست تقنية ولا تتعلّق فقط بالجهة التي ستتولى عملية التحقّق، بل بالسؤال الأساسي: من يملك حق التحقّق، ومن ماذا، وبأيّ صلاحيات، وتحت أيّ مرجعية؟ كذلك، أبلغ الجيش رفضه أي تنسيق مباشر مع جيش الاحتلال، مؤكداً أن أي تواصل من هذا النوع يجب أن يتم عبر وسيط، سواء الأمم المتحدة أو أي جهة أخرى.
في المقابل، تبدو الصيغة الإيطالية أكثر قابلية للنقاش، لكنها لا تزال تحتاج إلى تحديد واضح لقواعد اللعبة. فوجود قوة دولية إلى جانب الجيش يمكن أن يشكّل جزءاً من ترتيبات أمنية جديدة، أمّا تحوّل هذه القوة إلى جهاز رقابة على الجيش أو إلى مرجعية موازية له، فيبقى خطاً أحمر بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية، وفق المصادر نفسها.
وفيما لم يُحسم بعد موعد استئناف التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، أفادت أوساط متابعة بأن تعطيل عقد الجولة الجديدة يعود إلى رفض إسرائيلي لتوسيع نطاق «المناطق التجريبية» التي تطالب بها بيروت، فيما يسعى الجيش إلى التوصّل إلى تفاهم واضح حول تعريفات وآليات العمل. كما أن التأجيل يبدو مرتبطاً أيضاً بالجلسة المُقرّرة في 28 آب الجاري لمجلس الأمن، بدعوة من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، لبحث ترتيبات المرحلة التي تلي انتهاء مهمة «اليونيفل» في نهاية العام الجاري.
ووفق الأوراق المُعدّة للاجتماع، يحمل غوتيريش مجموعة من الاقتراحات التي تبقي للأمم المتحدة دوراً في المرحلة المقبلة. وبينما ترفض الولايات المتحدة بحث تمديد مهمة «اليونيفل»، يقترح الأمين العام، في المقابل، عدم التوجه إلى طلب تمديد المهمة بصيغتها الحالية، بل تسريع عملية إنهائها، بالتوازي مع تعزيز حضور أممي بديل. وفي هذا الإطار، يسعى إلى دفع مجلس الأمن نحو قرار يقضي بتعزيز فريق مراقبة الهدنة (UNTSO)، الذي أُنشئ بعد توقيع اتفاقيات الهدنة التي أعقبت قيام كيان الاحتلال، ويضمّ مراقبين عسكريين غير مسلحين ينتشرون على طول الحدود.
ويأمل غوتيريش أن يحظى اقتراح زيادة عديد هذا الفريق وتوسيع انتشاره بالقبول، بالتوازي مع طرح آخر يتعلّق بمكتب المنسّق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، الذي يُطرح اسم الدبلوماسي الفرنسي جان أرنو لتولّي رئاسته بصورة مؤقّتة. ويقضي الاقتراح بتوسيع مهام المكتب وإضافة قوة عسكرية «غير قتالية» إليه، تتولى المساعدة في تنسيق الترتيبات بين لبنان وإسرائيل.
وفيما يبدو أن الرئيس بري يراهن على تحقّق أحد هذين الخيارين، إلا أن المؤشرات الدبلوماسية المتوافرة لا توحي بأن الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، ستسمحان بمرور أي صيغة من هذا النوع. وهو ما يعيد عملياً طرح الخيار الذي يعمل عليه رئيس الجمهورية، ويفسّر تركيزه على التوصّل إلى اتفاق مع قوة أوروبية تحظى بموافقة إسرائيل، لتتولى دوراً في الإشراف على تنفيذ «اتفاق الإطار».
غير أن هذا الخيار ينطوي على إشكالية أساسية: فالقوة الأوروبية المُقترحة لن تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة، بل بموجب اتفاقية تعاون أمني مع لبنان. وهذا يعني، من حيث المبدأ، أن إدخالها إلى لبنان يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء ومصادقة مجلس النواب، باعتبار أن الأمر يتعلّق باتفاقية ذات طبيعة أمنية. إلا إذا كان عون يفترض، مرة أخرى، أنه لا حاجة إلى الأخذ بالطرق الدستورية، متّكلاً على أنه يحظى بحصانة خاصة توفّرها الولايات المتحدة والسعودية من جهة، ويغطيها صمت القوى الأخرى من رئاستي المجلس والحكومة وبقية القوى السياسية والكتل النيابية.
الاخبار
