هل يسدد ترامب “الضربة القاضية” لإيران؟

بعد نحو 6 أشهر من الضربات الجوية الأمريكية على إيران، أعلن الرئيس دونالد ترامب الانتقال إلى مرحلة جديدة، واصفاً إياها بـ”الحرب الاقتصادية غير المسبوقة وعزل إيران بصورة لا مثيل لها في التاريخ”، متوعّداً بعواقب اقتصادية “ضخمة” على كل دولة تتيح لطهران أي شريان حياة، بدءاً من تهريب النفط وصولاً إلى صناديق الصرف، قائلاً إن “جميعها يجب أن تتوقف الآن”.
لكن هل تنجح الحرب الاقتصادية بعيداً عن الحسم العسكري؟.. الإجابة تنقسم بين خبراء متشككين وآخرين يتعاملون مع احتمالات نجاحها بحذر.
“الغضب الاقتصادي” من الأفراد إلى الدول
عملية “الغضب الاقتصادي” (Economic Fury) لم تبدأ مع إعلان ترامب الأخير، بل كانت تعمل بصمت منذ أبريل الماضي، واستهدفت وزارة الخزانة الأمريكية في مرحلتها الأولى أفراداً وشركات تشتري النفط الإيراني أو تتعامل مصرفياً مع طهران.
وخلال هذه الفترة، جُمّد ما يقارب نصف مليار دولار من العملات الرقمية المرتبطة بالنظام، فيما تنتقل العملية الآن إلى مرحلة ثانية، تتجاوز استهداف الأفراد إلى الضغط على الدول.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت، في تصريحات لقناة “CNBC”: “إن أصررتم على التعامل معهم، ستضع حكومة الولايات المتحدة كل قوتها في مواجهتكم. حان الوقت لحلفائنا وبقية العالم لاتخاذ قرار”.
الصين.. العقبة الكبرى
تمثّل الصين الاختبار الحقيقي للعقوبات الأمريكية، كونها تشتري ما بين 80 و90 بالمئة من صادرات إيران النفطية. كما تمر تعاملاتها مع طهران عبر شبكة معقدة من المدفوعات باليوان والوسطاء والمصافي المستقلة المعروفة باسم “teapots”، والمصممة تحديداً لتقليل انكشافها على النظام المالي الغربي.
ويقول وليام فيغيروا، الباحث في العلاقات الصينية-الإيرانية بجامعة غرونينغن في هولندا، لصحيفة “نيويورك تايمز”، إن الأمر “لن يكون كارثياً على الصين لو تأثر تعاملها مع إيران”، موضحاً أن ما تكسبه بكين من هذه العلاقة “أساساً جيوسياسي”.
وهو ما يؤكده أندريا غيسيلي، المتخصص في الشأن الصيني بجامعة إكستر في لندن، الذي يصف حصة النفط الإيراني في واردات الصين بأنها “هامشية ويمكن استبدالها بسهولة من مصادر أخرى”.
في المقابل، يصف بريت إريكسون، خبير العقوبات في مؤسسة “أوبسيديان ريسك أدفايزورز”، المطلب الأمريكي، في تصريحات لـ”بلومبرغ”، بأنه تحدٍّ كبير، قائلاً: “لا شيء كافٍ يمكن لإدارة ترامب تقديمه لإجبار شي جين بينغ على الخضوع العلني. هذا يعني السماح للولايات المتحدة بإجبار الصين على من تتعامل معه، وهو سابقة لا تنوي بكين إرساءها”.
أما كريس كينيدي، المحلل الاقتصادي في “بلومبرغ إيكونوميكس”، فيلفت إلى التناقض البنيوي في الاستراتيجية الأمريكية، متسائلاً: “هل البيت الأبيض مستعد لإعطاء حملته الاقتصادية ضد إيران أولوية فوق علاقته بالصين؟”.
ويضيف أن ذلك، إذا حدث، ستكون له “تداعيات خطيرة”، معتبراً أن “هذه التهديدات الجديدة تبدو اعترافاً بأن الولايات المتحدة بدأت تنفد منها الخيارات”.
كذلك قال جان-فرانسوا دي ميليو، الخبير في الشأن الصيني بمركز آسيا الاستراتيجي في باريس، لمجلة “أتلانتيكو”: “الصين لا تريد مواجهة ترامب. استراتيجيتها بالغة الوضوح: انتظار انحسار العاصفة. وهذا الانتظار ناجح؛ لذا لا سبب للتغيير”.
“إنقاذ النظام” أم “إنقاذ البلد”؟
وبالنسبة إلى طهران، قال الخبير الفرنسي في الشأن الإيراني دافيد ريغوليه-روز، في تصريح خاص لـ”إرم نيوز”، إن طهران “قد تميل إلى المضي في سياسة الهروب إلى الأمام والدخول في مسار تصعيدي”، وهو خيار يفضّله بعض المتشددين بدلاً من الإقرار بضرورة التوصل إلى تسوية.
وأضاف أن “القضية تتمحور حول خيار بديل: إنقاذ النظام بأي ثمن، أم إنقاذ البلاد من أجل شعبها”، مشيراً إلى أنها “معادلة متعددة المجاهيل، ترتبط بغموض النظام”.
ويضع دي ميليو أصبعه على جوهر الإشكالية، قائلاً: “العقوبات تعمل إذا كان الثمن يدفع السلطة المستهدفة إلى الاعتقاد بأن التنازل أقل كلفة من الاستمرار في المواجهة. لكن إذا كان النظام مستعداً لتحميل شعبه كل هذه التكاليف لضمان بقائه، يفقد هذا الآلية فعاليتها”.
ويوضح: “الشيء الوحيد الذي يمكنه حقاً إخضاع النظام هو حرب شاملة. لكن في ضوء ما حدث حتى الآن، لا أحد يبدو مستعداً لذلك”.
ويلخص علي فايز، مدير الملف الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية، المأزق لوكالة “أسوشيتد برس” بالقول: “الشيء الأعمق الذي يفوت ترامب هو أن الشيء الوحيد الذي يراه النظام الإيراني أكثر خطورة من معاناة العقوبات هو الاستسلام لشروط واشنطن. الضغط دون فتح باب للتفاوض هو جهد عبثي بلا جدوى”.
الحساب الأمريكي الداخلي
الصورة من داخل واشنطن تبدو مقلقة أيضاً. فـ56.7% من الأمريكيين يعارضون الحرب، وفق الإحصائي والمحلل السياسي نيت سيلفر، فيما تراجعت شعبية ترامب إلى 33%، وهي أدنى مستوى في ولايته الثانية.
وكتب النائب الجمهوري توماس ماسي على منصة “إكس”: “الولايات المتحدة خرجت مُنهكة من هذه الحرب: استنفدت دفاعاتها الصاروخية، استنزفت احتياطياتها النفطية، ضحّت بجنودها، رفعت أسعار السلع، زادت ديونها، وأهملت احتياجاتها الداخلية”.
وبحسب موقع “MilitarySpend”، بلغت تكاليف الحرب حتى الآن 40.6 مليار دولار، في حين وصل الدين الوطني الأمريكي إلى 40 تريليون دولار.
وبينما تراهن واشنطن على أن يؤدي توسيع نطاق العقوبات إلى خنق قدرة طهران على الصمود، تظل الأسئلة الأصعب مرتبطة بقدرة هذه الاستراتيجية على دفع النظام الإيراني إلى التنازل، من دون أن تتحول في المقابل إلى مواجهة أوسع أو إلى عبء داخلي على الولايات المتحدة نفسها.
erem news
