🟠من نبيل إلى أنطون: ماذا تكشف الوثائق عن شبكة صحناوي وإسرائيل؟

حين ظهرت في تموز 2026 صورة المصرفي أنطون صحناوي جالساً إلى مائدة واحدة مع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو في واشنطن، بدا المشهد في لبنان كأنّه حدث مفاجئ. لكنّ العودة إلى الأرشيف تكشف أن أهمية الصورة لا تكمن فقط في ما حدث في واشنطن، بل في أنها تعيد فتح مسار أقدم بكثير، يمتدّ إلى أكثر من أربعة عقود، ويبدأ باسم آخر من العائلة نفسها، نبيل صحناوي، والد أنطون.
ففي عام 1983، وفي ذروة محاولة «إسرائيل» تحويل نتائج اجتياحها للبنان إلى ترتيبات سياسية ودبلوماسية أكثر استدامة، ظهر اسم نبيل صحناوي في مراسلات مرتبطة بوزارة الخارجية الإسرائيلية. وبعد أكثر من أربعين عاماً، يظهر ابنه في شبكة تخدم الهدف ذاته لكنّها تختلف جذرياً في أدواتها ومراكزها
لفهم أهمية ما تكشفه الوثائق عن نبيل صحناوي، لا بد أولاً من العودة إلى السياق الإسرائيلي في لبنان بعد اجتياح عام 1982. فإسرائيل لم تكن تسعى فقط إلى إخراج منظمة التحرير الفلسطينية وإبعاد التهديد العسكري عن حدودها الشمالية، بل كانت تحاول أيضاً إنتاج واقع سياسي لبناني مختلف تستطيع من خلاله الانتقال من الاحتلال العسكري إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر ثباتاً.
كان اتفاق 17 أيار 1983 التعبير الأوضح عن هذا الطموح. فقد أنشأ الاتفاق آليات اتصال رسمية بين لبنان و«إسرائيل»، من بينها لجنة اتصال مشتركة، وفتح الباب أمام إقامة مكاتب اتصال بين الطرفين. وتشير دراسات عبرية منشورة اعتمدت على أرشيف «دولة إسرائيل» إلى أن الاتفاق كان جزءاً مركزياً من الرؤية الإسرائيلية لمستقبل العلاقة مع لبنان بعد الحرب.
غير أن بناء علاقة سياسية لا يتحقّق من خلال الحكومات وحدها. في بلد منقسم سياسياً وطائفياً، كانت «إسرائيل» بحاجة أيضاً إلى الوصول إلى مصرفيين ومحامين ورجال أعمال وشخصيات اجتماعية وسياسية قادرة على التحرك خارج القنوات العسكرية الرسمية. وفي هذا السياق بالتحديد يظهر اسم نبيل صحناوي في وثيقتين إسرائيليتين تعودان إلى تموز 1983.
منزل صحناوي: لقاء يتجاوز العشاء الاجتماعي
المذكّرة الأولى مؤرّخة في 8 تموز 1983، وتوثّق زيارة المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية إلى بيروت يومي 6 و7 تموز. ضمن البرنامج، تسجّل الوثيقة إقامة استقبال مسائي في منزل نبيل صحناوي شارك فيه نحو أربعين شخصاً، بينهم ممثّلون إسرائيليون ومصرفيون واقتصاديون ومحامون، وشخصيات تنتمي إلى عائلات مسيحية بارزة.
لكن ما يمنح اللقاء أهميته هو ما تقوله الوثيقة عن طبيعة الاتصال. فوفق المذكّرة الإسرائيلية، أبلغ بعض المدعوّين المسؤولين الإسرائيليين أن تلك كانت المرة الأولى التي يتواصلون فيها معهم في بيروت، وعبّروا عن رغبتهم في استمرار هذه الاتصالات وتعميقها. كما قدّم المسؤول الإسرائيلي إحاطة للحاضرين، أعقبتها أسئلة ومناقشات، بما يجعل الاجتماع أقرب إلى مساحة اتصال سياسي واجتماعي منه إلى مناسبة شخصية عابرة.
وتتضمّن الوثائق لائحة جزئية للضيوف يظهر فيها اسما نبيل وموريس صحناوي إلى جانب شخصيات من قطاعات المال والأعمال والقانون. وبذلك، يمكن قراءة منزل صحناوي في تلك الليلة باعتباره منصة أتاحت لمسؤولي الخارجية الإسرائيلية الوصول إلى شريحة من النخبة اللبنانية، بمن في ذلك أشخاص لم تكن تربطهم بالإسرائيليين، وفق الوثيقة نفسها، اتصالات سابقة مباشرة في بيروت. ومن المهم الإشارة إلى أن خطوة صحناوي ليست فريدة في تلك الفترة، فقد كان عدد من الشخصيات اللبنانية الرسمية وغير الرسمية يتسابق حينها لخدمة الأهداف الإسرائيلية في لبنان.
تكتسب هذه الواقعة دلالة كبرى عند وضعها في سياق المشروع الإسرائيلي آنذاك. ففي الوقت الذي كانت فيه تل أبيب تحاول تحويل نتائج الحرب إلى علاقة تتجاوز الانتشار العسكري، كان هذا النوع من اللقاءات يمنح مسؤوليها فرصة لبناء شبكة مدنية من الاتصالات داخل لبنان، وهو ما جعل دور الشخص القادر على جمع هذه النخب ذا قيمة سياسية تتجاوز مجرّد الاستضافة.
من فتح الأبواب إلى البحث عن مقر إسرائيلي
بعد نحو عشرة أيام فقط، يظهر اسم نبيل صحناوي مجدّداً في مذكّرة أكثر حساسية، مؤرّخة في 18 تموز 1983 وتحمل توقيع المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية ديفيد كيمحي. كان الموضوع هذه المرة مرتبطاً بمساهمة صحناوي في معاينة عقارات كان الإسرائيليون يبحثون بينها عن مقر لما وصفته الوثيقة بـ«تمثيلنا».
بحسب المذكّرة، رافق صحناوي المسؤولين الإسرائيليين إلى مبنيين كانا موضع دراسة، واعتبر الوفد أن العقارين مناسبان، والتقت المجموعة مالك أحدهما. وبالتالي تثبت الوثيقة مشاركة صحناوي في عملية البحث عن مكان لوجود إسرائيلي رسمي مستمر داخل لبنان.
وتزامن ذلك مع تقديرات أميركية رسمية في تلك المرحلة بأن «إسرائيل» تتجه نحو وجود طويل الأمد في جنوب لبنان. ففي مذكّرة استخبارية أميركية رسمية تناولت تداعيات البقاء غير المُحدّد في لبنان، قُدّر أن «إسرائيل» تبدو «مُصمِّمة على إبقاء قواتها في الجنوب لفترة مفتوحة».
في أواخر عام 1983، وبعد أشهر من البحث عن مقر جديد، انتقلت البعثة الإسرائيلية التي كانت تعمل في لبنان منذ ما بعد اجتياح 1982 إلى مقر جديد في ضبية شمال بيروت، بعدما تنقّلت سابقاً بين بعبدا واليرزة. وتشير المصادر الإسرائيلية إلى أن مقر ضبية كان في مبنى مكاتب تولّت وحدة من الجيش اللبناني حماية الطاقم الموجود فيه. وعند إغلاق المكتب في تموز 1984، أفادت تقارير بأن نحو ثلاثين دبلوماسياً إسرائيلياً ومُلحقاً عسكرياً وتجارياً كانوا يعملون فيه، إلى جانب مسؤولين لبنانيين، فيما كان جنود من الجيش اللبناني يحرسون المقر. ووصفت الخارجية الأميركية المقر آنذاك بأنه آلية اتصال بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية لحل المسائل العملية، فيما كان من أبرز وظائفه إصدار تصاريح الحركة إلى جنوب لبنان وتسهيل إجراءات مرتبطة بعبور الأشخاص والبضائع.
أنطون على خُطى أبيه:
من بيروت إلى شبكات واشنطن
بعد أكثر من ثلاثة عقود، يتغير المشهد كلياً. لم تعد «إسرائيل» تبحث عن مكتب اتصال علني في بيروت، ولم تعد أدوات النفوذ الأساسية مرتبطة بمقرات دبلوماسية تنشأ في ظل وجود عسكري. فهذا لم يعد ممكناً أصلاً بفعل تغيّر الظروف وبروز تيارات سياسية فاعلة ترفض الخضوع لأهداف «اسرائيل». لذلك، في المرحلة الجديدة، أصبحت واشنطن ومؤسساتها السياسية والمالية والثقافية والإعلامية إحدى أهم ساحات بناء العلاقات والتأثير. ومن خلال الدور الأميركي يتم السعي لتحقيق أهداف «إسرائيل» في لبنان.
هنا يظهر أنطون صحناوي داخل شبكة مختلفة في الشكل، لكنها تقوم بدورها على الوصول إلى مؤسسات وشخصيات نافذة. ومن أبرز الأسماء التي تفتح الباب لفهم هذه الشبكة دانيال غلايزر، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية الذي انتقل بعد خروجه من الحكومة إلى العمل مستشاراً لصاحب القرار في أحد أبرز المصارف اللبنانية.
في أيلول 2017، أعلن مصرف SGBL (سوسيته جنرال) تعيين غلايزر مستشاراً أولَ لرئيس مجلس إدارته أنطون صحناوي. وكان غلايزر قد أمضى أكثر من عشرين عاماً داخل وزارة الخزانة الأميركية، وشغل منصباً رفيعاً مرتبطاً بمكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية. وفي شهادة أمام الكونغرس عام 2016، تحدّث بصورة مباشرة عن تعاون وزارة الخزانة الأميركية مع السلطات والمصارف اللبنانية بهدف عزل حزب الله مالياً وتقليص قدرته على استخدام النظام المصرفي الدولي.
ما كان غلايزر جزءاً من البيئة الأميركية التي تعاملت مع ملف المصرف اللبناني الكندي، الذي صنّفته وزارة الخزانة عام 2011 «مصدر قلق رئيسياً في غسل الأموال»، وربطت شبكات مالية محيطة به بأنشطة غسل أموال وبحزب الله، قبل أن تتولى وزارة الخزانة نفسها، الإشراف على عملية دمج المصرف الذي تمّت تصفيته لمصلحة SGBL الذي وافق مصرف لبنان على منحه معظم أصول المصرف اللبناني الكندي عبر صفقة بلغت قيمتها نحو 580 مليون دولار وفق أوراق التسوية القضائية الأميركية.
تضع هذه الوقائع الرجلين، صحناوي وغلايزر، داخل سياق سياسي ومالي يخدم مصالح «إسرائيل». فالخبير الذي أصبح مستشاراً لصحناوي كان أحد المسؤولين الأميركيين البارزين في إدارة الأدوات المالية ضد حزب الله، وهو ملف يمثّل في الوقت نفسه أولوية أمنية واستراتيجية دائمة بالنسبة إلى «إسرائيل».
علاقة تتحوّل إلى شبكة مؤسساتية
مع الوقت تطوّرت العلاقة بين صحناوي وغلايزر إلى علاقة مؤسساتية أكثر استمرارية. ففي مرحلة أولى، ظهر غلايزر في سياق مرتبط بالقطاع المصرفي اللبناني وبصحناوي، قبل أن يُصبِح عضو مجلس إدارة في معهد النزاهة المالية (Financial Integrity Institute)، ووفق السجلّ الرسمي للمعهد. وتشير معلومات غير رسمية إلى وجود تعاون بين أنطون صحناوي والمعهد. وهذا يعني أن الطرفين يتعاونان اليوم ضمن إطار مؤسساتي واحد يهتم مباشرة بالسياسات المالية والعقوبات ومكافحة التمويل غير المشروع.
وتبرز أهمية هذه العلاقة من طبيعة عمل غلايزر نفسه والمعهد الذي يرأسه. فهو من الشخصيات الأميركية المتخصّصة في أدوات العقوبات المالية ومكافحة تمويل الإرهاب والجرائم المالية، بينما يعمل المعهد على قضايا الامتثال والعقوبات والنزاهة المالية، بما في ذلك تدريب مؤسسات ومصارف على تطبيق هذه القواعد. وبالتالي، فإن وجود تعاون بين صحناوي والمعهد يضعه ضمن شبكة مهنية في واشنطن تضم مسؤولين وخبراء سابقين شاركوا في تطوير أو تطبيق أدوات السياسة المالية الأميركية، التي تهدف بطبيعة الحال إلى الضغط على كل من يعادي «إسرائيل».
وتكتسب هذه الصلة أهمية إضافية عند النظر إليها من لبنان، حيث تحوّلت العقوبات الأميركية خلال السنوات الماضية إلى عامل مؤثّر مباشرة في عمل القطاع المصرفي وفي علاقته بالمقاومة والجهات المرتبطة بها. فقد اضطرت المصارف اللبنانية إلى مواءمة سياساتها وإجراءاتها مع التشريعات والعقوبات الأميركية، كما أصدر مصرف لبنان تعاميم لتنظيم كيفية التعامل مع الأشخاص والمؤسسات المشمولين بهذه العقوبات.
حين تصبح الثقافة أداة سياسية
في عام 2025، انتقلت العلاقة بين صحناوي وغلايزر إلى ملفات تتعلّق بالثقافة، في مساحة تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن المصارف والعقوبات. وأسّسا معاً «مبادرة الأوبرا الأميركية الإسرائيلية»، التي أُطلقت في مركز كينيدي في واشنطن من خلال عرض «ثيودور»، وهو عمل يتناول شخصية ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية السياسية.
ومن المهم هنا الإضاءة على الطريقة التي شرحت بها مستشارة صحناوي هاجر شمالي أهداف المشروع. ففي مقابلة مع Washington Jewish Week، قالت إن صحناوي يؤمن بأن السينما والمسرح والأوبرا يمكن أن تُستخدم لتعزيز العلاقات الدولية ونقل رسائل جيوسياسية، وأضافت أن من أهداف دعمه للمبادرة تعزيز «إسرائيل» والعلاقة الأميركية – الإسرائيلية ومنح الفنانين الإسرائيليين منصة دولية. كما تذكر شمالي أن دعم «إسرائيل» والصهيونية يمثّل جزءاً من ثقافة تمتد عبر أجيال في عائلة صحناوي، وأن أنطون يربط وجود «إسرائيل» بمستقبل لبنان والمنطقة.
بهذا التوصيف، تخرج المبادرة من إطار الرعاية الثقافية التقليدية وتدخل بوضوح في مجال القوة الناعمة. فالهدف السياسي لم يُنسب إلى صحناوي من خصم أو مُنتقِد، بل جاء على لسان شخصية تعمل ضمن دائرته، وقدّمت النشاط الثقافي بوصفه وسيلة لتعزيز صورة «إسرائيل» وعلاقاتها الدولية.
إلى جانب النشاط الثقافي، تكشف المتابعة عن مساهمات مالية قدّمها صحناوي لمؤسسات أميركية بارزة تخدم الأهداف الاسرائيلية. ويبرز هنا متحف «ذكرى الهولوكوست في الولايات المتحدة»، حيث أعلن صحناوي، في نيسان 2026، الكشف عن نقش يحمل اسمه واسم الموفدة الأميركية السابقة إلى لبنان، والضابط في استخبارات البحرية الأميركية مورغان أورتاغوس على جدار المتبرّعين في المتحف.
وتؤكد قواعد التكريم المنشورة على الموقع الرسمي للمتحف أن النقش على هذا الجدار مُخصّص للهبات التي تبلغ قيمتها 50 ألف دولار أو أكثر، ما يشير إلى أن اسم أنطون أُدرج مقابل مساهمة مالية بلغت هذا الحد على الأقل. وذكر الإعلام الإسرائيلي أن أنطون بهذه الخطوة يُصبِح أول لبناني يُنقش اسمه على جدار المتبرّعين في المتحف.
وبالتالي تصبح أموال صحناوي جزءاً من حضور أوسع داخل شبكة من المؤسسات والفعّاليات الأميركية التي تتصل بإسرائيل، والعلاقة الأميركية – الإسرائيلية، والذاكرة السياسية اليهودية في واشنطن.
قبل عشاء نتنياهو: مساحة سياسية تتشكّل
من أكثر حلقات هذه الشبكة حساسية علاقة صحناوي بأورتاغوس، بعدما برز اسمها في لبنان حين تولّت دوراً مباشراً في لبنان بوصفها نائبةً للمبعوث الرئاسي الخاص إلى الشرق الأوسط، وشاركت في الاتصالات والمسارات المتعلقة بلبنان وإسرائيل. وبالتالي كانت العلاقة بين أورتاغوس والصحناوي قد قامت على أساس التوافق بين رجل أعمال لبناني ذي مواقف مؤيّدة لإسرائيل وشخصية رسمية أميركية تولّت دوراً رسمياً في ملف يمسّ بصورة مباشرة العلاقات اللبنانية – الإسرائيلية، قبل أن تقوم علاقة شخصية بين الاثنين. ولم تظهر علاقة صحناوي وأورتاغوس فقط في إطار شخصي. ففي تموز 2026، وقبل عشاء نتنياهو، استضاف الاثنان مناسبة مرتبطة بكتاب The Arab Case for Israel للباحث حسين عبد الحسين.
بحسب المادة المنشورة على موقع أورتاغوس، جمعت المناسبة دبلوماسيين وصنّاع سياسات وصحافيين ورجال أعمال وشخصيات من الجاليات اللبنانية والإسرائيلية والأميركية، وكان النقاش يدور حول السلام والعلاقات العربية – الإسرائيلية. أمّا الكتاب نفسه فيطرح أطروحة صريحة ترى أن السلام العربي غير المشروط مع «إسرائيل» يصبّ في المصلحة الاستراتيجية للدول العربية.
تكتسب هذه المناسبة أهميتها عند وضعها ضمن سياق مُتدرِّج من النشاطات والعلاقات. فقد سبقتها مساهمة في تمويل مبادرة ثقافية أميركية – إسرائيلية حملت أهدافاً سياسية مُعلنة، ثم برزت منصة فكرية وسياسية جمعت دبلوماسيين وشخصيات نافذة حول خطاب يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقات العربية مع «إسرائيل». وبعد ذلك، جاء العشاء الذي شارك فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، ليشكّل حلقة إضافية ضمن هذا المسار.
ويُظهِر هذا التسلسل وجود شبكة من المساحات التي تتقاطع فيها السياسة والمال والثقافة والإعلام والعلاقات الشخصية، وتتحوّل إلى أطر يُناقش داخلها، بصورة علنية، مستقبل العلاقات العربية – الإسرائيلية وقضايا التطبيع وإعادة تشكيل هذه العلاقات.
مائدة نتنياهو: حين يصبح الوصول نفسه مصدر نفوذ
في 27 تموز الماضي، ظهر أنطون صحناوي إلى مائدة حضرها بنيامين نتنياهو في واشنطن. ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول إسرائيلي ومصدر مطّلع على المناسبة أن صحناوي وأورتاغوس شاركا في تنظيم العشاء.
في عالم السياسة، هناك فرق بين أن تتم دعوتك إلى مناسبة وبين أن تكون قادراً على المشاركة في جمع شخصيات نافذة داخلها. هذه القدرة تُعرف أحياناً بـconvening power، أي قدرة فاعل غير حكومي على جمع مسؤولين وسياسيين ورجال أعمال وصنّاع قرار داخل مساحة واحدة، وهي بحدّ ذاتها شكل من أشكال النفوذ. وبالتالي فإن الوصول المباشر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلى جانب الدور التنظيمي الذي لعبه أنطون في العشاء، يضعانه في موقع مختلف تماماً عن مجرد رجل أعمال ظهر صدفة في مناسبة سياسية.
من نبيل إلى أنطون: تتغيّر الأدوات وتبقى وظيفة الوصول
عند ترتيب هذه الوقائع زمنياً، تظهر صورة أكثر تماسكاً. ففي عام 1983، يظهر نبيل صحناوي في وثائق إسرائيلية وهو يوفّر لمسؤولين إسرائيليين مساحة لقاء مع مصرفيين ومحامين واقتصاديين وشخصيات لبنانيين، ثم يرافق مسؤولين إسرائيليين في عملية البحث عن عقار لتمثيلهم داخل لبنان.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، يظهر أنطون صحناوي في بيئة مختلفة تماماً. فهو يبني علاقة طويلة مع مسؤول أميركي سابق لعب دوراً مهماً في منظومة العقوبات وتمويل الإرهاب، وينضم معه إلى مؤسسة تعمل في النزاهة المالية، ثم يؤسّس معه مشروعاً ثقافياً أميركياً – إسرائيلياً، هدفه الصريح، بحسب مستشارته، دعم «إسرائيل» والعلاقة الأميركية – الإسرائيلية.
إلى ذلك، تظهر مساهمة مالية موثّقة بما لا يقل عن 50 ألف دولار لمتحف الهولوكوست الأميركي، وعلاقة وثيقة بمسؤولة أميركية أدارت الملف اللبناني، ثم استضافة مناسبة فكرية تتمحور حول أطروحة مؤيّدة للسلام العربي غير المشروط مع «إسرائيل»، وصولاً إلى المشاركة في تنظيم عشاء يحضره نتنياهو.
من هنا يمكن القول إنه على امتداد جيلين، تظهر عائلة صحناوي في مواقع تؤدّي بصورة متكررة وظيفة الوساطة وتوفير الوصول إلى مسؤولين وشخصيات ومؤسسات تتصل بإسرائيل أو بخطاب سياسي مؤيّد لها.
الاختلاف الأساسي بين المرحلتين يكمن في الأدوات. مع نبيل صحناوي في ثمانينيات القرن الماضي كانت الأدوات هي المنزل والنخبة اللبنانية والعقار الذي يجري البحث عنه لتمثيل «إسرائيل». أمّا مع أنطون، فأصبحت الأدوات هي المال وواشنطن والمؤسسات المالية والثقافة والعلاقات الدبلوماسية والإعلام والمساحات التي تجمع صنّاع القرار. وهنا تفوّق الولد على أبيه، فقد بنى شبكة علاقات أكثر تأثيراً ووضعها في خدمة «اسرائيل».
بناءً على كل ما سبق، لا يظهر أنطون صحناوي كرجل أعمال يملك شبكة علاقات واسعة فحسب، بل كحلقة ربط فاعلة بين المال والسياسة والإعلام والثقافة من جهة، والدوائر الأميركية والإسرائيلية من جهة أخرى. وظيفته الأساسية، كما تعكسها الوقائع الواردة في المقال، هي فتح القنوات، جمع الأشخاص، تمويل المساحات، وربط شخصيات لبنانية وعربية بدوائر نافذة في واشنطن وتل أبيب. بمعنى آخر، هو لا يكتفي بتبنّي مواقف مؤيّدة لـ«إسرائيل»، بل يملك القدرة على تحويل هذه المواقف إلى علاقات ومبادرات ومنصات واتصالات تخدم عملياً توسيع الحضور الإسرائيلي داخل دوائر سياسية واجتماعية عربية ولبنانية. وهنا يصبح وسيط نفوذ يعمل على بناء الجسور وتسهيل الوصول وتهيئة البيئة السياسية والاجتماعية التي تسمح لإسرائيل بتحقيق أهدافها في مختلف المجالات.
الاخبار

