🟠معركة شدّ الخناق بين طهران وواشنطن…ولبنان على رصيف الانتظار!

طهران وواشنطن: معركة شدّ الخناق

أما وانّ المواجهة بين واشنطن وطهران انتقلت من تبادل القصف إلى تبادل اللدغات بعقارب الساعة، فإنّ اللعب مع الوقت وعليه أصبح يطبع هذه المرحلة من الحرب التي تبدّل جلدها تبعاً للظروف المتحركة.

بعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخوض المفاوضات مع إيران على وقع جولات متلاحقة من التصعيد العسكري الرامي إلى الضغط على طهران لتطويعها، ها هو يبدّل تكتيكه ويعلّق العمليات الحربية حتى إشعار آخر، بعدما استنفدت كثيراً من أغراضها وطاقتها، من دون أن تستطيع تحقيق الأهداف السياسية المرسومة لها، مقرّراً اعتماد شكل آخر من أشكال المواجهة.

لقد ارتأى ترامب بعد أشهر من المدّ والجزر العسكريين، أن يترك الحصار البحري والاقتصادي يأخذ مداه حتى أقصى الحدود الممكنة، مفترضاً انّه سيؤدي مع مرور الأيام والأسابيع إلى اهتراء إيران من الداخل، ودفعها نحو تقديم تنازلات في الملفات العالقة تحت وطأة التضخم المتزايد وتراجع قيمة العملة الوطنية وارتفاع الأسعار والنقص في بعض المواد التي يتعذّر استيرادها عبر البحر.

وبهذا المعنى، يراهن ترامب على أن يُنجز السلاح الاقتصادي الكاتم للصوت ما عجزت عنه الصواريخ والطائرات والبوارج والمسيّرات، واضعاً في حسابه فرضية أن تعليق الضربات العسكرية ضدّ إيران سيؤدي شيئاً فشيئاً إلى ارتخاء العصب القومي الذي اشتد في مواجهة الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي، ودفَع الإيرانيين على اختلاف تياراتهم، إلى دعم النظام وتجاوز الانقسام حول القضايا الخلافية الداخلية، لمصلحة أولوية صدّ الخطر الخارجي.

وبناءً على هذه المقاربة، يأمل ترامب في أن يؤدي تجميد الهجمات مقابل مواصلة الضغوط الاقتصادية، إلى الاستنزاف التراكمي لقدرات الدولة الإيرانية وتحريك ما يظن انّه جمر شعبي كامن تحت الرماد، على وقع تفاقم الهموم الاجتماعية والمعيشية التي كانت مؤجّلة في مرحلة القتال، وصولاً إلى دفع المواطنين الإيرانيين في اتجاه الاعتراض على واقعهم الصعب، وتحميل النظام المسؤولية عمّا وصلت اليه الأمور، ورفع الصوت الاحتجاجي ضدّه، في محاولة جديدة لإضعافه من الداخل، بعدما أدّت الحرب إلى تقوية عصبه وليس العكس. وهذا كله يتطلّب وفق الحسابات الأميركية الصبر والوقت، إنما مع الأخذ في الحسبان مزاجية ترامب الذي قد يمل فجأة من خيار شدّ الخناق الاقتصادي على إيران ويعود إلى التصعيد العسكري.

على الضفة الأخرى، تستثمر طهران أيضاً سلاح الوقت في مواجهة الأميركيين، وهي التي تحترف اصلاً استخدامه ربطاً بخبرتها في حياكة السجاد التي تتطلّب نَفَساً طويلاً، حتى قيل إنّها تكاد تكون أبرع من «يذبح بالقطنة».

وضمن هذا السياق، تلعب إيران على الأوتار الحساسة الآتية لدى الإدارة الأميركية:

ـ نجاحها في التحكّم بمضيق هرمز والاستحواذ على غالبية مفاتيح بواباته، ما يمنحها القدرة على تعطيل إمدادات الطاقة عبره كلما اقتضت حساباتها ذلك، الأمر الذي من شأنه أن يصيب الاقتصاد الأميركي والعالمي بتداعيات وخسائر مكلفة كلما طال أمد إقفال المضيق الذي أصبح من أهم أوراق القوة في حوزة طهران.

– التأثير المباشر على المواطن الأميركي عبر ربطه بأزمة «هرمز» من خلال ارتفاع سعر الوقود، في ظل عدم وجود حماسة للحرب اصلاً وانخفاض غير مسبوق في شعبية ترامب، ما يعني انّه كلما تمكنت إيران من تمديد مأزقه في المستنقع مع مرور الوقت كلما زاد موقفه حراجة.

– اقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس، ما يضيّق هامش حركة ترامب ويحيل طهران إلى ناخب أساسي في هذه الانتخابات، وهي تعوّل على توجيه ضربة مؤلمة له ولحزبه في صناديق الاقتراع، بحيث انّها ستحاول عدم منحه اي إنجازات نوعية حتى موعد الانتخابات، لئلا يستفيد منها في الفوز.

ـ تراجع المخزون الاستراتيجي للجيش الأميركي من الذخائر التي يحتاج اليها في أي هجوم واسع وجديد على إيران، ما شجّع طهران على التشدّد في مطالبها خلال الفصل الأخير من المفاوضات.

ولما انّ الروزنامة أصبحت جزءاً من أدوات النزاع بين إيران والولايات المتحدة، فإنّ الملف اللبناني ليس منفصلاً عنها، وهو يقبع أيضاً على رصيف الانتظار إلى حين اكتمال التسوية النهائية او استكمال الحرب المعلّقة.

عماد مرمل- الجمهورية

مقالات ذات صلة