🟠الجولة السّابعة تنتهي إلى ما بدأته الجولة الأولى…والحزب يفشل بتحرير شبر!

الجولة السّابعة تنتهي إلى ما بدأته الجولة الأولى
خرجت المفاوضات اللبنانيّة الإسرائيليّة في روما، في اليوم الثالث، أسوأ ممّا افتُرض أنّ الجولة السابعة ستكون عليه. لم يتحقّق أيّ من بنود جدول الأعمال الذي ذهب به الوفد اللبنانيّ، من دون أن تبدو ضغوط معارضتها أقلّ وطأة. في يومها الأوّل خوَّن “الحزب” عبر أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم رئيس الجمهوريّة جوزف عون، مستخدماً شهرته، كي يقول عنه إنّه “عون” لإسرائيل. في المقابل، في اليوم الأوّل أيضاً، ضاعفت إسرائيل ضغوطها الموازية على الأرض وعلى الطاولة في آن واحد لرفض كلّ ما طالب به لبنان. تقاطعت بذلك ضمناً مع “الحزب” على فكرة واحدة هي عدم جدوى الاتّفاق اللبنانيّ- الإسرائيليّ.
كان من المفترض لتوقيت مفاوضات روما أن تؤتي ثماراً أفضل من الجولات التي سبقتها. بيد أنّ حقائق جديدة أحبطتها:
1- تلت اجتماع الرئيس جوزف عون بالرئيس دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 تمّوز، بعد الإطراء الذي لم يضفِه الرئيس المضيف على ضيفه فقط، بل وعلى لبنان سياسيّاً وأخلاقيّاً، حين قال إنّ لبنان أسيئت معاملته، وسيساعده، وسيحلّ الكثير من مشكلاته، علاوة على ما فاجأ ترامب عون بإبداء استعداده التحاور مع “الحزب” إذا طلب منه نظيره اللبنانيّ، على الرغم من معرفة الرئيس الأميركيّ أنّ قوانين بلاده تحظر عليه، كما على أيّ مواطن أميركيّ آخر، التواصل مع حزب موصوف بمنظّمة إرهابيّة ومدرج في لائحة العقوبات الأميركيّة.
مع ذلك، لم يتردّد السفير الأميركيّ ميشال عيسى، في مناسبة اجتماعيّة في بيروت لاحقة على اجتماع واشنطن، في إيجاد تبرير لكلام ترامب. ما إن سئل عن تفسيره كلام رئيسه، أجاب ببراغماتيّة: “لِمَ لا؟! لا مشكلة في الأمر إذا كان في الإمكان التوصّل من خلال الحديث معه إلى حلّ لتخلّصه من سلاحه. نحكي معه إذا كان مستعدّاً أن يفعل ومقتنعاً”.
كلّ ذاك الإطراء في واشنطن لم يُعثر عليه في مفاوضات روما. وخلافاً لتوقّع البعض، غدا ارتداد محادثات البيت الأبيض على مفاوضات السفارة الأميركيّة في العاصمة الإيطاليّة أكثر من مخيبّ.
انتخابات بالأحزمة الصُّفر الثّلاثة
2- رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو يجري حملته للانتخابات الإسرائيليّة القريبة من خلال الأحزمة الصفر الثلاثة: في غزّة وسوريا ولبنان. بذلك يبدو أكثر استعداداً للمضيّ في الحرب، وفي الوقت نفسه أكثر تمسّكاً بابقاء احتلال جنوب لبنان، ملاقياً استطلاعات إسرائيليّة تعزّز شغفه بالاستمرار في الحرب والاحتلال في آن في تلك الأحزمة الثلاثة.
3- إخفاق تجربة المنطقة النموذجيّة واقتصارها على زوطر الغربيّة، غير المحتلّة والأقلّ كلفة على إسرائيل في شمال نهر الليطاني، والأقلّ أهميّة استراتيجيّة عسكريّة بالنسبة إليها، دونما توسّعها إلى مناطق أخرى. كان يقتضي أن تلي المنطقة التجريبيّة الأولى ثانية اشترطها الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. رفضت إسرائيل في روما ما وافقت عليه في واشنطن في 26 حزيران، وهو المنطقة التجريبيّة الثانية، ولا تزال تمانع التفاهم على آليّة تحقّق من جدّيّة تطبيق تلك كشرط مكمّل لنشوء مناطق تجريبيّة لاحقة. على الرغم من انتشار الجيش اللبنانيّ في زوطر الغربيّة، لا يمكّنه وجوده فيها من تحصين مواقعه ما دامت المنطقة الأولى بلا ضمانات وآليّة مراقبة منتظمة.
واقع ما تكتمه فكرة المنطقة التجريبيّة بغية إظهار تعذّرها ثمّ إخفاقها، أنّها واجهة ما هو أخطر يُعدّ للمنطقة الصفراء المحتلّة. ذاك على الأقلّ ما يجهر به مطّلعون على موقف دول في الاتّحاد الأوروبيّ يوجّهون الانتباه إلى الحزام الأصفر على أنّه لبّ المشكلة: لا يزال اقتراح الرئيس الأميركيّ إنشاء منطقة اقتصاديّة حرّة في الحزام يراوح مكانه ويتّسم بجدّيّة على الرغم من رفض لبنان له.
ليس استمرار أعمال التفجير والهدم والجرف وتغيير جغرافية المكان سوى أحد الأسباب المباشرة لمحو ما كان عليه الجنوب في مرحلة ما قبل 2 آذار، وتالياً تكريس احتلاله تحت مسمّى أنّ الحزام الأصفر هو خطّ أمان الشمال الإسرائيليّ، فيما هو في الواقع يفصل جنوب لبنان عن شماله. القائم الآن تخيير إسرائيل ولبنان، بتواطؤ أميركيّ ضمنيّ، بين منطقة صفراء محتلّة ومنطقة اقتصاديّة عازلة. كلتاهما خارج السيادة اللبنانيّة.
لا عودة عن المفاوضات
4- الخيار القاطع الذي اتّخذه لبنان الرسميّ، وتحديداً رئيس الجمهوريّة، أن لا عودة في أيّ حال إلى ما قبل 26 حزيران، تاريخ إعلان الاتّفاق اللبنانيّ الإسرائيليّ. ما أقدم عليه الرئيس أمين الجميّل عام 1983 بتعليق اتّفاق 17 أيّار ما إن جهر برفض إبرامه بعدما نقضته إسرائيل وتغاضى الأميركيّون عن الإخلال به، لن يقدم عليه الرئيس الحاليّ ما إن ذهب بموقف لم يجرؤ عليه أيّ من أسلافه: إنهاء العداء مع إسرائيل، قبل الانتقال بالاتّفاق المعقود معها إلى المقلب الآخر من الوادي، وهو السلام النهائيّ.
تالياً أقوى حجج الرئاسة اللبنانيّة في خيارها هذا أنّ الخطوة الأولى فيه هي أصل الانتصار والنجاح الذي لن يحول دونه التعثّر ولا بطء النتائج. ذلك ما برّر في ما مضى، في الجولات الست للتفاوض المباشر منذ أولاها في 14 نيسان في واشنطن وانتهاء بسابعتها في روما في 4 آب، مثابرة لبنان عليها دونما مكاسب مجدية، راح يصفها “الحزب” بأنّها تنازلات مجّانيّة. ما يُسمع رئيس الجمهوريّة يقوله أنّه لن يعدم وسيلة لفرض إنهاء الحرب مع إسرائيل.
فشل “الحزب” بتحرير شبر
5- مغزى تزامن موقف “الحزب” عبر أمينه العامّ الشيخ نعيم قاسم، في اليوم الأوّل لمفاوضات روما، بدعوة السلطات الرسميّة إلى إجراء حوار “مع المقاومة” وتضافر جهودهما لفرض الانسحاب الإسرائيليّ. مع أنّها المرّة الأولى التي يتوجّه فيها بدعوة صريحة على نحو كهذا، ويُخوّن المدعوّ إلى الحوار ويطلب الجلوس معه إلى طاولة واحدة.
ليست الدعوة هذه سوى الوجه الآخر، ليس للانقسام الداخليّ الحادّ الطائفيّ في شقّ رئيس منه فحسب، بل لإخفاق خيارَيْ المواجهة مع إسرائيل: بينما لم تحرز الدبلوماسيّة التي يدافع عنها رئيس الجمهوريّة الكثير المجدي لدفع الدولة العبريّة إلى الانسحاب حتى الآن، وفشل “الحزب” وهو يتمسّك بسلاحه في تحرير شبر واحد من المناطق التي احتلّتها القوّات الإسرائيليّة وفي كفّ اعتداءاتها، متّخذاً أخيراً موقع الدفاع عن النفس كميليشيا وتنظيم مسلّح أكثر منه كمقاومة تواجه وتتقدّم، وهو ما برّر ولا يزال ما يحوط بطبيعة الحرب الدائرة على مرتفع عليّ الطاهر.
نقولا ناصيف- اساس

