🟠رسائل طهران بالمُسيّرات: بغداد أمام اختبار سيادي حاسم…إفشال الزّيدي لن ينجح..!

تخوض العاصمة العراقية بغداد واحدة من أعقد مواجهاتها السياسية والأمنية وأكثرها خطورة منذ سنوات. إذ تحوّلت العلاقة بين رئيس الوزراء علي الزيدي وقيادات فصائل “الحشد الشعبي” إلى معادلة صفرية حبلى بالاحتمالات المفتوحة على التصعيد. ولم تعد الخلافات بين الطرفين تقتصر على الأدبيات التنافسية التقليدية بشأن “حصر السلاح بيد الدولة” والتجاذبات الإعلامية المتبادلة، بل ارتقى النزاع إلى مستوى الرسائل الميدانية المباشرة والضغط الاقتصادي والأمني المتبادل، وذلك في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد والحساسية.
يكشف مصدر أمني عراقي لـ”أساس” أنّ “الهجمات الأخيرة التي نفّذتها ميليشيات تابعة للحشد الشعبي باتجاه أراضي المملكة العربية السعودية قبل أيام، لم تكن مجرد تصعيد ميداني عابر أو حدثاً أمنياً معزولاً فرضته ظروف تكتيكية طارئة، بل حملت في جوهرها رسالة سياسية وثيقة الصلة بالداخل العراقي ومحاولة مكشوفة لإعادة رسم المعادلات السياسية والإقليمية”.
إحراج الزيدي.. واستهداف “تجفيف الموارد”
أوضح المصدر لـ”أساس” أنّ “الغرض المباشر والرئيسي من تلك الهجمات الصاروخية، كان إحراج الزيدي داخلياً أمام القوى السياسية والمكونات المجتمعية المختلفة، وعربياً وإقليمياً أمام دول الجوار والمجتمع الدولي. وتسعى الفصائل المسلّحة إلى إظهار الحكومة بمظهر العاجز عن ضبط الأمن وحماية حدود البلاد الوطنية، وبالتالي إفشال التزاماتها المعلنة بمنع استخدام الأراضي العراقية منصة للاعتداء على دول المنطقة أو ركيزة لتصفية الحسابات الإقليمية”.
أضاف المصدر أنّ هذا التصعيد العسكري يمثل “رد فعل غاضب ومباشر من قبل قيادات الميليشيات على سلسلة القرارات الإدارية والأمنية التي اتخذها الزيدي أخيراً، والتي تجسدت في إصراره على فرض معايير مهنية صارمة ومستقلة في ملف التعيينات الأمنية والمصرفية القيادية. تزامن ذلك مع إطلاقه حملة واسعة ومكثفة لمكافحة الفساد وتجفيف شبكات غسيل الأموال، وهي الحملة التي تنظر إليها الفصائل المسلحة باعتبارها استراتيجية حكومية منظمة تهدف بالأساس إلى تقليم النفوذ المصرفي والنقدي لإيران داخل الساحة العراقية، وقطع الشرايين المالية والتنفيذية التي تغذي الاقتصاد الموازي للميليشيات وتضمن استمرار تمويل أنشطتها الهيكلية والميدانية”.
تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تتضاعف فيه الضغوط السياسية الممارسة على رئيس الحكومة لإرغامه على التراجع عن قراراته، ووقف عمليات الهيكلة والتغيير التي تمس المؤسسات المالية والرقابية والأجهزة الأمنية الحساسة. وترى الفصائل والقوى القريبة من طهران أنّ إحكام الضوابط على التعيينات المصرفية وفرض الرقابة المشددة على حركة تدفق العملة الصعبة يشكلان تهديداً مباشراً لشبكات الالتفاف على العقوبات الدولية، ويحدان من حرية تحرك الموارد المالية العابرة للحدود، وهو ما يفسر حالة الاستنفار السياسي والميداني الرافضة لهذه التوجهات الحكومية.
إلا أنّ ما كان لافتاً حجم التضامن الشعبي أثناء مشاركة الزيدي في ذكرى أربعين الحسين في كربلاء، حيث تركزت مطالب العراقيين على ضرورة استكمال حملة مكافحة الفساد وحصر السلاح.
هواجس “تصفية الحشد” والمناورة بالملف الحدودي
على الجانب الآخر، تزايدت النبرة التحذيرية الصادرة عن قيادات بارزة في الفصائل المسلحة القريبة من “الحشد الشعبي”. إذ اعتبرت أنّ تحركات الحكومة الأخيرة تحت شعار مكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة لا تهدف إلى تطوير أداء الأجهزة الرسمية، بل تمهّد لخطط متكاملة لـ”تصفية الحشد الشعبي” وتفكيك البنية التحتية العسكرية والأمنية للفصائل التي تعتبر نفسها الركيزة الأساسية لحماية نفوذ “محور المُمانعة” في العراق وحماية مكتسباته التي راكمها خلال السنوات الماضية.
أمام هذه التحديات الميدانية والسياسية الصريحة، جدد الزيدي التزام الحكومة المبدئي بملاحقة كل الجماعات المسلحة التي تخرج عن إطار القانون والمعايير الرسمية للدولة، وحذّر من الخطر الداعي إلى المساس بسيادة البلاد عبر تكرار استهداف دول الجوار انطلاقاً من الأراضي العراقية، مشدداً في الوقت ذاته على أن سيادة العراق وأمنه المباشر وعلاقاته الإقليمية والعربية لن تكون بأي حال من الأحوال رهينة لرغبات أجندات خارجية أو أذرع عسكرية ترفض الانصياع لمنطق المؤسسات الرسمية والسيادة القانونية.
بين الاستحقاق العربي والمواجهة الداخلية
تهدف محاولة الفصائل توظيف السلاح الاقتصادي والميداني إلى إيصال رسالة واضحة للعواصم العربية مفادها أنّ الاستقرار الأمني في العراق والمنطقة يمر عبر بوابتها وليس عبر القنوات الرسمية للحكومة. وهو ما يرفضه الزيدي الذي يحاول الاستناد إلى دعم شعبوي وسياسي واسع لإكمال رؤيته في إخضاع كافة الهياكل الأمنية والمالية لسلطة القانون والدستور المؤسسي.
صراع الإرادات
يقف المشهد العراقي حالياً عند مفترق طرق مفصلي وغير مسبوق. إذ يخوض الزيدي معركة معقدة لإعادة بناء “هيبة الدولة” وتأطير العمل المؤسساتي وإعادة هيكلة القطاع المصرفي والنقدي الذي عانى لسنوات من النزيف والتهريب وتصفية الحسابات السياسية، إلى جانب السعي لتثبيت سياسة النأي بالنفس عن محاور الصراع في المنطقة.
لكنّ الفصائل المسلحة ما تزال تمتلك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية وازنة، وتمتلك القدرة على المناورة والمغامرة بفتح الجبهات الحدودية لزعزعة الاستقرار الإقليمي، رغبة منها في فرض خطوط حمراء تمنع المساس بهيكليتها الاقتصادية والعسكرية.
إن النزاع القائم بين إرادة الحكومة في إصلاح البنية المالية والأمنية وحماية العلاقات العراقية – العربية من جهة، وسعي الفصائل للحفاظ على مكاسبها ونفوذها الإقليمي من جهة أخرى، يضع بغداد أمام اختبار سيادي حاسم: إما أن تتكرس المرجعية القانونية والتنظيمية للدولة، وإما أن تظل القرارات السياسية والاقتصادية رهينة بيد الميليشيات وحساباتها الخارجية.
ابراهيم ريحان- اساس



