🟠 بيع وتأجير الشقق «على الهوية»: «للمسيحيين فقط.. الإيجار بقرار من البلدية»!

بيع وتأجير الشقق «على الهوية»: ماذا يقول القانون؟

 

على الرغم من أنّ الدستور اللبناني يكفل حرية التنقّل والإقامة والمساواة بين المواطنين، تتكرّر منذ سنوات شكاوى بشأن ممارسات وشروط تعتمدها بعض البلديات والجهات المحلية والمالكين، من شأنها الحدّ من بيع العقارات أو تأجيرها لأشخاص استناداً إلى انتمائهم الديني أو المذهبي.

ولم تكن الوقائع التي برزت أخيراً، والمتمثّلة في حظر بيع العقارات أو تأجيرها لغير أبناء الطائفة المسيحية في بعض المناطق اللبنانية، سوى رأس جبل الجليد، إذ تكشف عن عمق هذه الظاهرة وتجذّرها في البنية الاجتماعية اللبنانية.

عادت المشكلة للظهور مع الانقسام الذي سببه العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان، إذ أعاد تسليط الضوء على هذه القضية، مع أنّ جذور الأزمة تعود إلى سنوات طويلة، وترتبط بطبيعة النظام الطائفي وما راكمه عبر العقود من هواجس ومخاوف متبادلة بين المناطق والطوائف. وقد أسهمت الخطابات السياسية الطائفية في تغذية هذه المخاوف، من خلال تكريس صورة «الآخر» بوصفه تهديداً للهوية المحلية أو للتوازن الديموغرافي.

على سبيل المثال، يثير قرار بلدية الحدث منذ عام 2019، والذي يقضي بمنع غير المسيحيين من شراء العقارات أو استئجارها، جدلاً واسعاً. ويرى معارضو القرار أنّه إجراء تمييزي يتعارض مع أحكام الدستور اللبناني ومبدأ المساواة بين المواطنين، فيما تبرره البلدية بضرورة الحفاظ على «الخصوصية الاجتماعية» للمنطقة والحدّ من التغيير الديموغرافي.

الإيجار للمسيحيين فقط
لا يقتصر الجدل على القرارات البلدية التي أُثيرت في محطات سابقة، بل يمتدّ أيضاً إلى جزء من سوق الإيجارات. فمن خلال رصد عدد من الإعلانات العقارية المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر نماذج تشترط صراحةً أن يكون المستأجر من أبناء الطائفة المسيحية.

ففي أحد الإعلانات المتعلّقة بشقة غير مفروشة للإيجار في الحدث – بعبدا، وردت العبارة الآتية: «عائلة مسيحية فقط… بسبب الأوضاع الحالية وقرارات البلدية، الإيجار في الوقت الحالي محصور بالمستأجرين المسيحيين فقط».

وفي إعلان آخر لشقة في المشروع الماروني – القرية، شرق صيدا، كُتب: «للمسيحيين فقط، الإيجار بقرار صادر عن البلدية». كما تضمّن إعلان لشقة على بولفار كميل شمعون عبارة: «فقط للمسيحيين، بحسب طلب البلدية والسكان».

ولا تعني هذه النماذج أنّ جميع الإعلانات العقارية تتبنّى مثل هذه الشروط، أو أنّها تعبّر عن موقف جميع البلديات أو المالكين في المناطق ذات الغالبية المسيحية.

ما مدى قانونية هذه الممارسات؟
في قراءة قانونية لهذه الممارسات، يوضح المحامي هشام الخوري حنّا، في حديثٍ إلى «الأخبار»، أنّ البلدية «لا تملك، من الناحية القانونية، صلاحية إصدار قرارات تمنع أو تقيّد بيع العقارات أو تأجيرها لأشخاص ينتمون إلى فئة دينية معيّنة».

ويشير حنّا إلى أنّ البلديات في لبنان «هي من أشخاص القانون العام، وتستمدّ صلاحياتها حصراً من قانون البلديات، الذي لا يتضمّن أي نص يمنح المجلس البلدي أو رئيس البلدية سلطة منع بيع العقارات أو تأجيرها استناداً إلى الانتماء الديني أو الطائفي للمشتري أو المستأجر».

ويضيف أنّ البلدية «لا تستطيع استحداث قيود على حق الملكية لم ينصّ عليها القانون، إذ إنّ هذا الحق مصون، ولا يجوز تقييده إلا بموجب قانون صادر عن السلطة التشريعية، وضمن الحدود التي يجيزها الدستور».

وبناءً عليه، فإنّ «أي قرار بلدي يمنع أو يقيّد انتقال ملكية العقارات أو تأجيرها لفئة دينية معيّنة يكون عرضة للإبطال أمام مجلس شورى الدولة، بسبب تجاوز حدّ السلطة، ومخالفة مبدأ المساواة أمام القانون، والاعتداء على حق الملكية وحرية التعاقد».

أما في ما يتعلّق بحق مالك العقار في اشتراط انتماء المشتري أو المستأجر إلى دين أو طائفة معيّنة، فيوضح حنّا أنّ الوضع يختلف من الناحية القانونية، قائلاً: «الأصل أنّ المالك يتمتّع بحرية التعاقد، أي إنّه غير ملزم ببيع عقاره أو تأجيره لشخص بعينه، وله أن يختار الطرف الذي يرغب في التعاقد معه. لكن إذا أعلن صراحةً أنّ سبب الرفض هو الانتماء الديني أو الطائفي، فإنّ ذلك يثير إشكالية قانونية تتصل بمبدأي المساواة وعدم التمييز، وإن كان القانون اللبناني لا يتضمّن نصاً عاماً وصريحاً يفرض على المالك الخاص التعاقد مع أي شخص من دون تمييز في جميع معاملات البيع أو الإيجار».

ويتابع: «بمعنى آخر، يحق للمالك الامتناع عن البيع أو التأجير، لكن لا يوجد سند قانوني يجيز له فرض شرط تعاقدي قائم على الانتماء الديني أو الطائفي، باعتباره شرطاً مشروعاً بحدّ ذاته».

ومن الناحية الدستورية، يلفت حنّا إلى أنّ الدستور اللبناني يكرّس المساواة بين اللبنانيين أمام القانون، ويحمي الملكية الفردية ويصون الحريات العامة. وعليه، فإنّ أي تقييد لحق الملكية أو لحرية انتقالها على أساس الانتماء الطائفي لا يمكن أن يستند إلى مجرّد قرار إداري، بل يحتاج إلى قانون صادر عن السلطة التشريعية. وحتى في هذه الحالة، قد يكون القانون نفسه عرضة للطعن إذا تعارض مع المبادئ والضمانات الدستورية.

ويضيف: «شهد لبنان، في بعض الفترات، صدور بيانات أو توصيات عن بعض البلديات أو القوى المحلية تدعو إلى المحافظة على النسيج الاجتماعي أو الهوية الديموغرافية لبعض البلدات. إلا أنّ هذه المواقف لا تنشئ، في حدّ ذاتها، قاعدة قانونية ملزمة، ولا تمنح البلدية صلاحية منع تسجيل عقد البيع أو الحؤول دون إبرام عقد الإيجار، متى استوفى العقد شروطه القانونية».

هواجس ديموغرافية متجذّرة
وخلف هذه الممارسات، تقف هواجس ديموغرافية متجذّرة لدى بعض البلدات، ولا سيّما تلك الواقعة بمحاذاة الضاحية الجنوبية لبيروت. ففي هذه المناطق، ينظر بعض الأهالي إلى أي تغيير في التركيبة السكانية على أنّه تهديد لما يعتبرونه خصوصية اجتماعية وثقافية للبلدة.

وتعزّزت هذه المخاوف خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، بعدما تحوّلت مناطق واسعة من الضاحية الجنوبية والجنوب إلى أهداف للغارات الإسرائيلية، ما دفع آلاف العائلات إلى النزوح بحثاً عن أماكن أكثر أمناً. وأمام موجات النزوح التي طالت مختلف المناطق، برزت في بعض البلدات المتاخمة للضاحية مخاوف من تحوّل الاستضافة المؤقتة إلى استقرار دائم، ومن انعكاس ذلك على التوازن الديموغرافي القائم، وهي هواجس عبّر عنها بعض السكان والفاعليات المحلية في نقاشاتهم حول ملف الإيجارات والتملّك.

الاخبار

مقالات ذات صلة