🟠ترامب يرفع السقف… وطهران تواجه معضلة الخيارات الأخيرة!

يتصاعد منسوب انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، وهو ما يُفترض أن يؤول إلى تراجع فرص العودة إلى تسوية سياسية. لكنه لا يزال من المبكر الجزم بأن مسار الدبلوماسية قد انتهى، وأن أبواب الحوار قد أُقفلت. فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، بعد اجتماعه مع فريقه للأمن القومي في منتجع كامب ديفيد لبحث مسار الحرب والخيارات الأمريكية تجاه إيران، لم تخرج بعد عن استراتيجيته القائمة على زيادة الضغط على إيران لإجبارها على القبول بشروطه لكيفية حل المعضلة الإيرانية. فالضغوط الترامبية التي بدأت باستهداف القواعد العسكرية ومنصَّات الصواريخ والطائرات المسيَّرة والبرنامج النووي، تزامناً مع عقوبات اقتصادية ومالية مشدَّدة عليها وعلى كل مَن يتعامل معها، ومرَّت بحصار بحري على الموانئ الإيرانية بوصفها شريان الحياة للنظام والحرس الثوري، تتجه راهناً إلى احتمال جديّ بالانتقال نحو استهداف البنية التحتية للطاقة والكهرباء، في تحوُّل يعكس انتقال الصراع من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية إلى استهداف الموارد الاقتصادية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تمويل مؤسساته وأجهزته. وقد لا ينتهي الأمر بفرض حصار بريّ.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظار تتَّجه نحو الخيارات الثلاثة التي حملها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، نقلت صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، عن مصادر إسرائيلية، أن هناك خياراً رابعاً تدرسه إدارة ترامب في التعامل مع إيران، وهو فرض حصار بري يتكامل مع الحصار البحري المفروض بالفعل على الموانئ الإيرانية. وتقوم الخطة على تشديد الخناق الاقتصادي على إيران عبر إغلاق أو تقييد حركة المعابر البرية مع دول الجوار، بالتوازي مع الانتشار العسكري الأمريكي الكثيف في الخليج، والذي يضم أكثر من عشرين سفينة حربية، ومئات الطائرات، وآلاف العسكريين. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى حرمان إيران من المنافذ البديلة التي قد تستخدمها للالتفاف على العقوبات، بعد تضييق الخناق على موانئها وممراتها البحرية. لكن نجاح هذا السيناريو يتطلب تعاون الدول المحاذية لإيران، وهو ما يجعل العراق وباكستان الحلقة الأكثر تعقيداً في أي خطة للحصار البري، نظراً إلى تشابك علاقاتهما الاقتصادية والأمنية مع طهران.

ويجري ضرب موعد الجولة الجديدة من الضربات مع نهاية الأسبوع وتستمر أياماً، بحسب «وول ستريت جورنال». فترامب خلص في اجتماعات كامب دايفيد إلى أن المسار الدبلوماسي لم يُحقق النتائج المرجوة، وبالتالي لا بد من تشديد الضربات العسكرية لدفع القيادة الإيرانية إلى تغيير حساباتها وإعادتها إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى الحل المنشود أمريكياً دون مماطلة. والحديث الجاري أمريكياً يتضمن تنفيذ حملة جوية تستمر نحو أسبوعين تستهدف مراكز القيادة والسيطرة ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري الإيراني، بهدف استنزاف قدراته العسكرية قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة من الضغوط التي تستهدف البنية التحتية للطاقة.

وتحدثت شبكة «سي.بي.إس» عن أن الولايات المتحدة تدرس، مع إسرائيل، توجيه ضربات إلى منشآت الطاقة الإيرانية. وخلال تصريحاته الأخيرة، لم يُقدِّم ترامب إجابات حاسمة بشأن طبيعة «الضربة القوية» التي تحدَّث عنها، بل تساءل بنفسه: «ما تعريف الضربة القوية؟»، مكتفياً بالتأكيد أن الولايات المتحدة ستواصل ضرب إيران، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى استمرار الاتصالات والمفاوضات. كما كشف أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف كان حاضراً في الاجتماع الذي عُقد في كامب ديفيد، وأن قنوات التواصل مع الإيرانيين لا تزال قائمة. وبحسب ترامب، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن المسؤولين الإيرانيين يبدون مرونة خلال الاجتماعات المغلقة، ثم يتراجعون عن مواقفهم في تصريحاتهم العلنية، وهو ما يجعله، بحسب تعبيره، لا يثق بهم، مؤكداً في المقابل أن الولايات المتحدة «ستنتصر بطريقة أو بأخرى».

ليس في قاموس ترامب التراجع رغم أن الضغوط، حتى الآن، لم تحقق التحوُّل الذي كانت تراهن عليه الولايات المتحدة في الموقف الإيراني. لكنه ما زال يعتبر المفاوضات الخيار الأقل كلفة بالنسبة لواشنطن، سياسياً وعسكرياً. هو يتَّبع سياسة تقوم على استخدام القوة العسكرية بجرعات محسوبة، ثم يذهب إلى تقييم مدى انعكاسها على القرار السياسي الإيراني، فإذا لم تُحدث الضربات الأثر المطلوب ولم تدفع طهران إلى الانخراط في مفاوضات جدية، فإنه يعود إلى تصعيد الضغط العسكري ضمن حدود لا تفرض كلفة سياسية مرتفعة على الداخل الأمريكي. فأي قرار يتخذه ترامب يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالكلفة السياسية والبشرية، لذلك فإن الإدارة الأمريكية تستمر في ميلها إلى الخيارات التي تحقق أكبر قدر من الضغط بأقل خسائر ممكنة، وهو ما يجعل اللجوء إلى موجة جديدة من الضربات الموجعة التي تفقد النظام قدراته الاقتصادية وتستنزفه أكثر ترجيحاً من الانخراط في عملية برية شاملة داخل إيران. ما هو مرجَّح أن تقتصر أي عمليات ميدانية محتملة على أهداف محددة، مثل تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، أو السيطرة على مواقع استراتيجية، أو التعامل مع ملف مخزون اليورانيوم المخصَّب، ذلك أن واشنطن تدرك أن أي توسُّع بري واسع سيرفع كلفة الحرب ويزيد احتمالات الرد الإيراني.

الضربة مقابل الضربة

فثمة تطوُّر حصل في المواجهة. فبعد أشهر من اعتماد طهران معادلة «الضربة مقابل الضربة»، بدأت تبعث برسائل توحي بأنها انتقلت إلى ما تُسميه «المرحلة الهجومية». وجاء الهجوم الصاروخي على القواعد الأمريكية في الأردن، متزامناً مع تصريحات لنواب ومسؤولين إيرانيين أكدوا أن إيران تجاوزت مرحلة الردع، وأنها لم تعد تكتفي بالرد على الضربات، بل باتت تعمل على توسيع ساحة المواجهة ونقل كلفتها إلى شبكة المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة. ويضم بنك الأهداف ضرب القواعد الأمريكية، والممرات البحرية، ومنشآت الطاقة، والدول التي توفر تسهيلات للعمليات الأمريكية والإسرائيلية، في محاولة لرفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها.

تذهب إيران إلى تحريك أذرعها العسكرية بشكل مكثّف وحتى في اتجاه متزامن، في رسالة مفادها أنها قادرة على تحريكها دفعة واحدة إذا شعرت بأنها في خطر وجودي، وأن نظامها بات على وشك الانهيار، أو أن القرار الأمريكي قد اتُّخذ عملياً بإسقاط النظام.

إسقاط النظام الإيراني

في الواقع، وبعكس الرغبة الإسرائيلية، لا يتمثل الهدف الأمريكي في إسقاط النظام الإيراني بقدر ما يتمثل في تغيير سلوكه التفاوضي وتقديم تنازلات جوهرية وتغيير سلوكه الاستراتيجي، ودفعه إلى قبول ترتيبات أمنية جديدة في الخليج، وتحوُّل إيران إلى دولة طبيعية، دون أن يعني ذلك أن الاستراتيجية الأمريكية لا تتضمن أيضاً إعادة رسم خريطة الممرات التجارية والطاقوية في المنطقة، والاستفادة من المخزون النفطي الإيراني ومن الثروات في هذا البلد الذي بات له نحو نصف قرن معزولاً، ومنكمشاً على ذاته، دون تطوير في بنيته التحتية على مختلف المستويات، ويعتمد على سياسة التقشف وما يُسميه بالاقتصاد المقاوم. ولا يعني ذلك أيضاً أن الاستراتيجية الأمريكية في تطويع الصين ومحاصرتها ومنافستها اقتصادياً والحد من طموحاتها التوسعية الاقتصادية يتطلب تبدلاً في تحالفات إيران التي كانت تطمح إلى أن تكون جزءاً ولاعباً في «محور الشرق» مع كل من الصين وروسيا.

ومع ذلك، لا يبدو أن إيران حسمت خيار الانتقال إلى حرب هجومية شاملة، إذ لا تزال تربط مستوى تصعيدها باستمرار الضربات الأمريكية، فيما تُبقي قنوات الوساطة الإقليمية قائمة. لذلك، يبدو أن ما تسميه طهران «المرحلة الهجومية» لا يعني التخلي عن سياسة الردع، بقدر ما يعكس محاولة لتعديل قواعد الاشتباك، والانتقال من الدفاع عن الأراضي الإيرانية إلى فرض معادلة ردع جديدة تقوم على توسيع ساحات الحرب ورفع كلفتها السياسية والاقتصادية على خصومها.

عملية عسكرية دقيقة

وفي هذا السياق، جاء استهداف الميليشيات العراقية المدعومة من إيران للمنشآت السعودية. فقد أعلنت وزارة الدفاع السعودية أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمَّرت عدداً من الطائرات المسيَّرة التي حاولت استهداف منشآت بترولية في المنطقة الشرقية ومدينة الرياض. وأكد المتحدث الرسمي باسم الوزارة اللواء الركن تركي المالكي أن المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية ونفذتها «ميليشيات إرهابية تابعة لإيران». وشكّل الرد السعودي تحوُّلاً لافتاً في قواعد الاشتباك الإقليمية، إذ حرصت الرياض على تقديمه بوصفه عملية عسكرية دقيقة ومحدودة استهدفت مستودعات وقدرات الميليشيات التي انطلقت منها التهديدات، من دون أن تكون موجهة ضد الدولة العراقية أو شعبها.

ويرى مراقبون سعوديون أنه بهذا الفصل الواضح بين العراق كدولة والميليشيات المرتبطة بإيران، سعت السعودية إلى إيصال رسالتين متوازيتين: الأولى أن مرحلة الاكتفاء بالاحتجاجات الدبلوماسية وضبط النفس قد انتهت، وأن أي اعتداء على أمنها أو منشآتها الحيوية سيُقابل برد يفرض كلفة عسكرية وسياسية مرتفعة على منفذيه ومَن يقف خلفهم، والمقصود هنا إيران؛ والثانية أن المواجهة مع الميليشيات لا تعني التخلي عن دعم العراق، بل تأتي في إطار رؤية تعتبر أن استعادة الدولة العراقية لسيادتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية تمثل مصلحة عراقية وعربية مشتركة.

ومن هذا المنطلق، واصلت الرياض التأكيد أن العراق جزءٌ من منظومة الأمن القومي العربي، وأن دعمها لبغداد سيستمر بالتوازي مع وضع «قواعد اشتباك» جديدة تجعل استخدام الأراضي العراقية منصَّة لاستهداف المملكة خياراً باهظ الثمن، بما يدفع الحكومة العراقية إلى اتخاذ خطوات أكثر حزماً في ضبط الميليشيات وتعزيز سلطة الدولة.

مسار سياسي

ومع التصعيد العسكري، فتحت واشنطن والرياض مساراً سياسياً موازياً لتنسيق إدارة المواجهة مع إيران ومنع انزلاقها إلى حرب إقليمية مفتوحة. ففي اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، حمل الأخير رسالة من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تؤكد أن استهداف الميليشيات العراقية الموالية لإيران لمنشآت الطاقة السعودية تجاوز «الخط الأحمر»، وأن الرد العسكري السعودي جاء في إطار الدفاع المشروع عن أمن المملكة وردع الاعتداءات، وليس تمهيداً لتوسيع دائرة الحرب. وفي المقابل، شددت الرياض على أنها، رغم استعدادها للدفاع عن أمنها، لا ترى مصلحة في التصعيد، بل تعتبر أن احتواء المواجهة وخفض التوتر يخدم استقرار المنطقة أكثر من الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وهو ما انعكس أيضاً في تقييمها بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع باتجاه توسيع الحرب، في حين تفضل المملكة الإبقاء على قنوات الاحتواء السياسي مفتوحة. وفي الإطار نفسه، سُجلت مشاورات سعودية لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات جماعة « الحوثي».

وكانت المملكة استضافت اجتماعاً ضم رؤساء هيئات الأركان وممثلين عن عدد من الدول، من بينها مصر وتركيا وباكستان وقطر والأردن، إضافة إلى بعثة الاتحاد الأوروبي لدى المملكة، لبحث إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات يهدف إلى تعزيز الأمن البحري، وتأمين الممرات المائية الدولية، وحماية حركة الملاحة والتجارة العالمية من التهديدات المتزايدة، ولا سيما في المناطق الأكثر حساسية، وفي مقدمها مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وسيتم استكمال المشاورات خلال المرحلة المقبلة لاستكمال الصيغة النهائية للميثاق ووثائقه المرجعية، وإنجاز الهيكل التنظيمي وآليات القيادة والتشغيل، وتشكيل الفرق الفنية المختصة، بالتوازي مع استكمال الإجراءات الداخلية للدول الراغبة في الانضمام، تمهيداً للإعلان الرسمي عن التحالف وبدء مهامه العملياتية.

في ظل هذا المشهد المتأزم، تبدو هوامش المناورة الإيرانية أكثر ضيقاً من أي وقت مضى، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. فالأدوات التي اعتمدت عليها طهران لعقود لتعزيز قدرتها على الردع بدأت تفقد جزءاً من فاعليتها في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. حتى إن المضي في التهديد بإغلاق هرمز أو تعطيل الملاحة الدولية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تسريع الاستثمارات الدولية في الممرات البديلة، وتعزيز القناعة بضرورة تقليص الاعتماد على هذا الشريان البحري، بما يفاقم عزلة إيران بدلاً من تعزيز أوراقها التفاوضية.

تحديات داخلية

ولم تعد الضغوط التي تواجهها طهران خارجية فحسب، بل باتت تتداخل مع تحديات داخلية آخذة في الاتساع، ما يضيق هامش الخيارات أمام القيادة الإيرانية. فكلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها الاقتصادية والاجتماعية، وتزايدت احتمالات تحول الأزمة المعيشية إلى أزمة سياسية داخلية، الأمر الذي يضع صانع القرار الإيراني أمام معادلة أكثر تعقيداً: الاستمرار في سياسة التصعيد وما يرافقها من استنزاف متزايد، أو الانخراط في تسوية تخفف الضغوط وتحافظ على الحد الأدنى من أوراق القوة التي لا تزال تمتلكها إيران.

دخلت المنطقة أسابيع مفتوحة على تصعيد قد يكون على مستوى غير مسبوق. أمريكا تهدد بأسبوعين من الضربات القوية، وإيران تقول إنها ستنتقل إلى «المرحلة الهجومية». صحيح أن المتابعين لا يرون في الخطوة الايرانية إعلاناً عن حرب شاملة بقدر ما هي محاولة لانتزاع موقع تفاوضي أفضل عبر تعديل ميزان القوة الميداني. إلا أن هذا المسار يصطدم بعوامل قد تدفع الصراع إلى مستوى مختلف؛ فامتداد العمليات إلى أكثر من ساحة إقليمية، واستمرار الغموض حول مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، والتساؤلات بشأن أنشطة محتملة في موقع «جبل الفأس»، تجعل الأزمة تتجاوز بعدها العسكري المباشر إلى أزمة ثقة نووية واستراتيجية. وعند هذه النقطة، قد لا يعود التصعيد محكوماً فقط بحسابات الردع المتبادل، بل بإمكانية خروج الأحداث عن السيطرة، بما يفتح الباب أمام مواجهة أوسع لا يبدو أن أياً من الطرفين يرغب فيها، لكنها قد تصبح نتيجة لتراكم مسارات التصعيد المتوازية.

رلى موفق- القدس العربي

مقالات ذات صلة