🟠بري نسّق زيارة سلام لزوطر: ما هي مشكلة الحزب الحقيقية وما هو طرحه لفرض انسحاب إسرائيل؟

زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بلدة زوطر الغربية لم تكن جولة ميدانية عادية أو مناسبة لالتقاط الصور ورفع العلم اللبناني. فقد جاءت غداة دخول الجيش اللبناني إلى البلدة، في أول ترجمة ميدانية لمسار يفترض أن يقود تدريجياً إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وانتشار الجيش وعودة الأهالي إلى قراهم. ولهذا السبب تحديداً، حملت الزيارة معنى سياسياً وسيادياً تجاوز حدود زوطر الغربية: الدولة تحاول العودة إلى الجنوب، ليس بالشعارات ولا عبر البيانات، بل بواسطة جيشها ومؤسساتها ومسارها السياسي والدبلوماسي.
وصل سلام إلى البلدة برفقة وزير الدفاع ميشال منسّى، ورئيس الأركان اللواء حسان عودة، إلى جانب مسؤولين عسكريين وإنمائيين، وغرس العلم اللبناني في ساحتها، معلناً أن ما تحقق يمثّل “بداية الانسحاب الإسرائيلي”، وأن الحكومة ستواصل حشد جهودها السياسية والدبلوماسية للوصول إلى انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية. كما ضم الوفد مسؤولين عن مجلس الإنماء والإعمار ومجلس الجنوب وإدارة الكوارث، في إشارة إلى أن القضية لا تقتصر على الانتشار العسكري، بل تشمل فتح الطرقات ورفع الأنقاض وإعادة الخدمات وتهيئة شروط عودة السكان.
لكن بدلاً من التعامل مع الزيارة كخطوة رسمية إلى منطقة بقيت أشهراً تحت التهديد الإسرائيلي، انطلقت حملة سياسية وإعلامية ضد سلام، شارك فيها نواب من حزب الله وجمهور الحزب ووسائل إعلام تدور في فلكه. تمحورت الحملة حول أن رئيس الحكومة دخل البلدة سريعاً، ولم يتوقف للقاء الأهالي أو البلدية، وأن الزيارة جرت بسرية، ولا إنجاز يذكر.
زيارة منسّقة مع بري
سقطت رواية “الزيارة السرية” بشكل واضح عندما خرج رئيس مجلس النواب نبيه بري ليؤكد أن زيارة سلام كانت منسقة معه بشكل مباشر. لم يكتفِ بري بالإشارة إلى علمه بالزيارة، بل أوضح أنه تلقى اتصالاً من رئيس الحكومة قبل توجهه إلى الجنوب، وأنه نصحه بالذهاب في وقت مبكر، وبالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، نظراً لاستمرار إطلاق النار الإسرائيلي في المنطقة. هذا التفصيل يضرب أساس الحملة التي حاولت تصوير الزيارة كخطوة مفاجئة أو متجاوزة للبيئة المحلية.
في هذا السياق، قال رئيس بلدية زوطر الغربية عبد عزّ الدين، في مداخلة لـ”المدن”، “إن البلدية لم تكن على علم مسبق بالزيارة، وكان لديها عتب على عدم إبلاغها أو التواصل معها. لكنه أكد أن سلام اتصل به لاحقاً، واستمع إلى ملاحظاته واعتذر من أهالي البلدة، معتبراً أن “اعتذار رئيس الحكومة كان مبادرة حلوة وكبيرة، على أن يُستكمل التواصل بزيارة وفد من البلدة برئاستي إلى السراي الحكومي”.
حملة تتجاوز زوطر
في تقدير مصادر سياسية أن من الصعب فصل الهجوم على زيارة سلام عن الحملة الأوسع التي يخوضها حزب الله ضد الحكومة ورئيس الجمهورية جوزاف عون. فكل خطوة تتخذها الدولة في ملف الانسحاب أو حصرية السلاح أو توسيع انتشار الجيش يجري تصويرها إما على أنها تنازل، أو استعراض، أو تنفيذ لإملاءات خارجية، أو إنجاز وهمي. وفي المقابل، تقول المصادر، يكتفي الحزب بالتشكيك في أي نتيجة تحققها المفاوضات والدبلوماسية الرسمية، لكنه لا يقدم مساراً عملياً بديلاً يضمن الانسحاب الإسرائيلي وعودة الأهالي والإعمار.
وقد ذهب عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله إلى اعتبار ما جرى في زوطر الغربية “إنجازاً وهمياً”، مؤكداً أن إسرائيل لم تنسحب من أي متر احتلته، وأن ما حصل لا يتجاوز تعزيز انتشار الجيش في بلدة “محررة”. كما قال إن اتفاق الإطار لم يؤدّ إلى انسحاب من أي مكان محتل، محذراً من تقديم ما جرى باعتباره إنجازاً للحكومة.
لكن المفارقة أن هذه الحملة تصدر عن حزب لا يزال ممثلاً داخل الحكومة. فالوزراء المحسوبون على الثنائي الشيعي، لم يعلنوا الاستقالة، ولم ينسحبوا من الحكومة، ولم يقولوا إنهم لم يعودوا معنيين بمقرراتها أو سياستها.
وهنا يظهر التناقض السياسي، وفق المصادر: يريد حزب الله الاستفادة من وجوده داخل الحكومة، والاحتفاظ بوزرائه وحقائبه وتأثيره في القرارات، لكنه يتعامل مع رئيس الحكومة والحكومة نفسها في خطابه الجماهيري كأنهما سلطة معادية أو منفصلة عنه. فإذا كانت الحكومة متآمرة إلى الحد الذي يصوّره خطاب الحزب، فلماذا يبقى وزراؤه فيها؟ وإذا كان وجودهم ضرورياً للدفاع عن مصالح الناس، فلماذا يجري التحريض على رئيسها واتهامه بتقديم العروض والإنجازات الوهمية، بدلاً من مناقشة الخلافات داخل مجلس الوزراء والمؤسسات الدستورية؟
هل كانت زوطر الغربية محررة فعلاً؟
أما أخطر محاولات التقليل من أهمية ما جرى، فتتمثل في القول إن زوطر الغربية لم تكن محتلة أصلاً، وبالتالي لم يحصل أي انسحاب إسرائيلي منها. ولتفسير منع أهلها من العودة، وعمليات التفجير والحرق والتوغلات المتكررة داخلها، استُخدم تعبير جديد هو أن البلدة كانت “محتلة بالنار”. لكن هذا التعبير، بدلاً من نفي الاحتلال، يثبته.
فماذا يعني أن تكون بلدة “محتلة بالنار”؟ يعني أن جيش الإحتلال الإسرائيلي يستطيع دخولها ساعة يشاء، وأن ينفذ عمليات تمشيط داخل أحيائها، ويفجر منازلها ويحرقها، ثم ينسحب إلى مواقعه. ويعني أن السكان لا يستطيعون العودة إليها، وأن الدولة اللبنانية لا تملك حرية الحركة الكاملة فيها، وأن الجيش اللبناني يبقى على أطرافها ولا يستطيع الانتشار داخلها بصورة ثابتة وآمنة.
الاحتلال لا يقتصر على إقامة ثكنة ثابتة أو رفع علم إسرائيلي فوق مبنى البلدية. في المعنى الواقعي والسيادي، عندما تتحكم قوة أجنبية بالدخول والخروج، وتمنع السكان من الوصول إلى منازلهم، وتدخل البلدة لتدمر وتحرق متى تشاء، فيما يبقى جيش الدولة على أطرافها، تكون هذه القوة قد فرضت سيطرة فعلية بالنار على الأرض. وإلا، فما الاسم الذي يمكن إطلاقه على بلدة لبنانية لا يستطيع أهلها أو جيشهم دخولها بحرية، بينما يدخلها الجيش الإسرائيلي لتنفيذ التفجيرات؟
في هذا السياق قال عز الدين لـ”المدن”، “إن زوطر الغربية لم تكن محتلة، فجيش العدو الإسرائيلي كان موجوداً في زوطر الشرقية، وبعد أن أعلن عن زوطر الغربية كمنطقة تجريبية بدأ جيش العدو يدخل اليها ويفجر ويحرق ويدمر المنازل والمرافق والأبنية السكنية، وقد حوّل أغلب البلدة إلى خراب.” وأضاف عزالدين “أن الجيش اللبناني بات موجوداً داخل زوطر الغربية، مشيراً إلى أن الجيش يرافق دخول الأهالي ويجري مسحاً لمحيط المنازل قبل السماح لهم بالدخول إليها، للتأكد من عدم وجود أخطار أو أجسام مشبوهة”. وفي المقابل، أوضح أن “عودة السكان لم تكتمل بعد، وأن الخطر الإسرائيلي لا يزال قائماً، فيما تعاني البلدة دماراً هائلاً ومخلفات تحتاج إلى المعالجة قبل عودة الحياة الطبيعية إليها”.
إنجاز يجب البناء عليه لا تضخيمه أو إنكاره
لا أحد يدّعي أن دخول الجيش إلى زوطر الغربية يعني تحرير جميع الأراضي اللبنانية، أو أن إسرائيل توقفت عن عدوانها، أو أن عودة الأهالي أصبحت آمنة ونهائية. حتى سلام وصف ما جرى بأنه بداية، لا نهاية المسار، وأكد أن الهدف هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل. كما أن استمرار الاعتداءات والتفجيرات في قرى أخرى يفرض التعامل بحذر مع أي حديث عن نجاح نهائي.
لكن عدم اكتمال الإنجاز لا يبرر إنكاره. السياسة تقاس بالنتائج المتراكمة، وإذا أدى المسار الذي تتولاه الدولة إلى دخول الجيش بلدة كان عاجزاً عن الانتشار في داخلها، وإلى تراجع قدرة إسرائيل على الدخول إليها والتحكم بها، فهذا تطور إيجابي يجب تثبيته وتوسيعه، لا السخرية منه. المطلوب ليس صناعة انتصارات وهمية، لكن المطلوب أيضاً عدم صناعة هزائم وهمية كلما حققت الدولة تقدماً. لا يمكن لحزب الله، الذي يرفع شعار تحرير الأرض، تحويل دخول الجيش ورفع العلم اللبناني إلى مادة للهجوم على رئيس الحكومة، هذا لا يخدم أهل الجنوب ولا يسرّع الانسحاب.
المشكلة بالنسبة إلى حزب الله، ليست في أن ما جرى صغير، بل في أن الدولة هي التي حققته. فالاعتراف بأن الضغط السياسي والدبلوماسي وانتشار الجيش يمكن أن تؤدي إلى استعادة الأرض يضرب الرواية التي حصرت التحرير لعقود بالسلاح وبالحزب وحده. لذلك يصبح ضرورياً تصغير كل خطوة، ونزع صفة الاحتلال عن المناطق التي تدخلها إسرائيل، ثم نزع صفة الانسحاب عن خروجها، حتى يبقى أي إنجاز لا يحمل توقيع الحزب إنجازاً ممنوعاً.
ابراهيم الرز- المدن



