🟠 شرط لانتشار الجيش في “التجريبية”: ما الثمن الذي سيُطلب من لبنان مقابل زيارة عون لأميركا؟!

بين اتفاق الإطار الذي لم تتضح معالمه بعد، ولم تبد إسرائيل حماسة لتطبيقه، واتفاق إسلام آباد المعقد والمطاط، تبدو المنطقة على مفترق بالغ الخطورة. فعودة الحرب الواسعة لم تعد احتمالاً مستبعداً، فيما تنذر حرب المضائق بإشعال مواجهة إقليمية جديدة لن يبقى لبنان بمنأىً عن تداعياتها.

ويعيد سكوت حزب الله حيال الانتهاكات الإسرائيلية إلى الأذهان مرحلة ما قبل الثاني من آذار، حين التزم الحزب الصمت إزاء الخروقات إلى أن انخرط لاحقاً في حرب الإسناد الثانية. واليوم يبدو السيناريو نفسه مرشحاً للتكرار. فالصمت الحالي لا يعدو كونه استمراراً للرهان على مسار إسلام آباد، الذي لا يزال الحزب يعتبره قائماً رغم الاهتزازات التي أصابته. غير أن انهيار هذا المسار نهائياً سيعني، عملياً، انخراط الحزب في الحرب. ويزداد المشهد تعقيداً مع دخول عوامل إقليمية جديدة، أبرزها تبادل الضربات بين اليمن والسعودية، بما أعاد خلط الأوراق ورفع مستوى المخاطر.

في المقابل، لا تزال إسرائيل تربط أي انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية بنزع سلاح حزب الله. وهذه الخلاصة عاد بها القائم بأعمال المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان، جان أرنو، من زيارته إلى إسرائيل، حيث لمس أجواء سلبية للغاية حيال إمكان تنفيذ الانسحاب في المدى المنظور.

وفي موازاة ذلك، يتواصل التنسيق بين قيادة الجيش اللبناني والوفد العسكري الأميركي (سنتكوم) لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع المناطق التجريبية، على أن تُرفع نتائج المشاورات إلى لجنة المفاوضات المباشرة في روما لإقرارها والإعلان عنها، بوصفها أول إنجاز عملي يؤكد خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق عبر لجان أمنية واقتصادية وتقنية مشتركة.

ووفق التصور الأولي، سيتولى الوفد العسكري الأميركي، بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي، الإشراف على انتشار الجيش اللبناني في تلك المناطق ومتابعة تنفيذ الالتزامات المطلوبة، على أن تُحال النتائج إلى مجلس الوزراء لتفويض الجيش رسمياً بالانتشار واتخاذ الإجراءات اللازمة لجعل المنطقة منزوعة السلاح بالكامل.

وخلال اجتماعاته مع “سنتكوم”، شدد الجيش اللبناني على أن أي انتشار فعلي يبقى مشروطاً بوقف الأعمال العدائية الإسرائيلية، بما يشمل تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف عمليات التجريف والخروقات اليومية. فالجيش، وفق هذا المنطق، لا يستطيع تنفيذ المهام المطلوبة منه فيما تستمر الاعتداءات الإسرائيلية بوتيرتها الحالية.

وتشمل المناطق التجريبية، وفق الصيغة المتداولة، الزوطرين الغربية والشرقية، وفرون، والغندورية، وبرج قلاوية، وقلاوية. وإذا كانت هذه البلدات موزعة بين شمال الليطاني وجنوبه، فإن توسيع إسرائيل الخط الأصفر قبل يومين وضمها جميعاً إلى منطقتها الأمنية يوحي بأنها سجلت انسحاباً منها على الخرائط، مع أنها لم تكن تحتلها ففعلياً ويُتوقع أن يوافق حزب الله على هذه الصيغة، باعتبار أن البلدات الواقعة شمال الليطاني ليست محتلة أصلاً، فيما تقع البلدات الأخرى جنوب النهر.

ومع ذلك، تبقى فرص نجاح هذا المسار مرتبطة بمدى استعداد إسرائيل لتنفيذ التزاماتها والانصياع للضغوط الأميركية، التي تسعى إلى تحقيق اختراق يمنح الدولة اللبنانية مكسباً سياسياً قبيل الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة، والمخصصة لترجمة اتفاق الإطار إلى خطوات تنفيذية، تبدأ بتشكيل اللجان المنبثقة منه.

وتبدو واشنطن أكثر اندفاعاً من إسرائيل نحو تثبيت الاتفاق، تهيئةً لزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى البيت الأبيض، وهي الأولى منذ انتخابه. غير أن السؤال الأساسي يبقى: ما الثمن الذي سيُطلب من لبنان مقابل هذه الزيارة؟ وماذا سيحصد عون منها، في وقت يُعرف فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه لا يمنح مثل هذه اللقاءات إلا إذا كان يتوقع مقابلاً سياسياً يستطيع تقديمه على أنه إنجاز لإدارته.

ورغم كل ذلك، لا تزال الصورة ضبابية. فالمناطق التجريبية لم تصبح واقعاً بعد، والبلدات التي سيُعاد انتشار الجيش فيها ما زالت موضع نقاش، ثم إنَّ جدول أعمال زيارة عون ونتائجها لم تتضح بعد. إلا أن مسار اتفاق الإطار يتقدم تدريجياً بدفع أميركي واضح، في وقت تصر إدارة ترامب على إدخال سوريا في صلب الملف اللبناني، باعتبار أن معالجة وضع حزب الله لا يمكن أن تتم بمعزل عن الساحة السورية.

وتبدي الإدارة الأميركية أيضاً انزعاجاً من أداء قائد الجيش العماد رودولف هيكل، إذ تعتبر أنه لا يتحرك بالسرعة المطلوبة في ملف سلاح حزب الله، فيما تضغط إسرائيل في اتجاه مصادرة البنية العسكرية للحزب، حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة مباشرة بينه وبين الجيش.

وفي المقابل، يواصل الرئيس عون الدفاع عن خيار اتفاق الإطار، مدعوماً بواشنطن التي تعمل على تثبيت وقائعه ميدانياً عبر تشكيل اللجان التنفيذية، بينما لا يزال ثنائي أمل وحزب الله يتعامل معه باعتباره اتفاقاً ميتاً.

وفي هذا السياق، نُقل عن رئيس مجلس النواب نبيه بري تساؤله: «هل هو اتفاق أم إطار؟ وكيف يكون إطاراً وتنبثق عنه لجان تنفيذية؟». ويواصل الثنائي رهانه على مسار إسلام آباد، انطلاقاً من قناعته بأن إسرائيل ستُفشل اتفاق الإطار بنفسها عبر الامتناع عن تنفيذ التزاماتها، كما تعكسه وقائع الجنوب حتى الآن.

وفي موازاة ذلك، يتحرك رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط لاحتواء أي تداعيات داخلية قد تنجم عن الضغوط الأميركية أو عن أي خطوات تصادمية مرتبطة بالاتفاق. ومن هذا المنطلق، أوفد النائب وائل أبو فاعور في مهمة لتقريب وجهات النظر وتوضيح المواقف، خشية أن يتحول الخلاف السياسي إلى مواجهة داخلية، وهو احتمال بات جنبلاط يرى أنه لم يعد بعيداً، استناداً إلى ما سمعه خلال زيارته الأخيرة إلى عين التينة.

غادة حلاوي- المدن

مقالات ذات صلة