🟠الرباعي الأخير… كما حلم به «فيفا»: أليس هذا تقريباً أفضل سيناريو ممكن؟

هل توقّع أحد أن يفشل كل من ليونيل ميسي، إيرلينغ هالاند، وهاري كاين في التسجيل خلال آخر مباراتَين من ربع النهائي في كأس العالم هذا العام؟ ثلاثتهم سجّلوا معاً 21 هدفاً، لكنّهم خرجوا من دون أهداف، ليفسحوا المجال أمام يوليان ألفاريز وجود بيلينغهام ليتولّيا مهمّة قيادة الأرجنتين وإنكلترا إلى المربّع الذهبي.
كان فوز الأرجنتين على سويسرا، 3-1 بعد التمديد، أول مباراة يعجز فيها ميسي عن التسجيل خلال آخر 10 مشاركات مونديالية. وجاء الانتصار بشقّ الأنفس، إذ كادت سويسرا، التي صمدت بـ10 لاعبين بعناد (طُرد المهاجم بريل إمبولو بحصوله على البطاقة الصفراء الثانية بسبب التمثيل)، أن تجرّ المباراة إلى ركلات الترجيح، لكن يبدو أنّ الأرجنتين مصمِّمة على خوض هذه النسخة من كأس العالم بالطريق الأصعب.
كما عانت إنكلترا أمام هالاند والنروج، لكنّ بيلينغهام برز بقوّة بتسجيله هدفَين، ليتساوى مع كاين في المركز الرابع على لائحة هدافي البطولة، ويقود فريق توماس توخيل لقلب تأخّره والفوز بعد وقت إضافي.
نصف النهائي المثالي لـ«فيفا»
إنّه، إلى حدّ كبير، التشكيل المثالي لنصف نهائي كأس العالم. فرنسا، المرشحة الأبرز، في مواجهة إسبانيا، بطلة أوروبا 2024، وحاملة اللقب الأرجنتين أمام غريمتها التقليدية إنكلترا، التي بلغت نهائي النسختَين الأخيرتَين من بطولة أوروبا. أليس هذا تقريباً أفضل سيناريو ممكن؟ ربما يمكن استبدال إنكلترا بالبرازيل لنحصل على قمة أميركية جنوبية، أو ربما وضع ألمانيا مكان إسبانيا لإضفاء مزيد من الهيبة المرتبطة بكأس العالم. وماذا عن إيطاليا… لا، دعونا لا نكمل.
على أي حال، دعونا لا نتشدَّد في التفاصيل؛ إنّه رباعي يُثير لعاب عشاق كرة القدم. وهو أيضاً، وبكل دقة، الرباعي الذي كان «فيفا» يتمناه، إذ تريد ضمان ألّا تلتقي المنتخبات الأعلى تصنيفاً في الأدوار الإقصائية المبكرة، بما يُتيح إقامة مواجهات عملاقة في المراحل المتقدّمة من البطولة. وقد استُخدم نظام التصنيف نفسه في كأس العالم للأندية الصيف الماضي.
عند إعلان التصنيفات في تشرين الثاني، أوضح «فيفا»: «لضمان التوازن التنافسي، اعتُمد مسارَان منفصلان نحو نصف النهائي. وهذا سيضمن أنّه في حال تصدّر المنتخبان الأعلى تصنيفاً مجموعتَيهما، فلن يلتقيا قبل المباراة النهائية».
بالطبع، فإنّ اعتماد التصنيف في كأس العالم ليس أمراً جديداً، بل كان موجوداً منذ النسخة الأولى عام 1930 التي شهدت أيضاً لاعبين يرتدون القبّعات الفرنسية «البيريه»، حكّاماً ببدلات رسمية، شرطياً يتدخّل في مجريات اللعب، وأخصائي علاج طبيعي يفقد وعيه بسبب الكلوروفورم داخل الملعب، لذا ربما لا تُعدّ أفضل معيار للمقارنة.
لكنّ الاختلاف هذه المرّة هو أنّ إبقاء المنتخبات الـ4 الأعلى تصنيفاً متباعدة حتى نصف النهائي جاء نتيجة التلاعب بالقرعة. فهذه ليست بطولة تنس، يا جماعة. نحن نحب أن تكون القرعة حرّة وعادلة قدر الإمكان، لكنّ «فيفا» قرّر خلاف ذلك.
احتساب هدف لمصر على رغم من وجود مخالفة على بُعد 100 ياردة من مرمى الأرجنتين؟ مستحيل. إلغاء هدف لإنكلترا لأنّ الكرة اصطدمت بكابل كاميرا «سكاي كام»؟ بالتأكيد لا. الإبقاء على أفضل لاعب في سويسرا داخل الملعب لأنّ جريمة التمثيل التي ارتكبها لا تستوجب سوى بطاقة صفراء؟ لا بأس، المهمّ نِسَب المشاهدة.
وإنصافاً، فإنّ نصف نهائي يجمع المغرب مع بلجيكا، والنروج مع سويسرا، لن يرفع كثيراً من نبضات القلوب خارج تلك الدول. لكن بما أنّها المرّة الأولى منذ بدء اعتماد تصنيف «فيفا» عام 1992 التي تبلغ فيها المنتخبات الأربعة الأولى في التصنيف نصف النهائي، فإنّ التساؤل حول ما إذا كان ينبغي الفصل بين المنتخبات المصنّفة بهذه الطريقة يظل سؤالاً مشروعاً.
هل سبق لإنكلترا أن امتلكت لاعباً مثل بيلينغهام؟
بعض اللاعبين يحسمون المباريات بفضل موهبتهم العالمية ورؤيتهم ومهاراتهم، مثل ميسي. وبعضهم يفعل ذلك بفضل قدرته التهديفية القاتلة، مثل كيليان مبابي مع فرنسا. أمّا بيلينغهام، فإنّه يحسم المباريات لأنّه قوّة من قوى الطبيعة.
الطريقة التي اندفع بها وقاد إنكلترا نحو الفوز، جعلت هذا الأداء يبدو فوراً واحداً من أعظم وأكثر العروض إلهاماً التي قدّمها لاعب إنكليزي في كأس العالم. وعندما يبلغ أفضل مستوياته، وهو ما يقدّمه حالياً، فإنّ بيلينغهام يفرض إرادته على المباريات. وربما يكون في ذلك بعض الظلم لكاين، لكن من منظور إنكليزي، تبدو هذه بطولة بيلينغهام، تماماً كما ارتبطت البطولات الكبرى في الماضي بأساطير الكرة الإنكليزية.
كان بول غاسكوين نجم إنكلترا في مونديال 1990، وأعلن مايكل أوين عن نفسه نجماً خارقاً عام 1998، بينما أصبح كاين أول إنكليزي يفوز بالحذاء الذهبي منذ غاري لينيكر عام 1986، بعدما سجّل 6 أهداف في 2018. لكنّ بيلينغهام يختلف عنهم جميعاً. فإذا تحدّثنا عن الحضور في المباريات الكبرى، والطاقة التي تجعله بطل المَشهد، وجوهر الشخصية وهالتها، فهل سبق أن امتلكت إنكلترا لاعباً مثله في كأس العالم؟
كان واين روني يمتلك تلك الشخصية التي توحي بـ»هذه مباراتي»، لكنّه لم يترجم ذلك على المسرح العالمي، إذ سجّل هدفاً واحداً فقط في 11 مباراة بكأس العالم. أمّا ديفيد بيكهام، فكان قادراً على إلهام إنكلترا وجرّها إلى الأمام، لكن من خلال تقديم القدوة بإصراره ومعدَّل عمله، وليس دائماً عبر اللمحات الفردية الخارقة.
اللاعب الوحيد الذي يمكن مقارنة بيلينغهام به هو ستيفن جيرارد، إذ بدا نسخة تكاد تكون مطابقة له عندما اندفع ببراعة إلى منطقة الجزاء ليسجّل هدفاً لم يكن من المفترض أن يتمكن من تسجيله؛ فقد توقّع عرضية أنطوني غوردون، ثم وجد نفسه في مواجهة مدافعَين نروجيَّين والحارس، قبل أن يلمس الكرة 4 مرّات، صانعاً لنفسه زاوية التسديد وهزّ الشباك.
ومع ذلك، فإنّ جيرارد أيضاً لم يقدِّم في كأس العالم ما يقدّمه بيلينغهام. ويبقى بيلينغهام النجم الأبرز بلا منازع. وشراكته مع كاين هي أفضل ما تملكه إنكلترا، وسيُشكّلان أقوى ثنائي هجومي واجهته الأرجنتين في البطولة حتى الآن.
تيم سبايرز- نيويورك تايمز



