سعد الحريري… الحاضر دوماً في مرمى “مبغضٍ قالٍ”!

مع كل حدث سياسي داخلي أو إقليمي يتصل بلبنان وأزماته، يظهر من هو مُصِرٌّ على استحضار حقده الشخصي وليس السياسي فحسب على الزعيم الغائب-الحاضر سعد الحريري. نقول الحقد وليس النقد، من خلال زج اسم الحريري أو عائلته أو تياره السياسي في صلب هذه الأحداث بطريقة سلبية يبدو معها وكأن حال الحريري مع هذا البعض بات ينطبق عليه المثل القائل “رضينا بالهم والهم مش راضي فينا”، أو القول المأثور الآخر “يرضى القتيل ولا يرضى القاتل”.

​هذا البعض في الساحة السياسية وملحقاته وخلاياه “الإعلامية”، يتصرف بطريقة تبدو وكأنه يعاني من “عقدة الحريري” أو “الحريريفوبيا”، وذلك على ما يبدو جراء العجز والفشل في سد الفراغ الذي تركه سعد الحريري بعد تعليق عمله السياسي، الذي كان ولا يزال يُمثِّل فرصةً وتحدياً لهم في الوقت نفسه لإثبات وجودهم على الساحة وبين الناس، فكانت النتيجة “صفراً مكعباً” كما يُقال، بالرغم من كم الدعاية والإعلان والدعم الذي يحظون به سواء من بعض الأطراف الداخلية أو الخارجية.

​بدأت الحملة هذه المرة كعادة كل سنة قبل موعد عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان في ذكرى استشهاد الرئيس الشهيد في 14 شباط، حيث كان يومها حديث الانتخابات هو الطاغي لدى هذا البعض المتعطش والواهم بإمكانية الحلول محل سعد الحريري، فبدأ بنسج الحكايات والقصص عن اتصالات ومفاوضات للتحالف بين تيار المستقبل وحزب الله، معتمدين في ذلك على تصريحات بعض قادة حزب الله التي تحدثت عن حجم الضغوط التي تعرَّض لها وواجهها الرئيس الحريري في سبيل درء الفتنة الداخلية، في وعي وفهم متأخرين وبمفعول رجعي لمواقف الرئيس سعد الحريري من الأوضاع الداخلية في لبنان والثناء عليها، وذلك بعد أن تغيَّرت الظروف الإقليمية وبدأ العهد الجديد وحكومته التضييق على الحزب في موضوع حصرية السلاح بيد الدولة، الذي كان دائماً وسيبقى من ثوابت الرئيس سعد الحريري وإن اختلفت المقاربات باختلاف الظروف الداخلية والإقليمية.

​التقط هذا البعض الحاقد هذه الإشارات ليبني عليها أوهامه بقيام تحالف سياسي في الانتخابات، قبل أن تثبت الأحداث بأنهم ينعقون بما لا يفقهون، وذلك عندما أعلن الرئيس الحريري في ذكرى 14 شباط أنه عندما تحدد السلطة موعد الانتخابات فسيكون له موقف، وهو ما أثبت بُعد نظره وفهمه للتطورات وهو الغائب عن الساحة أكثر بكثير من هذا البعض، الذي أثبت كم هو ساذج سياسياً ولا يتقن سوى التضليل وكب الخبريات الساقطة التي تُرمى له لإظهاره بمظهر العارف، والبعيدة كل البعد عن أي مصداقية، مما أعاده بعد انكشافها إلى حجمه الطبيعي الوضيع سياسياً والمفلس إعلامياً وأخلاقياً.

​بعد سقوط خبرية التحالف الانتخابي جاء طرح قانون العفو في مجلس النواب، فوجدها هذا البعض فرصة جديدة للقنص على سعد الحريري وتيار المستقبل من باب “مظلومية” المعتقلين الإسلاميين بالرغم من أن لا نواب لتيار المستقبل داخل البرلمان. بدأت حملة جديدة اتخذت من الشيخ أحمد الأسير عنواناً وستاراً لها، فحاولت إظهار آل الحريري وكأنهم المسؤولون عن سجنه، وذهب خيال أحدهم المريض حد الترويج بأن الحريري وتياره هو من يُعرقل قانون العفو خوفاً على شعبيته من خروج الأسير، وكأن هذا الأخير هو نيلسون مانديلا لبنان!

سقط قانون العفو نتيجة الخلافات والمزايدات ما بين أطراف مجلس النواب، وسقطت معه فرصة هذا البعض وأوهامه بالاستمرار في حملته المغرضة.

​فجاءت الحرب بتداعياتها الكارثية على لبنان والجنوب وأهله، مما اضطر الدولة للدخول في مفاوضات مباشرة لم تكن مطروحة قبل الحرب ونتائجها، وتم توقيع “صيغة إطار” للمفاوضات بهدف وضع الآليات لتطبيق ما يتم التفاهم حوله، فقامت الدنيا ولم تقعد كما كان متوقعاً من محور الممانعة وأذنابه، واتخذت النقاشات كما دائماً في لبنان سجالاً طائفياً، وبدأ التساؤل عن موقف الطائفة السنية من الموضوع. هنا أيضاً استنفرت جماعات “الحريريفوبيا” خلاياها وإعلامها للتصويب أيضاً على سعد الحريري من باب عدم تعليقه على الموضوع، لتتفتق عبقرية أحدهم عن أن الصمت هو دليل عدم رضا على موقف الحكومة والدولة، وبالتالي فإن هذا “اللا موقف” هو موقف داعم لحزب الله والممانعة، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

آخر هذه المناسبات -وبالتأكيد لن تكون الأخيرة- هي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان وااجتماعه مع الرؤساء الثلاثة وبعض رؤساء الأحزاب اللبنانية العاملة على الساحة، ومن ثم زيارته إلى عاصمة الشمال طرابلس واستقباله استقبال الأبطال. وبغض النظر عن ملاحظاتنا على الزيارة ومجرياتها، إلا أننا ننظر إلى هذه الزيارة بمعناها التاريخي من حيث هي الفاصل بين تاريخ مضى وآخر آتٍ، ومعناها الحالي بما تحمله من أهمية كبرى في ضوء التطورات في لبنان والمنطقة، ولن ننجر إلى ما فعله البعض من تقزيم لها على مقاسهم ومقاس حرتقاتهم السياسية، عندما نظروا إليها فقط من باب عدم اجتماع وزير الخارجية السوري مع أي مسؤول في تيار المستقبل أو أي شخصية من آل الحريري، ليروجوا مرة أخرى كما دأبهم منذ سنين بأن هذا دليل على أن “الحريرية السياسية” انتهت وبأن سعد الحريري بات من الماضي، ولكن غفلوا -وإن كانوا يعلمون- أن “الحريرية السياسية” التي كان أغلبهم من معتنقيها في السابق، هي بيروتية المنشأ ولبنانية الهدف وعربية التوجه، تعمّدت مسيرتها بدماء شهيدها الأكبر رفيق الحريري ورفاقه من كل الطوائف دفاعاً عن لبنان وعروبته الحضارية، ولا يمكن لأحد أن ينهيها إلا أهلها وأنصارها الذين خاضوا معها أصعب الأوقات، وقد أثبتت الأيام والسنوات الأربع الماضية أنها عصية على الاقتلاع وعلى الوصاية من أي جهة أتت، ولن نستطرد بأكثر من هذا.

​يبقى سؤال واحد وأخير لهؤلاء الحاقدين وهو: ما دمتم ترون وتروجون منذ سنوات بأن “الحريرية السياسية” بقيادة سعد الحريري قد انتهت، فما سر هذا الحقد والتشويش عليها وعليه إذن عبر متابعة أخبارها ومطالبتها بالمواقف عند كل مفترق ومساءلتها دون غيرها من أطراف الطيف السياسي “السني”؟ بانتظار الجواب على هذا السؤال، ستبقى “الحريرية السياسية” بوصلة كل الوطنيين اللبنانيين تحت راية “لبنان أولاً”، وسيبقى تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري بممارساتهم السابقة واللاحقة -متى عادت- تحت النقد والمساءلة من قِبَل المؤيدين قبل المعارضين بهدف الإصلاح لا الهدم، بعيداً عن الحقد الشخصي والسياسي الذي لا يبني وطناً ولا حياة سياسية سليمة، ولا يعطي إلا مساحة مؤقتة وصغيرة للباحثين عن دور وموقع عبر بث الأضاليل والأكاذيب خدمة لمصالح مشبوهة لأشخاص وأطراف مشبوهين.

ياسين شبلي – لبنان الكبير

مقالات ذات صلة