تشيع خامنئي…. رايات حمراء، دعوات للانتقام، توتر في مضيق هرمز، احتلال للبنان فهل يصمد الاتفاق الأميركي – الإيراني؟

جددت إيران ترسيم خطوطها الحمراء في مسيرة التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسيطين الباكستاني والقطري.

وأظهرت مراسم تشييع جثمان المرشد الإيراني السابق آية الله علي خامنئي، أن الموقف التفاوضي لا يمكنه القفز فوق شرط وقف الحرب على كافة الجبهات في الشرق الأوسط وخاصة لبنان، وعدم التفريط بسيطرة إيران على مضيق هرمز بالتعاون مع جارتها سلطنة عمان، إضافة إلى الاستجابة لمطلب شعبي صار شعارا وطنياً، وهو الانتقام من قتلة المرشد علي خامنئي.

وتم تسجيل تطور يتعلق بالملف اللبناني على الصعيد الرسمي بين الدولتين، خلال مراسم وداع خامنئي، وذلك من خلال حضور وفد يمثل الحكومة اللبنانية ويرأسه وزير الدفاع اللبناني ميشال منسّى، حيث شكّل ذلك مناسبة لعقد لقاءات مع القيادة العسكرية الإيرانية، وهو ما قد يشير إلى تعاون سيكون في إطار الآلية الثلاثية (الأمريكية الإيرانية اللبنانية) التي اتفقت عليها واشنطن وطهران في مفاوضاتهما غير المباشرة في سويسرا مؤخرا.

في هذا السياق، أكد نائب وزير الدفاع وإسناد القوات المسلحة الإيرانية العميد سيد مجيد ابن الرضا «إن تحقيق الأمن والاستقرار والهدوء في لبنان كان دائماً من المبادئ الثابتة والاستراتيجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي الظروف الحساسة الراهنة، يتم متابعة هذا النهج بجدية».

واعتبر أن حضور الوفد الرسمي اللبناني «يشكل دليلاً على عمق العلاقات الأخوية والروابط الوثيقة بين الشعبين»، وأعرب عن تقديره لحضور الوفد، وأكد على دعم إيران لسيادة لبنان ووحدة أراضيه وأمنه، وكذلك تطوير التعاون الثنائي، كما أضاف أن العلاقات العريقة بين إيران ولبنان قائمة على الوشائج الحضارية والتاريخية والثقافية والاجتماعية.

وكانت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، ذكرت اسم لبنان ثلاث مرات في البند الأول منها، وأكدت على شموله بوقف النار، واحترام سيادته، وهو ما يعني برأي إيران، انسحابا إسرائيليا كاملا من الأراضي اللبنانية المحتلة في الجنوب، خلال مدة ستين يوما، بالتزامن مع التوصل لاتفاق نهائي أمريكي إيراني خلال تلك المدة.

وتحولت قضية لبنان ووقف الحرب فيه إلى قضية تحظى باجماع الإيرانيين على الصعيدين الرسمي والشعبي وخاصة في المواقف السياسية، والتظاهرات الشعبية ومراسم تشييع المرشد علي خامنئي.
وإضافة إلى ما تقدم، رفعت إيران تحذيراتها بشأن الوضع في مضيق هرمز، وشملت التحذيرات هذه المرة، بريطانيا وفرنسا.

وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي: إن ضمان أمن مضيق هرمز يقع على عاتق الدول المشاطئة له، مشدداً على أن مفتعلي الأزمات سيتحملون تبعات مغامراتهم؛ وهذا تحذير جدي.

وأفادت وكالة «إرنا» الرسمية أن غريب آبادي، كتب السبت في مدونة له عبر منصة «إكس» رداً على البيان الأخير لفرنسا وبريطانيا بشأن مضيق هرمز: أن مضيق هرمز ليس ساحة لاستعراض القوى العابرة للمنطقة، وأن إيران بصفتها قوة مسؤولة وضامنة لأمن المضيق، تحذر من أي تحرك عسكري في هذا الممر المائي.

جاء ذلك ردا على البيان المشترك الذي أعلنه من لندن، رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصفا فيه مضيق هرمز بأنه «شريان حيوي للاقتصاد العالمي»، وأعلنا أن ضمان العبور الآمن لسفن جميع الدول عبر هذا الممر المائي يعد قضية عالمية.

وقال البيان إن سلطنة عمان وافقت على التعاون مع بريطانيا وفرنسا لتأمين مياهها الإقليمية ضد مخاطر الملاحة البحرية، كما أعلنت لندن وباريس استعدادهما لنشر ما وصفتاه بـ «مهمة عسكرية موسعة ومتعددة الجنسيات»، وأن هذه الخطوة تأتي بهدف دعم حرية الملاحة في مضيق هرمز.

وقبل ذلك طال التحذير الإيراني القوات الأمريكية، من أي تدخل أمريكي في النظام العام لمضيق هرمز، معتبرةً أن أي إجراء بهذا الاتجاه يُعد تهديدًا للسيادة الوطنية الإيرانية، «وسيُواجَه برد حازم».

جاء ذلك في بيان لقيادة مقر «خاتم الأنبياء» نشرته وكالة «فارس» الإيرانية، عقب اجتماع أمني نظمته القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» في العاصمة البحرينية المنامة، بمشاركة مسؤولين عسكريين من 11 دولة في المنطقة.

وأكد البيان الإيراني أن مضيق هرمز يقع ضمن نطاق السيادة الإيرانية، وأن الحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر المائي الاستراتيجي يمثل «خطًا أحمر» بالنسبة للقوات المسلحة الإيرانية.

وقال البيان: «أي تدخل أمريكي في شؤون الأمن أو أي خطوة من شأنها الإخلال بالنظام في المضيق ستُعد تهديدًا للسيادة الوطنية الإيرانية، وستُقابل برد حازم».

وفي وقت سابق الخميس، أعلنت «سنتكوم» عقد حوار أمني إقليمي في البحرين، بمشاركة قادة عسكريين من الولايات المتحدة و11 دولة عربية، بينها سوريا ولبنان للمرة الأولى، لبحث تعزيز التعاون الدفاعي وضمان التدفق الحر للتجارة عبر مضيق هرمز.

وناقش المجتمعون البيئة الأمنية الإقليمية الراهنة، وفرص تعزيز التعاون الدفاعي في المنطقة، مؤكدين التزامهم المشترك بضمان التدفق الحر لحركة التجارة عبر مضيق هرمز.

ويأتي الحوار في وقت تواصل فيه واشنطن وطهران مفاوضات بشأن اتفاق نهائي يشمل الملف النووي، عقب مذكرة تفاهم أُبرمت في حزيران/يونيو، وتضمنت وقف القتال وإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية.

وتطالب دول عربية وخليجية بأن يتضمن أي اتفاق نهائي بين طهران وواشنطن الهواجس الأمنية العربية، والتأكيد على احترام سيادة الدول، في ظل ما وصفته بتصاعد التهديدات الإقليمية بعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران أواخر شباط/فبراير.

ووسط هذه الأجواء، التقى نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، هي وي، بشكل منفصل في طهران بكل من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وذلك خلال تمثيله الصين في جنازة المرشد الأعلى السابق علي خامنئي الجمعة.
وجاء في بيان لوزارة الخارجية الصينية أن الصين تأمل أن تستعيد إيران الأمن والاستقرار والتنمية في أسرع وقت، وفقا لما ذكرته وكالة بلومبرغ للأنباء.

إيرانيون ينادون بـ«الانتقام»

ويتزايد الغضب الشعبي في إيران تجاه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وخاصة لقتلهما المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.

وأطلق آلاف الإيرانيين الذين توافدوا مع بزوغ فجر السبت إلى مصلّى طهران الكبير لإلقاء نظرة الوداع على آية الله علي خامنئي، هتافات تنادي بـ«الانتقام» للمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الذي قُتل في غارات أمريكية وإسرائيلية في شباط/فبراير الماضي.

ورفع كثيرون رايات بلون أحمر يرمز إلى الثأر كتب عليها «شهيد»، وحمل آخرون لافتات كُتب فيها «انتقام» بالفارسية والانكليزية، إضافة إلى أعلام إيران وحزب الله اللبناني وصور للمرشد الراحل وخلفه نجله مجتبى الذي لم يظهر إلى العلن منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية.

كما رفعت لافتات تدعو إلى «قتل» الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وخلال تواجد «القدس العربي» في مصلى الإمام الخميني قالت لنا الشابة فاطمة (29 عاما)، «لا يمكننا أبدا التخلي عن الثأر من قتلة قائدنا، وعلى الإدارة الأمريكية وإسرائيل أن تعلما أنهما ارتكبتا جريمة شنعاء لا يمكن غفرانها أبدا».

وقبل ذلك تحدثت لـ«القدس العربي» زهراء خدائي وهي صحافية إيرانية فقالت: نحن لا يمكن أن ننسى قائدنا، ولا نثق بالولايات المتحدة الأمريكية ولا بوعودها التفاوضية، وأضافت: «كما قال قائدنا الشهيد علي خامنئي فإن الولايات المتحدة الأمريكية هي عدونا الأساسي، ونحن لا نخضع لها. نحن نقف في جبهة الحق ولا يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم مع جبهة الشيطان والصهيونية، لانهم لا يحترمون تعهداتهم، على عكسنا نحن الذين نحترم تعهداتنا».

وختمت «لذا أتوقع ان يشنوا الحرب من جديد على إيران، ولكنهم لن ينجحوا أبدا، بل سنقف في وجههم بقدرة واتحاد، ولن يستطيعوا تفتيت إيران. نحن جيل الشباب سنقاوم المعتدين، والجيل الذي سيأتي بعدنا، سيكون أكثر قوة وتمسكا ببلدنا إيران».

أمام جموع تجهش بالبكاء، صاح أحد المشاركين في المراسم الوطنية «نحن لسنا هنا من أجل التشييع، بل من أجل الانتقام».

وسجّي نعش خامنئي وأفراد من عائلته قتلوا معه في الضربة التي استهدفت مقر إقامته في اليوم الأول من الحرب، على منصة مرتفعة في الباحة الخارجية للمصلّى. واتخذت المنصة شكل تلك التي كان المرشد يطلّ منها في العديد من المناسبات على الجموع من حسينية الإمام الخميني في المجمع حيث أقام.

وأحاط صفان من الأعلام الإيرانية بالنعوش، بينما رفعت على جدران المصلى وأسواره صور كبيرة لخامنئي في مراحل مختلفة من حياته.

وتُقام مراسم التشييع بعد نحو أسبوعين من توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، تمهّد لمفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نهائي بين البلدين.

وتأتي الجنازة، وهي الأضخم في إيران منذ وداع الخميني عام 1989، في مرحلة مفصلية لقيادة الجمهورية الإسلامية، الراغبة في تظهير مشهد يعكس تماسكها وصلابة قاعدتها الشعبية بعد تحديات قاسية، تمثّلت بحرب الأيام الاثني عشر يوما مع إسرائيل في 2025، والحرب الأمريكية الإسرائيلية التي انطلقت في 28 شباط/فبراير 2026.

وعلى الجانب الآخر، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران «ترغب بشدة» في التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، مشيرا إلى أنه منح طهران مهلة أسبوع بسبب مراسم التشييع الرسمية للمرشد الإيراني.

جاء ذلك في خطاب ألقاه ترامب بولاية ساوث داكوتا بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة، تطرق خلاله إلى الملف الإيراني ومستجدات الشرق الأوسط.

بالمقابل وفي مؤشر لا يخلو من دلالة، ركزت سلّطات إيران الضوء على قيام القوات الأمريكية باسقاط طائرة مدنية إيرانية عام 1988 فوق مياه الخليج، إضافة إلى قضية مدرسة البنات في ميناب جنوب إيران في بداية الحرب الأخيرة في شباط/فبراير 2026.

وأكدت بعثة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الأمم المتحدة، أن أمريكا ما زالت ترفض محاسبتها على جرائمها.

وأوضحت البعثة الدائمة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الأمم المتحدة، الجمعة أنه: «في 3 تموز/يوليو 1988 أسقطت البحرية الأمريكية الرحلة رقم 655 التابعة للخطوط الجوية الإيرانية فوق الخليج، مما أدى إلى استشهاد جميع الركاب المدنيين البالغ عددهم 290 شخصاً، بينهم 66 طفلاً».

وأضافت: «بدلاً من قبول المسؤولية والمحاسبة، منح الرئيس الأمريكي آنذاك وسام الشرف للطاقم المسؤول عن هذا الفعل».

وأوضحت البعثة: «وهذا هو بالضبط السبب الذي يجعل ثقافة الإفلات من العقاب مستمرة: من إسقاط الرحلة 655 في سماء الخليج، إلى إطلاق صواريخ توماهوك على مدرسة في ميناب، ما أسفر عن استشهاد 168 طالبة، وما زالت الولايات المتحدة ترفض محاسبتها على جرائمها».

وأضاف البيان أنه وفي 28 شباط/فبراير 2026، بالتزامن مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وقعت أشنع جريمة في مدرسة ميناب الابتدائية في محافظة هرمزكان. وخلال ساعات الدراسة، عندما كان 264 طالباً في الفصول الدراسية، تعرضت المدرسة لقصف صاروخي أمريكي مرتين. أسفر هذا الهجوم عن استشهاد 168 طالباً وطالبة تتراوح أعمارهم بين 7 و12 عاماً، بالإضافة إلى معلمين وبعض أهالي الطلاب، وإصابة أكثر من 96 آخرين.

وظل العديد من الضحايا محاصرين تحت الأنقاض لساعات، وتعرضت عدة جثث لإصابات بالغة جعلتها غير قابلة للتعرف عليها.

إلى ذلك توجه اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مخاطبا المشيعين قائلا: «إن استشهاد قائد الثورة الاسلامية آية الله العظمى السيد علي الخامنئي ليس نهاية المطاف، بل بداية فصل جديد من التضامن الوطني والصمود والازدهار، متجاوزا جميع المحن».

القدس العربي

مقالات ذات صلة